ميسون علم الدين تتوق إلى الانسانية

علم الدين شغوفة بالفلك وجمالاته التي تتراءى لها في الانفتاح بين أرضها وسمائها، لذلك تقول: "أردت الغوص في هذا الكون الغني بكواكبه الملوّنة، وللتخفيف من ثقل الجسد على الأرض. أحلم بعالم خالٍ من القتل والدمار والتشرّد، وعالم يُبنى على المحبة والإنسانية".

في معرضها الجديد تحت عنوان "هناك"، إستقرّت مجموعة جديدة من أعمال الفنانة السورية ميسون علم الدين في صالة غاليري "زمان" في الحمراء في بيروت.

أسلوب خاص، فريد، مميّز، يشكّل هوية فنان واضحة، ألوانه تتراوح بين السطوع، والشفافية في جوٍ يطغى عليه التجريد، في حال كانت الأشكال تعبيراً عما يمكن للعين أن تراه، وهو انطباعي في حال الرؤيوية، الحالمة لأمكنة افتراضية، تمتد من الإنسان، إلى الطبيعة، فالكون.

يطغى التناسق والانسجام على الأعمال، في جوٍ من التناقض الإيجابي الذي يظهر حسنه الضد. لكن الأعمال تشي بأمرين، الأول، شيء من الاضطراب الدفين، الكامِن، المختبىء خلف ثنايا الصورة، والمنتشر تشظيات متباينة في أنحائها وزواياها، والثاني، نزوع كوني، هو إما هروب من الواقع المرير الذي تعيشه البشرية، أو توق للانعتاق، والتحرّر لما هو أفضل مما قدّمته البشرية للإنسانية، خصوصاً أصحاب القرار فيها، المسؤولين عن آلام الإنسان، ومعاناته، ووضعه في مأزق الحروب الدائمة، والهمجية اللامتناهية طالما شاؤوا لها سبيلاً.

تتجلّى الكونية في أعمال ميسون علم الدين في إيحاءات لا لُبس فيها، حيث تتكرّر الكرات الموحية بالكواكب، وفي أشكال الغيوم الكونية، الكامنة في المجرّات، تخرجها الفنانة في أشكالٍ تعبيرية مختلفة، آناً بوضوح، وشغف، وتحدٍ لوني صارخ، وحيناً آخر بشفافية، ناعمة لا تغيب لمساتها عن كل الأعمال، لتعطي للفنانة هويتها الأنثوية.

وليس الفنان، حامل الهوية السورية، أمام خيارات واسعة. ربما هو أمام خيار وحيد هو بلده وما يجري فيه من مآسٍ مستمرة بلا هوادة منذ سبع سنوات. أين مفرّ الفنان السوري من مؤثّرات تلك الأحداث غير المُتناظرة، على عواطفه، وعقله، وتالياً على أعماله؟ هو في معمعته، لا يمكن تجاوزها، ولا يستطيع إلا الحضور بها إلى فنه، بما تيّسر له من تعبير كثير المنابع، والوقائع.  

ومع ذلك، تنفي الفنانة علم الدين في حديث للصفحة الثقافية في الميادين نت أن تكون "في صراع مع الكون والطبيعة، وإنما مع ذلك الإنسان المُعتدي عليها، والمُنتهك لإنسانيته نفسها، وهو من أكثر الموبقات التي وجدت على الأرض"، مضيفة أن "الطبيعة هي الحاضن الأساس للإنسان قبل أن يكون فناناً، هي الأرض، والجمال، والمحبة. هي الله. هي جذورنا الممتدة في الأعماق، منها نستمد كل الجمال".

ويبدو أن علم الدين شغوفة بالفلك، وجمالاته التي تتراءى لها في الانفتاح بين أرضها وسمائها، لذلك تقول: "أردت في أعمالي الغوص في هذا الكون الغني بكواكبه الملوّنة، وللتخفيف من ثقل الجسد على الأرض، والانتقال إلى عالم الأثير الأكثر وضوحاً، ونقاء. أحلم بعالم خالٍ من القتل والدمار والتشرّد، وعالم يُبنى على المحبة، والإنسانية".

يلاحظ في الجزء الآخر من أعمال ميسون علم الدين "الكثير من الغضب، والقهر، والثورة على قباحة العالم"، بحسب ما ترغب أن تقول، مردفة عن الفنان إنه "صاحب رسالة إنسانية لإعادة بناء عالم من الصفاء، والمحبة كما الله خلق هذا الكون الغامض الجميل، فالفنان هو الأكثر حسّاً، ومعرفة من بقية المخلوقات، وهو الأكثر معاناة في هذه الحرب التي تعمل على تشويه الإنسان، وسلب كل القيَم، والمبادئ الإنسانية التي يتمتع بها".

وختمت عن نظرتها للأحداث في بلدها إنها "من أسوأ أنواع الحروب التي تتعرّض لها البشرية، تقوم على تدمير الإنسان، وتدمير الحضارة التي ينتمي إليها، ليصبح بلا ذاكرة، وبلا تاريخ، وهنا تكمن خطورة هذه الحرب".

ميسون علم الدين (1967) فنانة سورية من السويداء، وعضو اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا، مارست الفن التشكيلي بالخبرة، والاطّلاع، ومواكبة التطوّرات الفنية، ولها ستة عشر معرضاً ويبدو أن أولى إطلالاتها الفنية كانت من مدينتها السويداء في "معرض فناني السويداء في المركز الثقافي من 2001 وحتى 2005. ثم معرض فردي لها في المركز الثقافي في أبو رمانة، في دمشق سنة 2003، فالمركز الثقافي الروسي في دمشق سنة 2004، ومعرض اللوحة الصغيرة في دمشق بين 2002 و2005، وفي السويداء في صالة "ألفا" سنة 2007، فمعرض في صالة الخانجي في حلب سنة 2008، ثم في غاليري كل الفنون سنة 2015، وفي هذا العام شهدت أعمالها انطلاقة متجدّدة حيث شاركت في غاليري أناندا في لبنان، و"معرض سوريا بيتنا" في مدينة آيندهوفن في هولندا (2015-2016)، والملتقى الأوروبي الأول للإبداع في بروكسل في بلجيكا 2016، بالإضافة لمعرض حواء في المركز الثقافي في مدينتها السويداء (2015-2017)، فإلى معرض مدى في برلين في ألمانيا 2017، ومعرض فناني محافظة السويداء2017.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت.