الخيل والليل والبيداء تعرف "المتنبي" وشارعه

شارع المتنبي، قلب بغداد النابض، وأيقونتها الثقافية، كل شبرٍ فيه حكاية، فريق "الميادين نت" تجول في أرجائه لينقل أجواءه الخاصة وطقوسه الفريدة.

  • الخيل والليل والبيداء تعرف
    الخيل والليل والبيداء تعرف "المتنبي" وشارعه

إن زرت بغداد ولم تطأ قدماك شارع المتنبي فكأنك لم تزرها، وإن كنت مولعاً بأساطير الشرق وروايات ألف ليلةٍ وليلة، فحتماً ستجد ضالتك في هذا الشارع الذي يعد من أقدم شوارع العاصمة العراقية وأشهرها. أسس عام 1932، عندما كان اسم الشارع "السراي"، ثم سميَّ بـ"المتنبي" في عهد الملك فيصل الأول، تيمناً بشاعر الحكمة والشجاعة أبو الطيب المتنبي. 

  • مدخل شارع المتنبي من جهة نهر دجلة
    مدخل شارع المتنبي من جهة نهر دجلة

يبدأ الشارع الذي يمتد لأقل من كيلومتر، بتمثال للمتنبي المطل على نهر دجلة، وينتهي بقوس نقش عليه بيت الشعر الأشهر له "الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم".

فريق الميادين نت قام بجولة هناك على أشهر معالم هذا الشارع.

في صباح لا يتكرر في أماكن كثيرة من العالم، صباح بغدادي بامتياز، طقوس ثقافية فريدة، لا شبيه لها في عواصمنا العربية، يستيقظ "أبو الطيب المتنبي" كل يوم جمعة ليعرض أجمل ما يمكن أن يُشترى على آلاف الزوار العراقيين والعرب والأجانب وبأسعارٍ زهيدة. هنا يجد القارئ كل ما يشتهيه عقله من كتب، روايات، موسوعات، ومجلات. بسطات خشبية متجاورة على طول الشارع تحمل عشرات المؤلفات لكتّابٍ مثل ماركيز، كونديرا، جبران، الأخطل الصغير، نجيب محفوظ، محمود درويش، أبي نواس، السيّاب، كلهم يجتمعون هنا.

بدأنا جولتنا من سوق السراي الذي يعود تاريخه إلى العام 1660، بناه ابن الوزير محمد باشا في زمن الدولة العثمانية، ويعتبر امتداداً لشارع المتنبي، تتوزع على جانبيه محلات لبيع المستلزمات المدرسية يتخللها محلات السراجين، بعدها انتقلنا إلى مكتبة الفلفلي، أقدم المكتبات العراقية، هي عبارة عن دكان صغير يحتضن أرشيف العراق وما مر عليه، وتشتهر بألبوماتٍ تحتوي على صور تأخذ ناظرها في رحلة إلى ماضي العراق البعيد. 

صاحب المكتبة أكرم الفلفي استذكر مع الميادين نت تاريخها، قائلاً: "هذه صورة للملك فيصل، وتلك صورة للملك غازي، تأسست هذه المكتبة على يد والدي الحاج حسين الفلفلي عام 1930، تحتوي ألبوماتها أكثر من 3 آلاف صورة، وأيضاً هناك أكثر من 20 ألف كتاب، كان هدفنا منذ البداية توثيق تاريخ العراق وأمجاده، مئات الزوار يأتون يومياً ليتأملوا هذه الصور ويتعرفوا على أبرز الشخصيات".

يشد انتباهنا ازدحام كبير أمام أحد المداخل في شارع المتنبي، وفود تدخل وأخرى تغادر، نحن الآن نقف أمام القشلة أو مدرسة الموفقية، واحدة من أبرز ملامح شارع المتنبي، يعود تأسيسها إلى العام 1861 في عهد الوالي العثماني مدحت باشا، وتعني كلمة القشلة باللغة التركية القشلاغ أي ثكنة الجند.

  • ساعة القشلة والحدائق المحيطة بها في شارع المتنبي
    ساعة القشلة والحدائق المحيطة بها في شارع المتنبي

تتوسط الحديقة الرئيسية للمتبنى ساعة كبيرة، وحولها باحات توزع فيها الزوار على شكل مجموعات، هنا حشدٌ يشارك في مسابقة لغوية، وهناك آخر تحلق حول شاعر يلقي قصيدة شعبية، بينما وجد البعض أنفسهم ينسحبون إلى داخل المبنى حيث التحف الأثرية والأعمال الفنية.

مريم الطائي، شابة عراقية روت للميادين نت سبب ارتباطها بهذا المكان، قائلة: "التواجد في حدائق القشلة أصبح تقليداً أسبوعياً كل يوم جمعة، نلتقي هنا بالأصدقاء والمعارف لقضاء أوقات رائعة، ونتجول بين أروقة المبنى، ونستأنس بأجوائه الفنية والأدبية والثقافية، إنه متنفس لكل أفراد العائلة".

نستكمل جولتنا باتجاه شارع الرشيد عبر "الداربين" الضيقة القديمة، يطل علينا جامع الحيدر خانة، صرح مهيب يعود تاريخ إنشائه إلى الدولة العباسية على يد الخليفة أحمد الناصر لدين الله، يقترب منا صاحب أحد المحال المواجهة للجامع، وبنبرة غاضبة يقول "أبو علي": "الحيدر خانة من أجمل جوامع بغداد وأهمها، انطلقت منه أحداث ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، ولهذا بات يعرف بالجامع الثائر، ولكن للأسف، يعاني من الإهمال، هذا الصرح هو جزء من هويتنا البغدادية، وعلى الحكومة أن تهتم بهذه المعالم التاريخية والأثرية للحفاظ عليها".

بعد هذه الجولة الطويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، كان لا بد لنا من أخذ قسط من الراحة، فتوجهنا إلى مقهى "الشابندر"، أحد أشهر المقاهي القديمة في بغداد، تأسس عام 1907، وبات مركزاً للتجمعات الثقافية والأدبية وللجلسات الحوراية، ومقراً للمثقفين والأدباء.

  • مقهى الشابندر.. أشهر مقاهي بغداد وأقدمها
    مقهى الشابندر.. أشهر مقاهي بغداد وأقدمها

من يدخل مقهى "الشابندر" حتماً لن يجد مكاناً شاغراً، وعليه أن ينتظر دوره، وهذا ما حدث معنا، ولكن لا ضير من الانتظار، فالوقت سيمر سريعاً وأنت تُنَقِل نظرك من جدارٍ إلى آخر، مئات الصور لشخصيات ورؤساء وزعماء، كل ما في هذا المكان يعبق بالأصالة ويشي بذكريات الزمن الجميل ويختزل عقوداً من التاريخ وتحولاته، وهو أيضاً مختلفٌ عن المقاهي التي نسمع عنها، لأن "الشابندر" ليس للتسلية، وإنما هو تجمع للثقافة والأدب والجلسات الحوارية.

تبادلنا أطراف الحديث مع صاحبه الحاج محمد الخشالي، رجل سبعيني تغمر الابتسامة وجهه، ولكن ما إن وقع نظره على إحدى الجدران حتى تبدلت ملامحه، ثم أشار بإصبعه نحو الجدار قائلاً: "هؤلاء الشهداء أربعة منهم أولادي وخامسهم حفيدي، استشهدوا بتفجير عام 2007، المقهى أيضاً تعرض للدمار، ولكننا أعدنا ترميمه، لأن الهدف هو تدمير روح العراق وقتل الحياة فيه، ولن نسمح لهم بذلك".

شارع المتنبي، قلب بغداد النابض، كل شبر فيه حكاية، حاولنا التحايل على الوقت، لا نريد لهذه الجولة أن تنتهي، ولكن العمل لا ينتظر أحداً، في طريق عودتنا إلى السيارة، تناولنا وجبة سريعة في مطعم "كص أم كلثوم" ومررنا بـمحل"مرطبات الحاج زبالة" لنروي عطشنا بكوب عصير، ثم حملنا معنا ذكرى وكتباً، وتركنا جزءاً منا هناك.

  • "مرطبات الحاج زبالة".. محل عصائر يحفظ ذاكرة العراق