بثينة

كيف وقع جميل في حبّ بثينة؟ ولماذا سميّ حبهما بالحبّ العذري؟

بثينة

إذا قُلتُ ما بي يا بُثَينَةَ قاتِلي
مِنَ الحُبِّ قالتْ: ثابِتٌ ويَزيدُ

وإن قلتُ رُدّي بَعضَ عَقلي أعِشْ بهِ
مَعَ الناسِ قالتْ: ذاكَ مِنكَ بَعيدُ
فلا أنا مَردودٌ بِما جِئتُ طالِباً
ولا حُبُّها في ما يَبيدُ يَبيدُ

هذه الأبيات الغزلية الرقيقة من قصيدة للشاعر جميل بن مَعمِر (ت 701) يقولها في حبيبته بُثَينةَ وكلاهما من بني عُذرة، وهما من رموز الحب العفيف الذي اشتهر به أبناء هذه القبيلة حتى صار كل حب عفيف غير غرائزي ينسب إليهم، فيقال إنه حبٌّ عُذريّ.

واشتهر جميل بحبه لبُثينةَ وقال معظم شعره فيها فنُسِبَ إليها وصار يُعرَفُ بجميل بُثَينة. وقد انعقدت عُرى المودّة بين جميل وبُثَينَة وهما صغيران يرعى كل منهما إبل أهله، وكان مبدَأُ حبهما سُباب. وذلك أن بُثَينَة نَفرت إبلَ جميل عندما وردت الماء لتشرب في مكان يُسمّى وادي بَغيض، فَسبّها جميل فردّت عليه بِسُباب مثله فأعجبته. وفي ذلك يَقول:

وأوّلُ ما قادٍ المَودّةَ بيننا
بِوادي بَغيضٍ يا بُثَينَ سُبابُ
وقُلنا لها قَولاً فَجاءتْ بِمثلهِ
لِكُلِّ كلامٍ يا بُثَينَ جَوابُ

ثم إن جميل عندما شَبّ وظهرت موهبته الشعرية صار يكثر النظم في حبه لبُثَينَة ويذكرها باسمها. وهذا غير مُستَحبّ في القبائل. فلما تقدم طالباً يدها من أبيها رفض تزويجه إيّاها، وزوّجها من رجل يقال له نُبَيه. وازداد ولعُ جميل ببُثينة كما كانت هي مولعة به. فكان يتحيّن الفرص لزيارتها خفيةً ولكن من دون رَيبة. وفي ذلك يقول:

إذا خَطَرتْ مِن ذِكرِ بَثْنَة خَطرةٌ
عَصَتني شُؤونُ العَينِ فانْهلَّ ماؤها
فَإن لم أزُرها عادَني الشَوقُ والهَوَى
وعاوَدَ قلبي مِن بُثَينةَ داؤها
وكيفَ بِنفسٍ أنتِ هَيّجتِ سُقْمَها
ويُمنَعُ مِنها يا بُثَينَ شِفاؤها

هكذا أصبح اسم العلم المؤنث بُثٍينَة يذكّر بحبيبة هذا الشاعر الذي ملأ الدنيا بذكرها. لكن الذين يعرفون معنى هذا الاسم قِلّة. وتعميماً للفائدة نقول إن اسم بُثَينة مأخوذٌْ من البَثْنَة وهي المرأة الحسناء الناعمة، الغَضّة البَضّة، وتصغيرها بُثَينَة. والبَثنَةُ: النِعمةُ وطِيبُ العيش ورخاؤه. وقيل: البَثنة في الأصل هي الأرض السهلة الطَيّبة الإنبات. تصغيرها بُثينة. وبها سُمّيَت المرأة. والجمع بُثْنٌ.

وبالعودة إلى قصة حب جميل لبُثينة وما اتصف به من عِفّة، قد يكفي للدلالة عليها قول جميل:

إنّي لَأرضى من بُثينةَ بالذي 
لوَ ابْصَرهُ الواشي لَقَرّتْ بَلابِلُهْ
بِلا وبلا أستطيعُ وبِالمُنى
وبِالأمَلِ المَرجُوِّ قد خابَ سائلُهْ
وبِالنَظرَةِ العَجْلى وبِالحَولِ يَنقٍضي
أواخِرُهُ لا نَلتَقي وأوائلُهْ

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان