صِبا - صبوة - صَبَا

بين صِبا وصَبَا فرق كبير... تعالوا لنعرف ما هو

صبا - صبوة - صبا

حَمّلوا ريحَ الصَبا نَشْرَكُمُ
قبلَ أن تَحمِلَ شِيحاً وثُماما
وابعثوا لي في الكَرى طَيفَكُمُ
إن أذِنتُمْ لِعيوني أن تَناما

هذان البيتان لِمِهيار الدَيلمي (ت 1037) أحد الشعراء البارزين في العصر العباسي، وهو يخاطب حبيبته طالباً منها أن تُحمّل ريح الصَبا رائحةَ تلك الحبيبة، أي نَشْرَها، وأن تبعث له بطيفها، أي خيالها، إن أرادت له أن ينام.

ريح الصبا هذه هي التي تهبّ من جهة الشرق باردة منعشة. وقد صَبَت الريحُ، تصبو، صَباءً وصُبُوّاً، إذا كان هبوبها صَباً، أي من جهة الشرق. وبها تُسمّى المرأة صَبا.

وللشعراء دور كبير في شيوع التسمية بصبا لكثرة ما ذكروها في قصائدهم، ولا سيما في مقام الغزل والحنين.

من هؤلاء قَيس بن الملوّح (745 - 688) المعروف بمجنون ليلى، الذي كان ينتظر هبوبَ الصَبا لِيبثّها وَجده وهيامه بليلى.

ويُروى أنه قبل أن يهيم على وجهه كان بصحبة فتيان من أصحابه فمرّوا بجبلين فسألهم عنهما فقالوا إنهما جبلا نَعمان، فقال:

أيا جَبلَيْ نَعمانَ باللهِ خَلّيا
سَبيلَ الصَبا يَخلُصْ إليّ نَسيمُها
أجِدْ بَردَها أو تَشفِ مني حرارةً
على كَبدٍ لم يَبقَ إلا صَميمُها
فَإنّ الصَبا ريحٌ إذا ما تنسّمتْ
على نفسِ مَحزونٍ تَجلّتْ هُمومُها

وكما تُسمّى المرأة باسم صَبا تُسمّى صّبْوَة أيضاً. والصَبوة هي الحنين والتشوّق، مصدر الفعل صَبا. وقد صَبا إلى الشخص أو الشيء، يصبو، صَبْواً وصَبوَةً، إذا حنّ إليه وتشوّق. والصَبوةُ أيضاً: جَهلةُ الفُتُوّة. وقد صبا الرجلُ، إذا مال إلى الصَبوة بعد أن مضى شبابه. من ذلك قول الشاعر العباسي ابن الرومي (836 - 896) يحنّ إلى أيام الشباب وصبواته:


سَقياً لأيامٍ مضت أيامُها
بيضاً كأنّ غُروبَهُنّ شُروقُ
إذ للشبيبةِ صَبوةٌ تُصبى بها
وبَشاشةٌ يُصبى بها وتَروقُ
هَيهاتَ أيتها الكواعبُ كالدُمى
مالي بِكُنّ معَ المشيبِ صديقُ
لم تجمعِ الأيامُ شَمْلَ أحِبّةٍ
إلا وشرطُ صُروفِها التفريقُ

وقد تُسمّى المرأة باسم صِبا بكسر الصاد لا بفتحها مثل صَبا. والصِبا حداثةُ السِنّ والصِغَر، وهو أجمل مراحل العُمر. ورَونقُ الصِبا أكثر ما يجذب الرجلَ في المرأة، من ذلك قول الشاعر الأندلُسي ابن زيدون (1003 - 1071):

ما لِلمُدامِ تُديرُها عَيناكِ 
فَيَميلُ من سُكرِ الصِبا عَطفاكِ
هلّا مَزجتِ لِعاشقيكِ سُلافَها
بِبُرودِ ظُلمِكِ لا بِعذبِ لَماكِ
واهاً لِعَطفِكِ والزمانُ كأنّما
صُبِغتْ غَضارَتُهُ بِبُردِ صِباكِ

 

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان