نجاة - ناجي - نجوى - نجية

نجاة -  ناجي - نجوى - نجية

تَحَبَّبْ فإنّ الحُبَّ داعِيَةُ الحُبِّ
وكمْ مِنْ بَعيدِ الدارِ مُستَوجِبِ القُربِ
تَبَصَّرْ فإنْ حُدِّثتَ أنّ أخا هَوًى
نَجا سالِماً فَارْجُ النَجاةَ مِنَ الحُبِّ
إذا لم يكنْ في الحُبِّ سُخْطٌ ولا رِضى
فَأينَ حَلاواتُ الرسائلِ والكُتْبِ


هذه الأبيات الرقيقة في الحُبّ هي للشاعرة والمُغنّية البارعة عَلِيّة بنت المَهدي (777 - 825م) أُخت الخليفة هارون الرشيد، ورثت موهبة الغناء من أمها مكنونة جارية الخليفة المهدي التي أنجبت له أيضاً شقيقها إبراهيم الذي فاته الحظ في الخلافة ولمع نجمُه في الغِناء مثل أخته وأمّه.

ومعنى النجاة الخلاص من أي أذى أو خطر. وهي اسم ومصدر للفعل نجا. يقال: نجا منه، ينجو، نَجاةً، أي خلص من أذاه. فهو ناجٍ وهي ناجِيَة. ومنه أُخِذت أسماء نجاة وناجي وناجيَة.
 

ونجاة اسم علم مؤنث معناه الخلاص من كل أذى وكل خطر وكل ما يرجو المرءُ الخلاصَ منه. 

وإذا لم يكن من سبيل للنجاة من الحب كما تقول عليّة بنت المهدي، فهناك سُبُل ووسائل كثيرة للنجاة من مخاطر عدّة. مثل زورق النجاة، أي المركب الصغير الذي يلجأ إليه المسافرون عندما تّشارف السفينة على الغرق. وطوق النجاة الذي ينجي السابح من الغرق. ويُستعار هذا التعبير للدلالة على وسيلة الخلاص في المواقف
الصعبة تماماً.
والنجاةُ

في الآخرة هي الخلاص من العذاب والجحيم. وكثيراً ما ترد النجاة بهذا المعنى في أشعار الفُقهاء والزُهّاد والوُعّاظ. من ذلك قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 -204م):

يا واعِظَ الناسِ عمّا أنتَ فاعِلُهُ
يا مَنْ يُعَدُّ عليهِ العُمرُ بالنَفَسِ
تَبغي النجاةَ ولمْ تَسلُكْ طريقَتَها
إنَّ السفينةَ لا تَمشي على اليَبَسِ
كحامِلٍ لِثيابِ الناسِ يَغسِلُها
وثَوبُهُ غارقٌ في الرِجْسِ والنَجَسِ

والنجاة في الأصل اسم مشتقّ من المادة اللغوية المؤلّفة من النون والجيم والحرف المُعتلّ وتدلُّ على شيئين، أوّلهما كَشْطٌ وكَشْف، والثاني سَتْرٌ وإخفاء. من الأول النجاة بمعنى الخلاص كما مَرّ. ومنه أيضاً قولُهم: نجا، ينجو، نَجاءً، ونَجاةً، إذا أسرع وسَبق.

وفي السرعة معنى الذهاب والانكشاف. ولذلك سُمّيت الناقةُ السريعة ناجية. قال المُتنبّي (915 - 965 م) في وداع الأحبّة وقد ركبوا الإبلَ وهَمّوا بالرحيل:

تَحَمّلوا حَمَلتْكُمْ كُلُّ ناجِيَةٍ
فَكُلُّ بَينٍ عَلَيَّ اليَومَ مُؤتَمَنُ
ما في هَوادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتي عِوَضٌ
إنْ مُتُّ شَوقاً ولا فيها لها ثَمنُ

والنجاةُ والنَجْوَةُ أيضاً الأرضُ المرتفعة لا يعلوها السَيلُ، سُمّيت بذلك لأنها مرتفعة عن مياه السَيل فيظنّ المرءُ أن فيها نجاتَه إذا دهمه السيل.

وناجية اسم علم مؤنث قديم، عُرِف به بَنو ناجيَة وهم قوم من العرب انتسبوا إلى أُمّهم. وإليهم يشير الشاعر الأموي جرير حيث يقول:

يا أُختَ ناجِيَةَ السلامُ عَليكُمُ
قَبلَ الفِراقِ وقَبلَ لَومِ العُذّلِ
لو كُنتُ أعلمُ أنّ آخِرَ عَهدِكُمْ
يَومُ الفِراقِ فَعلتُ ما لم أفْعَلِ

وناجية مؤنث ناجي وهو الذي ينجو من الأذى والخطر، اسم الفاعل من نجا. ومن الأصل الثاني الذي يدلّ على سَتْر وإخفاء النَجْوَى وهي المُسارّة، والسِرُّ بين اثنين، وحديثُ المرء نفسه. اسم ومصدر الفعل نَجاه، يَنجوه، نَجْواً، ونَجْوَى، إذا أسَرّ إليه بحديث. ومنه اسم العلم المؤنث نَجْوَى.

وقَلّما يُستعمل الفعل الثلاثي نجا بمعنى سارّهُ وإنّما يُستعمل الفعل الرُباعي ناجى مُناجاة وهي والنجوى بمعنى واحد. وعليه قول جميل بن مَعمِر (ت701 م) المعروف بجميل بُثَينة نسبة إلى حبيبته:

لَعَمْرِيَ ما استَوْدعتُ سِرّي وسِرَّها
سِوانا حِذاراً أنْ تَشيعَ السَرائرُ
ولا خاطبَتْها مُقلتايَ بِنَظرةٍ
فَتَعلمَ نَجْوانا العُيونُ النَواظِرُ
ولكنْ جَعلتُ الَلحظَ بَيني وبَينَها
رَسولاً فَأدّى ما تَجِنُّ الضمائر

والنَجْوى السِرُّ. والنَجوى أيضاً هو مَن تُسارُّه أي مَن تُفضي إليه بِأسِرارك، سواء أكان فرداً أو أكثر، لأن النجوى وصفٌ بالمصدر يستَوي فيه المُفرد والجمع.

والنَجيّ هو مَن تُسارُّه، وهو السِرُّ كالنجوى. والنَجيّ هو المُحَدّث. ونَجيَّة اسم علم مؤنث النَجيّ، ومَن تُفضي إليها بأسرارك. والنَجيَّة هي ما يُناجى به من الهَمّ. من ذلك قول الشاعر اليمني المعاصر عبد الله البردوني:

مِنكِ الجَمالُ ومنّي اللحنُ والشادي
يا خَمرةَ الحُبِّ في أكوابِ إنشادي
هُنا أُناجيكِ والأطيافُ تَدفَعُني
في عالمِ الحُبِّ مِن وادٍ إلى وادي
وَحدي أناديكِ مِن خَلْفِ الشُجونِ فَيا
نَجِيّةَ الحُبِّ نادي لَوعَتي نادي
تَفْنى ولِليأسِ حَولي ألفُ ميلادِ

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان