تاريخ وثقافة الأميركيين الأفارقة.. في متحف

متحف وطني خاص بتاريخ وثقافة الأميركيين من أصل أفريقي يفتتح في 24 أيلول/ سبتمبر الجاري في العاصمة الأميركية. المتحف الذي بلغت تكلفته 540 مليون دولار يتضمن إسهامات الأميركيين الأفارقة في مختلف المجالات.

عانى الأميركيون من أصل أفريقي من اضطهاد لعقود طويلة
عانى الأميركيون من أصل أفريقي من اضطهاد لعقود طويلة
يفتتح الرئيس الأميركي باراك أوباما بعد أيام المتحف الوطني لتاريخ وثقافة الأميركيين الأفارقة في واشنطن. قرار إقامة هذا المتحف يعود إلى 2003 حيث قرر الكونغرس الأميركيّ إقامته بهدف محاربة العنصرية. آنذاك لم يكن قاطن البيت الأبيض سوى جورج بوش. بيد أن بدء تنفيذ المتحف تأخر حتى 2012 مع بداية الولاية الثانية لأول رئيس من أصول أفريقية في تاريخ البلاد.

ويضمّ المتحف الجديد الذي غطّت الحكومة الأميركية تكلفته بـ540 مليون دولار، والمخصص للإسهامات الثقافية والعلمية والرياضية والعسكرية للأميركيين الأفارقة، 36 ألف قطعة ما بين أدوات استخدمت للمتاجرة بالبشر، وسيارة كاديلاك للموسيقي الأميركي من عرق أفريقي شاك بيري، ورداء استخدمه أسطورة الملاكمة محمد علي كلاي، وفستان روزا باركس، المرأة السمراء التي رفضت التخلّي عن مقعدها في الحافلة لراكب أبيض عام 1955. بالإضافة الى القلم الذي وقع به الرئيس الأميركي ليندون جونسون قانون حق الاقتراع للأميركيين من أصول أفريقية عام 1965.

ويقع المتحف بالقرب من النصب التكريميّ للرئيس جورج واشنطن، وتطلّ واجهته على متنزه "ناشونال مول". وينتظر الأميركيون بفارغ الصبر افتتاح المتحف الذي باع 200 ألف تذكرة ولن تتوفر أي تذاكر جديدة لزيارته قبل شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

وحارب الأفارقة الأميركيون لعقود العنصرية التي لا تزال تتجلّى إلى اليوم في الولايات المتحدة، من خلال مظاهر الفقر الشديد التي يعانون منها، كما هو الحال في مدينة ميلووكي التي يعيش فيها 70% من الأميركيين الأفارقة في ولاية ويسكونسن، بالإضافة إلى حوادث القتل التي تلاحقهم في كل الولايات، وكان آخرها قتل شرطيّ لطفل من أصول أفريقية في ولاية أوهايو منذ يومين.

وشكّل وصول باراك أوباما إلى سدّة الرئاسة الأميركية في العام 2008 مصدر تفاؤل للأميركيين الأفارقة الذين تهافتوا عليه معتبرين إياه رمزاً لهم. لم يكن أوباما، أوّل شخصية أميركية أفريقية تنجح في تحقيق حلمها أو حتى في المطالبة بحقوق ذوي البشرة السوداء من الأميركيين، سبقه كثيرون لمع اسمهم في العالم وأصبحوا رموزاً عالمية. نضيء على حياة بعض منهم.

رواز باركس (1913-2005)

روزا صاحبة أشهر "لا" في التاريخ المعاصر
روزا صاحبة أشهر "لا" في التاريخ المعاصر
هي المرأة التي غّيرت حياة الأميركيين الأفارقة، والتي قالت أشهر "لا" في التاريخ المعاصر. بعد نضال لسنوات في "الرابطة الوطنية للنهوض بالسود"، دفعها عدد من المعاملات العنصرية تجاهها، والعدد الكبير من حالات الاغتصاب والإهانة التي شهدتها خلال عملها في الرابطة، إلى اتخاذ قرار مصيري لم يتجرأ عليه أحد قبلها. رفضت باركس سنة 1955 التخلي عن مقعدها داخل الحافلة لرجل أبيض، كما يفرض القانون الأميركيّ الذي كان يقوم على التمييز بين البيض والسود حينها.

اعتقلت باركس حينها لأشهر وتعرضت لأبشع أنواع التعذيب، وساهم اعتقالها في إضراب المواطنين السود عن ركوب الحافلات وبالتالي إلى إلغاء القانون العنصريّ. تقول باركس عن السبب الحقيقي وراء عدم تنازلها في الحافلة "شعرت بأنّ لديّ الحق في أن أعامل كأيّ راكب آخر على متن الحافلة، فقد عانينا من تلك المعاملة غير العادلة لسنوات طويلة".

حصلت باركس على الوسام الرئاسي للحرية عام 1996، والوسام الذهبي للكونغرس الأميركي وهو أعلى تكريم مدني في الولايات المتحدة.

مارتن لوثر كينغ (1929-1968)

ناضل لوثر كينغ حتى اغتياله
ناضل لوثر كينغ حتى اغتياله
ولد في مدينة أتلنتا الأميركية، حيث سادت أبشع مظاهر التفرقة العنصرية. حصل على بكالوريوس في الآداب ودكتوراه في الفلسفة، ودخل التاريخ من أوسع أبوابه في العام 1955، بعد حادثة روزا باركس، عندما نادى كينغ السود بمقاطعة شركة الحافلات، وانتهت الحملة في العام 1956، حين استقل كينغ حافلة مختلطة.

نضال كينغ الحقيقي كان في العام 1957، عندما ردد صرخته الشهيرة "أعطونا حق الانتخاب" في خطاب أمام نصب لينكولن التذكاري، فالتمّ حوله الأميركيون الأفارقة وحشدوا المظاهرات إلى أن نجحت مساعيهم في تسجيل خمسة ملايين أميركي من أصول أفريقية في سجلات الناخبين.

استمرّ كينغ الحاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 1964، في نضاله إلى حين اغتياله في العام 1968 أثناء توجهه لقيادة مظاهرة لتأييد إضراب عمّال الصرف الصحيّ، فانتهت على يد رجل عنصريّ يحمل الفكر الذي لطالما حارب ضده كينغ.

محمد علي كلاي (1942-2016)

كلاي كان ينام باكياً لشعوره بالاضطهاد
كلاي كان ينام باكياً لشعوره بالاضطهاد
يروي أسطورة الملاكمة الأميركي محمد علي كلاي في كتاب سيرته الذاتية "روح الفراشة"، أنّه كان يبكي كل ليلة تقريباً قبل أن يذهب إلى النوم من الشعور بالإهانة الدائمة التي يتعرض لها السود في أميركا.

لمع نجم كلاي في الملاكمة منذ صغره، ونجح في شبابه بالمشاركة في بطولات العالم في الملاكمة، فاز بـ56 مباراة من أصل 61، وهو الملاكم الوحيد الذي فاز ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات.

رفض كلاي الانضمام للجيش الأميركي في حربه ضد فيتنام، وهو ما أدى إلى حرمانه من لقبه ومنعه من خوض أيّة مباراة في الولايات المتحدة ومن السفر خارج البلاد.

انطلق كلاي في حربه ضد العنصرية من حلبة الملاكمة، فكان تعريفه عن موهبته في أميركا آنذاك هي أن يجتمع البيض لمشاهدة أسودين يتلاكمان ويحصل أحدهما على لقب البطل". فدفعت جملته الشهيرة الكثير من الفتيان البيض لخوض غمار المنافسة على الرياضة التي ظلت حكرًا على السود لعقود طويلة. دافع كلاي عن الإسلام، الدين الذي لختار اعتناقه. ولم يكن فقط بطلاً رياضياً بل تحوّل إلى رمز عالميّ ضد العنصرية.