الدولار في لبنان إلى أين؟

لقد تمنّى اللبنانيون تشكيل الحكومة سريعاً بعد استقالة الرئيس حسّان دياب عقب انفجار الرابع من آب/أغسطس، لتمرّ سبعة أشهر من دون حكومة جديدة، بعد أن كلِّف الرئيس سعد الحريري بتشكيلها قبل نحو 5 أشهر.

  • الدولار في لبنان إلى أين؟
    الدولار في لبنان إلى أين؟

تستمرّ الأزمة الاقتصاديَّة والماليَّة التي تضرب لبنان منذ سنة ونصف السنة بالتفاقم، مع الارتفاع الهائل للدولار مقابل الليرة، إذ تجاوز 15000 ليرة لبنانية بشكل دراماتيكيّ. وخلال أيام قليلة، ارتفع بنسبة 35%، ما يطرح عدّة تساؤلات عن سبب هذا الارتفاع وتداعياته.

لقد تمنّى اللبنانيون تشكيل الحكومة سريعاً بعد استقالة الرئيس حسّان دياب عقب انفجار الرابع من آب/أغسطس، لتمرّ سبعة أشهر من دون حكومة جديدة، بعد أن كلِّف الرئيس سعد الحريري بتشكيلها قبل نحو 5 أشهر، فيما يرزح البلد تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية وصحّية مع تفشّي فيروس كورونا.

وفي المعطيات، بحسب مصادر متابعة لـ"الميادين"، شهد السوق عدّة محطات يمكن التوقف عندها منذ منتصف شباط/فبراير الماضي، إذ تجاوز الدولار عتبة 9 آلاف ليرة، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من انهيار العملة، وبالتالي المزيد من تراجع القدرة الشرائية لدى غالبية الشعب اللبناني الذي يحصل على مكتسباته بالليرة اللبنانية.

وقد شهدت العملة الوطنية تراجعاً كبيراً، ليلامس الدولار سقف العشرة آلاف ليرة في الأسبوع الأول من آذار/مارس، وواصلت الانهيار، ما أدّى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، إلا أنّ الأيام القليلة الماضية شهدت صعوداً غير مسبوق للدولار، بمعدل ألف ليرة يومياً، ليقفز من 10600 ليرة إلى 15000.

ولهذا الارتفاع الحادّ عدّة عوامل، نذكر منها:

التشدّد الأمنيّ

عُقد اجتماع ماليّ اقتصاديّ أمنيّ في القصر الجمهوريّ في الثامن من آذار/مارس الجاري، اتُخذت على إثره عدّة قرارات تقضي بإغلاق المنصّات التي تحدد سعر صرف الدولار وقمع الصرّافين، ما ترك أثراً سلباً، مع إبلاغ حاكم المصرف المركزي رياض سلامة المجتمعين بعدم قدرته على التدخّل في سوق القطع. وقد تمّ اعتقال عدد من الصرافين غير الشرعيين، ما أدّى إلى إضراب الصّرافين وإحجامهم عن بيع الدولار.

العامل النفسي

إزاء هذا الصّعود الصاروخي للدولار، تهافت الناس على شراء العملة الخضراء، بعد أن اقتنعوا بأن لا أمل بانخفاضٍ يحفظ لهم بعضاً من أموالهم، ما أدّى إلى هجمة كبيرة على طلب العملة الصّعبة، إذ قام التجّار الّذين يستوردون البضائع بطلب كمّيات كبيرة، إضافة إلى تحويل كلّ أرباحهم إلى العملة الأجنبية. 

يفنّد الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي في حديث إلى "الميادين نت" هذه المعطيات، محمّلاً حاكم المصرف المركزي رياض سلامة المسؤولية، جرّاء سياساته المستمرة على مدى 28 عاماً، ويشير إلى أنّ بداية الحلّ تكون عبر إعادة دولارات المودعين الموجودة في المصرف المركزي إلى المصارف، لتقوم بتوزيعها بنسب معقولة على النّاس، ما يضخّ كمّية من الدولارات في السوق ويعيد بعض الثقة المفقودة. 

ويرفض يشوعي تحميل المسؤولية للمنصّات والصرافين وحدهم، متحدّثاً عن عدّة عوامل، منها العامل السياسي، في ظلّ فقدان الناس قدرتهم الشرائية بنسبة 90%، إضافةً إلى ارتفاع نسب التضخّم. 

ويوضح أنّ طبع العملة الذي يعتمد عليه حاكم المصرف المركزي لتمويل نفقات الدولة، ضخّم الكتلة النّقدية أضعافاً مقارنة بما كانت عليه قبل عامين، ما أفقدها قيمتها، وشجّع الطلب على الدولار المفقود، كما أن المصارف التي أهدرت أموال الناس أيضاً لا تقوم بواجباتها، وكذلك المصرف المركزي، ويعتبر أنّه يجب تشكيل حكومة بأسرع وقت، وطلب مساعدة صندوق النقد للبدء بالمعالجة.

من جهته، يعتبر الكاتب محمد زبيب أنّ ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية متوقّع، ومن الطّبيعيّ أن تؤدي سياسات المصرف المركزي والمصارف إلى الانهيار، مضيفاً: "لا ودائع للناس، ورياض سلامة مفلس".

وسأل زبيب: كيف أشار الحاكم إلى وجود مبلغ 700 مليون دولار للدعم لديه. وبعد شهرين، رفع المبلغ إلى مليارين؟ مشيراً إلى عدم وجود احتياطي بقيمة 14 ملياراً أو أكثر، وما يستخدمه الحاكم للدعم يأتي من أموال المودعين.

واتّهم المصارف برفع سعر الصرف في السوق عبر شراء العملة الأميركية تلبيةً للتعميم رقم 154، الذي فرض عليها إيداع 3% من قيمة الودائع الأجنبية لدى المصارف المراسلة بالعملة الصّعبة، والتي تبلغ 3.5 مليار دولار. ويختم زبيب بأنّ البلد مهدّد بمزيد من الارتفاع للدولار وانهيار الليرة إذا استمرَّت سياسة الحاكم المتّبعة وهيمنة كارتيل المصارف.

في الخلاصة، قفزات الدّولار متوقّعة في ظلّ العجز السياسيّ وعدم تحريك ساكن لمعالجة المعضلة الاقتصاديّة والماليّة، والمواطن يسأل: إلى أين سيصل الدولار؟ لا يوجد جواب عن هذا التساؤل، في ظل المستقبل القاتم الَّذي يسير إليه اللبنانيون، مع توجّه الآلاف نحو الهجرة. وهناك من يشبّه الأزمة الحالية بأزمة انهيار الليرة في العام 1987 وانقلاب أحوال الناس الذين خسروا مدّخراتهم بالعملة الوطنية، وتراجعت قدرتهم الشرائية، وباتوا عاجزين عن تأمين الأساسيات، فهل ستكون أزمة العام 2021 نسخة محدثة عن أزمة العام 1987؟