روسيا تعترف باستقلال دونباس.. هل نضجت الظروف للحل أم الصدام؟

مجلس الدوما الروسي يصوّت لصالح مشروع قرار الاعتراف بجمهوريتي لوغانسك ودانيتسك، واستقلال دونباس، في ظلّ موجةٍ من "الهستيريا" الأميركية والغربية وزعمها بأنّ "الغزو" الروسي لأوكرانيا بات قريباً.

  • اعترافٌ روسي باستقلال إقليم دونباس.. ما تداعيات ذلك على الأزمة الأوكرانية؟
    روسيا تصوّت لصالح استقلال إقليم دونباس

صوّت مجلس الدوما الروسي، اليوم الثلاثاء، لصالح مشروع قرار الاعتراف بجمهوريتي لوغانسك ودانيتسك، واستقلال دونباس.

ووفق رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، فإنّ "إرسال هذا القرار إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك المعلنتين من جانب واحد سيتم على الفور". 

وحول أبعاد هذا القرار المعلن في ظلّ موجةٍ من "الهستيريا" الأميركية والغربية وزعمها بأنّ "الغزو"  الروسي لأوكرانيا بات قريباً، أوضح رئيس مركز الحوار الروسي العربي، مسلم شعيتو، في حديث مع الميادين، أنّ هذا القرار هو بمثابة "الانتقال إلى آخر مرحلة من العمل السياسي الدبلوماسي لحلّ الأزمة في شرقي أوكرانيا". 

شعيتو للميادين: قرار الدوما سيُنهي اتفاق "مينسك"

وأشار إلى أنّ "الجانب السلبي من هذا القرار هو أنّه سينهي اتفاق مينسك، الذي يعطي فرصاً أكثر لروسيا لكي تكون لاعباً مهماً في الحياة السياسية الأوكرانية، إذا ما طُبّق". 

أمّا الجانب الإيجابي لهذا القرار، فهو أنّه "سيُنهي إمكانية الابتزاز الدائم التي تقوم به المنظمات المسلحة التابعة للسطة الانقلابية في أوكرانيا، والتي تدعمها دول الناتو والولايات المتحدة بإرسال الأسلحة والمساعدات والمعدّات، وأيضاً المستشارين الذين أصبحوا جزءاً أساسياً بين هذه المجموعات الموجودة على حدود لوغانسك ودانيتسك"، وفق شعيتو. 

وتابع: "هذا القرار له محاذيره الكثيرة، وأعتقد أنّ الرئيس بوتين لن يصل إلى قرار نهائي قبل استنفاد كل الاتصالات الدبلوماسية والسياسية". 

ماذا لو أُجري استفتاءٌ في لوغانسك ودانيتسك للانضمام إلى روسيا؟

كما أوضح للميادين أنّه "إن تمّ التوصل إلى تفاهمات بشأن الأزمة في أوكرانيا، وتوقّف الناتو عن إمداد أوكرانيا بالأسلحة والمعدّات، عندها ستعود أوكرانيا إلى مكانها الصحيح كحليف لروسيا في علاقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، معتبراً أنّ "الحل الدبلوماسي لصالح روسيا، والحل العسكري حتماً لن يتوقف عند الحدود الأوكرانية". 

وتطرّق شعيتو إلى احتمال إجراء استفتاءٍ في لوغانسك ودانيتسك للإقرار بالانضمام إلى روسيا، قائلاً إنّ "مسألة الاستفتاء في تلك المنطقة محسومة لصالح روسيا، لغالبية السكان الذين يتحدثون الروسية وأيضاً بمتلكون الجنسية الروسية، وهي خطوة  تحتاج فقط إلى الحركة السياسية لكسب الشرعية الدولية". 

وأردف أنّ "هذه المنطقة غنية بالموارد الاقتصادية، خصوصاً مناجم الفحم التي تشتري منها أوكرانيا إلى الآن لتشغيل مصانعها ومحطاتها الكهربائية". 

وحول سبب عدم وجود مدينة خاركوف على طاولة المناقشة في مجلس الدوما، أكّد شعيتو أنّ "روسيا حالياً لا تريد التصعيد مع أوكرانيا، خاصةً في تلك المنطقة التي تعجّ بالسكان الروس"، لافتاً إلى أنّ "موسكو تريد تجنيب هذه المنطقة وحمايتها مما تعرضّت له سابقاً  لوغانسك ودانيتسك من اعتداء وقصف من قبل المنظمات المدعومة من الغرب". 

وأضاف:  "عندما دعمت روسيا عام 2014  لوغانسك ودانيتسك وأيضاً السكان في القرم للانفصال، كان الوضع الروسي الاقتصادي والسياسي لا يسمح بانضمام المدن الأخرى ذات الأغلبية السكانية الروسية إليها، وهو ما تغيّر اليوم".  

وبحسب شعيتو، فإنّه "الآن ربّما تستخدم روسيا هذه المناطق من أجل التأثير على الوضع الداخلي في أوكرانيا، ويمكن أن تلعب هذه المناطق دوراً مهماً في إعادة ترشيد السياسة الأوكرانية". 

سليمان للميادين: المساعي الدبلوماسية والتصعيد هما أمران متوازيان

بدوره، قال الإعلامي والخبير في الشؤون الأوروبية، أكثم سليمان، للميادين، إنّه "كان هناك نوع من التهدئة في الساعات الأخيرة والتي عبّر عنها الأميركيون والروس في تصريحاتهم بوجود نافذة للحوار، لكن أن يُعلن هذا الأمر في الوقت الذي يجتمع فيه الرئيس بوتين مع المستشار الألماني أولاف شولتس، فإنّ ذلك يعني أن روسيا لا زالت تأخذ الموضوع بكل جديّة". 

وبالحديث عن الدور الألماني والفرنسي في التخفيف من حدة التوتر في أوكرانيا، رأى سليمان أنّ "روسيا لا تأخذ هذه المساعدات الرمزية على مأخذ الجدّ كثيراً، خاصةً وأنّ الموقف الألماني والفرنسي يأتي على خلفية الأزمة التي حصلت عام 2014 بين موسكو وواشنطن والتي دفعت ثمنها أوروبا". 

وشدد للميادين على أنّ "فرنسا وألمانيا يحاولان إيجاد حلول وسط، كالتوازن ما بين الانتماء الكامل للمعسكر الغربي، مع ضرورة ترك القنوات مفتوحة مع موسكو للحوار حول قضايا الأمن والتعاون". 

كذلك أشار سليمان إلى أنّ الروس لديهم في مخازن الذخيرة السياسية الكثير ، وعند الحديث عن هذا القرار، لا نتحدث عن ضم كشبه جزيرة القرم ، بل عن إعلان استقلالية، ما يسمح للجانب الروسي بالحديث عن عدم تغيير الحدود في أوروبا لصالح الضم إلى روسيا من جهة، وحماية المواطنين الروس في إقليم دونباس من هجوم نازي من قبل كييف من جهة أخرى". 

وأكّد أنّ "المساعي الدبلوماسية والتصعيد هما أمران متوازيان، فليست هناك حاجة حقيقية لاقتحام بلد آخر واحتلاله، فهذه الحروب انتهى زمنها، لكن وجود الضغط العسكري، سواء بالإعلان عن الأسلحة الجديدة، أو بالحشد العسكري، أو بالتعبير الدبلوماسي عن الاستعداد لاستخدام القوة، هو الشرط الذي يحرّك الأمور على طاولة المفاوضات". 

ولفت سليمان إلى أنّ هذا القرار يؤكد أنّ "موسكو  لن تخرج من كل ما جرى خاسرة، ولن يكون الحل على حسابها"، معتبراً أنّ "المساعي الغربية هدفها التوصل إلى حل وسطي لتأجيل الصدام مع روسيا". 

لماذا أعلنت جمهوريتا دونيتسك ولوغانسك استقلالهما عن أوكرانيا؟

أعلنت جمهوريتا "دونيتسك الشعبية" و"لوغانسك الشعبية" في 12 أيّار/مايو 2014 استقلالهما، وذلك بعد أن صوّت معظم سكان مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك في استفتاء عام لصالح الانفصال عن أوكرانيا.

بدأ الشرخ يتسع بسرعة بين كييف من جهة ودونيتسك ولوغانسك وعدد من المناطق الأخرى في شرق أوكرانيا، من جهة أخرى، عقب انقلاب في كييف في شباط/فبراير 2014، أطاح بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش، المنحدر من دونيتسك، وأدّى إلى وصول قوى اليمين القومي المتطرفة التي تتمركز قاعدتها الحاضنة في غرب البلاد، إلى السلطة. 

ورفض سكان الشرق الناطقين بغالبيتهم باللغة الروسية والمؤيدين للعلاقات الجيدة مع روسيا، الاعتراف بالسلطة الجديدة في كييف التي تصاعدت في داخلها الأصوات الداعية لحظر استخدام اللغة الروسية.

وعمّت موجةُ احتجاجاتٍ مناهضة لسلطات كييف، ومطالبةً بإقامة نظام فيدرالي في البلاد، مناطق جنوب شرق أوكرانيا، خاصة دونيتسك ولوغانسك، حيث تمكّن المحتجون في نيسان/أبريل 2014 من السيطرة على مقرات إدارية ومؤسسات حكومية، ليُعلنوا بعد ذلك تأسيس جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين.

وتشكلت في دونباس قوات "الدفاع الذاتي" لمنع وصول العناصر القومية الراديكالية من أنصار السلطات الجديدة في كييف في محاولة لإخماد احتجاجات سكان المنطقة.

من جهتها، اعتبرت السلطات الأوكرانية أنّ "الجمهوريتين الشعبيتين" تنظيمين إرهابيين وأعلنت بدء "عملية لمكافحة الإرهاب" في شرقي البلاد، استخدمت خلالها الطائرات الحربية والمدفعية والعربات المدرعة.

وبعد أشهر من معارك أوقعت أكثر من 40 ألفاً بين قتيل وجريح، وألحقت دماراً واسعاً، بحسب الأمم المتحدة، توصل الطرفان بمساعدة روسيا وألمانيا وفرنسا بحلول مطلع عام 2015 إلى حزمة إجراءات تسوية أطلق عليها" اتفاقيات مينسك" ما أدى إلى انحسار القتال و"تجميد" الصراع.

ولم تعترف حتى الآن أي دولة باستقلال دونيتسك ولوغانسك اللتين تنص اتفاقيات مينسك على بقائهما ضمن أوكرانيا مع منحهما وضعاً قانونياً خاصاً يحمي مصالحهما الأمنية والسياسية الأساسية، باستثناء روسيا التي صوّت مجلس الدوما اليوم على الاعتراف بهما، والتي لم تخفِ دعمها الاقتصادي والسياسي للجمهوريتين اللتين حصل نحو 700  ألف من سكانها خلال السنوات الأخيرة على الجنسية الروسية.

وتسيطر "الجمهوريتان الشعبيتان" على حوالى ثلث أراضي مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك الأوكرانيتين والبالغة نحو 53 ألف كم مربع. ويقدر عدد سكان "دونيتسك الشعبية" بحوالي 2.2 مليون نسمة، و"لوغانسك الشعبية" 1.5 مليون نسمة.

وكانت المقاطعتان تتمتعان تاريخياً بأعلى نسبة في أوكرانيا لسكان المدن والبلدات، بلغت نحو 90% بحلول عام 2014.

غير أنّ أراضي الجمهوريتين أيضاً غنية بموارد طبيعية، لا سيما الفحم، وكانت المنطقة تتميز بمستوى عالٍ من تطور الصناعات الثقيلة، إلاّ أن الحرب وتداعياتها تسببت في أزمة اقتصادية حادة وانكماش ملحوظ في قطاع الصناعة. 

حلف الناتو يحاول التمدد باتجاه الشرق قرب حدود روسيا، عن طريق ضم أوكرانيا، وروسيا الاتحادية ترفض ذلك وتطالب بضمانات أمنية، فتعترف بجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، وتطلق عملية عسكرية في إقليم دونباس، بسبب قصف القوات الأوكرانية المتكرر على الإقليم.