عيون تل أبيب.. نحو السماء

عقب هذه العملية بيوم واحد شن سلاح الجو الإسرائيلي غارة على موقع تابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، لكن اللافت في هذه الغارة أن وسائط الدفاع الجوي نشطت بكثافة للتصدي للطائرات المغيرة.

عيون تل أبيب.. نحو السماء

دخلت منطقة الشرق الأوسط الى مرحلة جديدة من التوتر، عقب سلسلة العمليات الجوية التي نفذتها القوات الجوية الإسرائيلية في الأجواء العراقية والسورية والفلسطينية واللبنانية خلال الشهر الجاري، لكن التطورات في ما يتعلق بلبنان أكتسبت أهمية خاصة نظراً لأنها كانت تتسم بتصعيد واضح، ظهر فيه بجلاء الإصرار الإسرائيلي على استفزاز الدولة اللبنانية وجيشها ومقاومتها. نعم لم تغب المقاتلات والطائرات دون طيار الإسرائيلية عن الأجواء اللبنانية يوماً واحدا طيلة السنوات الأخيرة، خاصة بعد بدء تدهور الأوضاع في سوريا منذ العام 2011، لكن أتت أحداث الشهر الجاري كمؤشر على دخول هذه الاستفزازات والاختراقات مرحلة جديدة أكثر وضوحاً وشدة.

عملية الضاحية .. وما بعدها

استخدمت إسرائيل طائرتين بدون طيار تجاريتين من انتاج شركة "DJI" تم تعديلهما خصيصاً من اجل هذه العملية

كانت البداية يوم 25 الجاري، بإختراق طائرتين بدون طيار الأجواء اللبنانية وصولاً الى الضاحية الجنوبية لبيروت، ومن ثم انفجار واحدة وسقوط الأخرى في منطقة تحوى مقار لحزب الله. بالنظر إلى أسلوب ونطاق الاختراقات الجوية السابقة من سلاح الجو الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، نجده كان يركز دائماً على أجواء الجنوب، دون وصول طائراته الى هذا العمق عموماً، او الى اجواء الضاحية الجنوبية خاصة، وبالتالي من الممكن اعتبار هذه العملية كنقطة فاصلة بين ما قبلها وما بعدها، لأن هذه العملية بدت على شكل مهمة لاغتيال شخصية معينة، او استهداف موقع دقيق، وهو ما ينقل العمليات الجوية الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية من مرحلة الإستطلاع والغارات الوهمية منذ نهاية حرب 2006 وحتى الآن، الى مرحلة العمليات الهجومية.

في ما يتعلق بالعملية نفسها، فقد أستخدمت إسرائيل طائرتين بدون طيار تجاريتين من انتاج شركة "DJI"، تم تعديلهما خصيصاً من اجل هذه العملية، وهذا بات واضحاً بعد مقارنة بدن احدى الطائرتين التي سقطت في الضاحية بالطائرات دون طيار التي تستخدمها القوات الإسرائيلية لإلقاء القنابل المسيلة للدموع على أهالي غزة أثناء مسيرات العودة. تم تزويد كلا الطائرتين بشحنة متفجرة من مادة "C-4" تبلغ زنتها لكل طائرة خمسة كيلوجرامات ونصف، وتم صناعة بدنهما من مادة ألياف الكربون، وتعديل وحدة استقبال وإرسال الإشارات اللاسلكية بينهما وبين وحدة التحكم عن بعد، وكذلك تعديل مراوح التحكم الرباعية لكل منهما لتصبح مزدوجة. كذلك تم تزوديهما بأربعة بطاريات لكل طائرة، تبلغ زنة كل بطارية منها ثلاثة كيلو جرامات. وبغض النظر عن الهدف الرئيسي الذي كانت تستهدفه الطائرتين، إلا أن النقطة الأساسية التي أثارتها هذه العملية تتعلق بمدى التحليق، حيث ان المسافة بين الضاحية والحدود مع فلسطين المحتلة تفرض نظرية ان عملية الإطلاق ربما تكون قد تمت من داخل الأراضي اللبنانية، وذلك بهدف التمكن من الوصول بهذه الطائرات الصغيرة إلى الهدف من جهة، وثانياً للحفاظ على المسافة القصوى لاستمرار التواصل اللاسلكي بين وحدة التحكم والطائرتين.

عقب هذه العملية بيوم واحد شن سلاح الجو الإسرائيلي غارة على موقع تابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، لكن اللافت في هذه الغارة أن وسائط الدفاع الجوي نشطت بكثافة للتصدي للطائرات المغيرة. تلى هذه الغارة مزيد من التصعيد من جانب إسرائيل، حيث اخترقت عدة طائرات دون طيار يتراوح عددها بين واحدة وثلاثة، الأجواء اللبنانية وحلقت فوق مواقع للجيش اللبناني في العديسة وكفر كلا في الجنوب اللبناني، وقد تصدت وحدات الجيش لهذه الطائرات وأجبرتها على المغادرة، لكن ترافقت هذه العملية مع تحليق مكثف للطائرات الإسرائيلية طوال هذه الليلة في أجواء الجنوب اللبناني، وشملت هذه التحليقات رميش في بنت جبيل وعدلون وقب ألياس في صيدا، ومناطق مرجعيون والبازورية ووادي جيلو ويانوح ومعركة في صور، وصولاً الى مناطق شمالي العاصمة بيروت. كان واضحا من خلال هذه التحليقات المكثفة أن قيادة الجيش الإسرائيلي تحاول تكثيف استفزازاتها للبنان، وإرسال رسالة واضحة بأنه في حالة اندلاع حرب، فأن الجيش اللبناني سيكون هدفاً رئيسياً للنشاط الجوي الإسرائيلي.

على الجانب الأخر، بدأت القيادة الإسرائيلية منذ عملية الضاحية في اتخاذ إجراءات عاجلة، تحسباً منها لرد لبناني من جانب حزب الله على هذه العملية، خاصة في ظل التصريحات الواضحة لأمين عام حزب الله حول هذا الرد، وموقف لبناني رسمي أعتبر ما حدث بمثابة "إعلان حرب". في المنطقة الشمالية لفلسطين المحتلة أغلق الجيش الإسرائيلي معظم الطرق المؤدية الى الحدود، وأعلن حالة الاستنفار في قوات المنطقة الشمالية، وقام بإعادة تموضع لعدة بطاريات تابعة لمنظومة القبة الحديدية المضادة للصواريخ، ثم أوقف تحليق الطيران المدني في نطاق المنطقة الحدودية مع لبنان، وأخلى بعض المواقع العسكرية والنقاط مثل نقطة "أفيفيم" المقابلة لمارون الراس، ونقطة يارون،ة وقرية الغجر المقابلة لمنطقة الوزاني اللبنانية، وبدء في تقييم مدى جاهزية الملاجئ الموجودة في النطاق الشمالي.

أين الدفاع الجوي؟

بدأت القيادة الإسرائيلية منذ عملية الضاحية في اتخاذ إجراءات عاجلة

الوضع الحالي، خاصة ما حدث أمس، أبرز بجلاء مشكلة مزمنة عانى منها لبنان على مدار السنوات الماضية، ألا وهي غياب منظومة دفاع جوي متكاملة تحمي سماء لبنان من الاختراقات الإسرائيلية. وبغض النظر عن مآل الموقف المتصاعد الحالي، إلا أن ما يحدث حالياً سيفتح بقوة ملف الدفاع الجوي في لبنان، فالجيش اللبناني لا يمتلك من منظومات الدفاع الجوي سوى مدافع رباعية ذاتية الحركة من نوع "شيلكا" بجانب مدافع مقطورة من عيار 23 مللم، وصواريخ محمولة على الكتف من نوع "ستريلا2". والمفارقة هنا أن عناصر الجيش اللبناني في أشتباكهم مع الطائرات الإسرائيلية أمس استخدموا رشاشاتهم الخفيفة في محاولة لإسقاط الطائرات، نظراً لمحدودية المدافع المضادة للطائرات المتوفرة لدى الجيش اللبناني، وغياب اية منظومات للتشويش أو للسيطرة الألكترونية. وبالتالي هذا سبب أدعى لقيادة الجيش وللقيادة السياسية في إعادة النظر في العروض التسليحية الإيرانية والروسية، وفي العروض المصرية بصفة خاصة، ففي مصر يتدرب ضباط لبنانيون على تكتيكات الدفاع الجوي، وقد سبق وزار قائد القوة الجوية اللبنانية القاهرة في كانون الأول/ ديسمبر 2016 ، لبحث تسليح القوات الجوية اللبنانية بطائرات مصرية، خاصة وأن سلاح الجو اللبناني هو الفرع الأكثر ضعفاً في الجيش اللبناني، ويفتقر للمقاتلات الاعتراضية التي تختص بمهام الدفاع الجوي ضد الطائرات المعادية المخترقة للأجواء. كذلك تمت بين الجانبين مباحثات حول تزود لبنان بمنظومات للدفاع الجوي مصرية الصنع، مثل منظومتي أمون وسيناء-23 وقواذف عين الصقر الكتفية المُضادّةة للطائرات.

 

 

تجربة حزب الله في ما يتعلق بالدفاع الجوي كانت متقدمة بصورة أكبر قليلاً، فقد تمكن عناصر الحزب خلال عام 2006 من اسقاط ما بين أربعة الى ثمانية مروحيات إسرائيلية، ويمتلك الحزب تشكيلة كبيرة من مدفعية الدفاع الجوي من عيارات 14.5 و23 و57 مللم، منها ما هو ذاتي الحركة، وقد ظهرت هذه المدافع للمرة الأولى على نطاق واسع خلال معارك جرود عرسال عام 2017. تشير تقديرات غربية الى إمتلاك حزب الله لمنظومات روسية للدفاع الجوي من نوعي "بانتسير" و"بوك أم" لكن لا تتوفر دلائل واضحة على ذلك، وهنا تظهر النقطة الجوهرية للرد المنتظر من جانب حزب الله، فأمين عام الحزب أكد أن الرد سيكون "داخل لبنان"، وبالتالي المتوقع هو أن تقوم وحدات الحزب بالتنسيق مع الجيش اللبناني بإسقاط طائرات إسرائيلية، لكن السؤال الأهم هو، ما هي المنظومة التي سيستخدمها الحزب؟

التجربة اليمنية قد تكون مفيدة في محاول تخمين إجابة هذا السؤال، فقد قامت جماعة أنصار الله بإجراء تعديلات على الصواريخ قصيرة ومتوسّطة المدى الخاصة بالاشتباك الجوّي، والمُخصّصة للعمل كصواريخ جو – جو يتم إطلاقها من على متن المقاتلات، وقد تمت هذه التعديلات على صواريخ الإشتباك الجوي الحرارية التي يمتلكها سلاح الجو اليمني، لتسليح المقاتلات الرئيسية في ترسانته وهي المقاتلة الروسية ميج 29، من هذه الصواريخ الصاروخ R-73 الذي يصل مداه في نسخته E إلى 30 كم، والصاروخ متوسّط المدى R-27 الذي يبلغ مداه في النسخة T  إلى نحو 60 كم، وقد سمحت التعديلات التي نفّذها الجيش اليمني على هذين النوعين بإطلاقهما من على منصّات ذاتيّة الحركة، بعد تزويدهما بالطاقة اللازمة للأطلاق من مصدر كهربائي منفصل، ومن ثم الاستفادة من بواحثهما الحرارية لاستهداف المقاتلات والطائرات من دون طيّار بحيث يتم إسقاطها أو تحقيق أضرار بها عن طريق الرأس الحربي المُتشظّي الموجود في كلا الصاروخين بوزن 7كجم في الصاروخ R-73 و39 كجم في الصاروخ R-27. وقد نجحت تجربة هذه الصواريخ في عدّة مناسبات من بينها استهداف مقاتلة أف 16 في حزيران/يونيو 2017، ومقاتلة من نوع أف15 في مايو من نفس العام، وكان النجاح الأكبر لهذه الصواريخ في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، حين أسقط إحداها طائرة هجومية من دون طيّار من نوع MQ-9 Reaper في أجواء صنعاء. كذلك أعلنت الجماعة منذ أيام عن صاروخ جديد تحت أسم "فاطر-1"، وهذا الصاروخ هو تعديل محلي لصواريخ منظمة الدفاع الجوي السوفيتية "SA-6"، وقد تمكنت الجماعة بإستخدام هذا الصاروخ من أسقاط طائرة أمريكية دون طيار في أجواء مدينة ذمار. إذا ما وضعنا في الاعتبار هذه التجربة، فأننا قد نصل الى نتيجة مفادها أن تمكن حزب الله من إسقاط طائرات اسرائيلية ليس بهذه الصعوبة التي يتصورها البعض، حتى في ظل أمكانيات ضعيفة وحصار كما هو الحال مع جماعة أنصار الله.