أميركا ضد أميركا.. "حقوق التعبير" ليست واحدة!

قدّمت الإدارة الأميركية نفسها لعقود، كراعية لحقوق التظاهر والمطالب الشعبية، سواء في إيران أو فنزويلا أو العراق أو سوريا أو الصين أو أوكرانيا أو بوليفيا.. لكن حين اندلعت المظاهرات في ملعبها الداخلي، عملت على تحجيمها ووضعها في قِبال قوى إنفاذ القانون.

  • أميركا ضد أميركا.. "حقوق التعبير" ليست واحدة!
     وجد ترامب في المتظاهرين الإيرانيين وسيلة يدين من خلالها الحكومة الإيرانية

تطرح مسألة تعاطي الإدارة الأميركية مع التظاهرات المنددة بمقتل الأميركي الأفريقي جورج فلويد، الكثير من علامات الاستفهام، حول الطبيعة المزدوجة لتعاطي هذه الإدارة مع المظاهرات وأعمال الشغب على أراضيها، وفي البلاد الأخرى، والمعنى الذي تتخذه هذه الاحتجاجات في حال مسّت بدولة حليفة أو عدوة، وأساليب توظيف هذه المظاهرات لتعزيز الضغوط السياسية أو لسحب الشرعية عن بعض التحركات المعارضة.

ربما، لو هدد رئيس آخر من رؤساء دول العالم الثالث بإرسال الجيش لإنهاء الاحتجاجات، لكان للرأي العام الدولي، موقف حازم بضرورة احترام حقّ التعبير، والوقوف عند مطالب المحتجين، لكن إعلان ترامب قبل أيام عن احتمال تدخل الجيش لفضّ أعمال التظاهر والشغب، لم يلقَ الكثير من الانتقادات، وإن لقي، فبوصفه كلاماً صادراً عن رئيس لا يمثل المؤسسات الأميركية تمام التمثيل.

أوضحت تصريحات ترامب وتعليقاته على التظاهرات التي تلت مقتل فلويد، كيف تؤسس أميركا لازدواجيتها حيال حق التعبير؛ ففي الوقت الذي سعى ترامب لوأد التظاهرات من خلال إجراءات الطوارئ ونشر الحرس الوطني، والحديث عن "رصاص يتبع السطو"، بالإضافة إلى خلافه مع المؤسسة العسكرية حول نشر الجيش للسيطرة على الاحتجاجات، وخلافه مع "تويتر" و"سناب شات" بشأن محتوى تغريدته المحرّضة على "العنف العنصري"، وتوقيعه قراراً رئاسياً يوجه بموجبه وزير العدل بتفعيل قوانين محاسبة مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان ملامح "الديكتاتوريين"، الذين طالما أدانتهم الولايات المتحدة بوصفهم "مناهضين لحرية التعبير وعقبة أمام تداول المعرفة والحقيقة".. كانت الإدارة الأميركية تمضي في حصار جديد على بلد آخر (سوريا)، وتضغط لحماية حريات المواطنين الصينيين في هونغ كونغ.

إن سلوك الإدارة الأميركية وتعاملها مع قضية التمييز العنصري، والاحتجاجات المناهضة لهذا التمييز، يوضح كيف تشكل مظاهرات الشعوب أداة بيد هذه الإدارة، فمرةً تدعمها وتعتبرها حقاً طبيعياً وإن اتخذت مناحٍ عنفية، كما هو الحال في إيران، حيث دعا ترامب عبر "تويتر" وبالفارسية، في كانون الثاني/يناير، السلطات الإيرانية لـ"التوقف عن قتل المتظاهرين" الذين خرجوا اعتراضاً على إسقاط الطائرة الأوكرانية، معبراً عن دعمه لهم، قائلاً: "شجاعتكم ملهِمة".

وجد ترامب في المتظاهرين الإيرانيين وسيلة يدين من خلالها الحكومة الإيرانية، ورأى في خيارهم "موقفاً حكيماً"، معقباً "إن الولايات المتحدة تتابع باهتمام الاحتجاجات من ناحية انتهاك حقوق الإنسان"، داعياً الحكومة الإيرانية "لاحترام حقوق شعبها، بما في ذلك حق التعبير". 

وفي هونغ كونغ كذلك، وقّع الرئيس الأميركي قانوناً يدعم الاحتجاجات "المطالبة بالديمقراطية"، بعد المظاهرات التي شهدتها المدينة، فيما هدد قبل أيام أن ردّ بلاده سيكون قوياً إذا ما مضت الصين قدماً في إقرار قانون يحظر الاحتجاجات في هونغ كونغ. تدخلات لم تنته بسحب عدد من الاستثمارات في المدينة، وإلغاء الإعفاءات التجارية، بعد إقرار الصين القانون المدني الموحد، الذي وصفه ترامب بأنه "مأساة" للعالم.

لقد قدّمت الإدارة الأميركية نفسها لعقود، كراعية لحقوق التظاهر والمطالب الشعبية، سواء في إيران أو فنزويلا أو العراق أو سوريا أو الصين أو أوكرانيا أو بوليفيا.. حتى لو نحت هذه المظاهرات إلى العنف، واتخذت أشكالاً انقلابية، أو عملت على تدمير الممتلكات العامة والخاصة، لكن حين اندلعت المظاهرات في ملعبها الداخلي، عملت على تحجيمها ووضعها في قِبال قوى إنفاذ القانون.

الرئيس البوليفي إيفو موراليس،الذي تم الإنقلاب عليه (بدعم وتأييد أميركي) عقب فوزه في الانتخابات، فسّر السبب الذي يجعل احتمال حدوث انقلاب في أميركا غير ممكن، أو حتى حدوث الكثير من أعمال الشغب غير متوقعة، بقوله: "أينما كانت هناك سفارة أميركية كان هناك انقلاب، باستثناء الولايات المتحدة نفسها، لأن أميركا ليس لديها سفارة على أراضيها".