مقلّد لـ"الميادين نت": "قانون قيصر" سيضيّق التعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا

قانون قيصر الأميركي للعقوبات الذي يزعم "حماية المدنيين من العنف في سوريا" لا يستهدفها فحسب، بل هناك حكماً تداعيات على لبنان من خلال عملية الاستيراد والتصدير القائمة بين البلدين، وهناك علامات استفهام على انعكاساته المالية والنقدية على الاقتصاد اللبناني.

  • "قانون قيصر" الأميركي للعقوبات وتأثيره على التواصل السياسي والتجاري بين لبنان وسوريا

هي ليست المرة الأولى التي تُفرض فيها عقوبات عليها، فقد اعتادت سوريا على العقوبات منذ عشرات السنين، وفق ما قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم في آخر حديث له في مؤتمره الصحافي، والذي قال فيه إن "قانون قيصر" الأميركي للعقوبات على بلاده الذي دخل حيّز التنفيذ في 17 حزيران/يونيو الجاري هو "حملة لاستهداف لقمة عيش المواطن السوري، وفتح الباب لعودة الإرهاب كما في العام 2011".

وعلى الرغم من أن الهدف الأساسي للقانون يزعم أنه "لحماية المدنيين من العنف"، إلا أن معظم مندرجاته تتناول عقوبات اقتصادية ومالية ومصرفية تستهدف بشكل أساسي عملية إعادة إعمار سوريا، بحيث يُبيّن القانون حرص واشنطن على أن تكون لها الكلمة الفصل في هذا المسار. ويستهدف أيضاً عدداً من الصناعات السورية، من ضمنها كل ما يتعلق بمشاريع البنى التحتية وإنتاج الطاقة.

وفي هذا الإطار قالت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية إن "جولة جديدة من العقوبات الأميركية ضد حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، ومن يساعدها، تدخل حيّز التنفيذ. ويمكن لقانون قيصر معاقبة أي شخص، في أي مكان، يساعد بأي شكل من الأشكال آل الأسد، وحكومتهم، وجيشهم ومؤسساتهم، وشبكات الدعم لهم وحلفاءهم، أو مصالحهم التجارية". 

ما هي تداعيات هذا القانون على لبنان؟

وعن تداعيات "قانون قيصر" على لبنان من الناحيتين المالية والنقدية، يقول رئيس تحرير وناشر مجلة الإعمار والاقتصاد حسن مقلّد في حديث لـ"الميادين نت" إن "هذا القانون مثله مثل كل القوانين الأميركية يحتاج تفسيرها لمعاجم.. في ردة الفعل الأولى، نحن اليوم لدينا أكثر من 7 مصارف لبنانية لديها فروع تعمل في سوريا، وعلى سبيل المثال إذا وضع اليوم المصرف المركزي السوري ومن يتعامل معه على العقوبات، فالسؤال هو ما تأثير هذه العقوبات على المصارف التي تعمل في سوريا؟.." 

وأوضح "للأسف لا أحد لديه جواب واضح بعد إذ لا يوجد تفسير أميركي واضح في التعاطي مع هذا القانون. وفي حال وضعت هذه المصارف على العقوبات فسيكون لذلك انعكاسات على مراكز عملها الرئيسية، إلا أن هذا الموضوع يبقى إلى اليوم غامضاً".

انعكاسات مستترة وعلامات استفهام

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن "هناك حكماً تداعيات على لبنان من خلال عملية الاستيراد والتصدير القائمة بينه وبين سوريا، وعملية التبادل التجاري بين البلدين، وهذا عليه علامات استفهام وعلى انعكاساته المالية والنقدية على الاقتصاد اللبناني".

أما بالنسبة للانعكاسات المستترة، فأشار مقلّد إلى أنه "في كل قانون هناك عملية تقييد في التعامل، وهو يشكّل مخاطرة لكل الشركات التي تعمل في قطاعات كانت سابقاً غير مشمولة بالعقوبات وهي اليوم أصبحت تحت العقوبات، وهذا سيكون له انعكاس على عملية التبادل وعلى إخراج وضخ الأموال الموجودة في سوريا. وفي هذا المجال فإن النتائج المترتبة ستكون مرتبطة كثيراً في مدى تطبيق هذا القانون بأي شكل إن في نطاقه الضيق أو الواسع".   

 تأثير "قانون قيصر" على إعادة إعمار سوريا

وعن تأثير "قانون قيصر" من ناحية مشاركة الشركات اللبنانية في إعادة إعمار سوريا، ومشاركة الشركات الأجنبية المتواجدة في لبنان والتي تتعامل مع سوريا أيضاً، أوضح مقلّد أنه "وبالعودة إلى مضمون القانون نفسه، فإن وظيفته الأساسية هي إقفال الطريق أمام أي مشاركة لأي شركة سواء أكانت لبنانية أو أجنبية يكون لبنان ممراً لها للدخول إلى سوريا تريد أن تشارك في عملية إعمار سوريا التي هي أصلاً تحت العقوبات منذ فترة طويلة، وفي كل عام تزداد العقوبات عليها".

واعتبر أن "قانون قيصر" هو "توسع للعقوبات لكي يطال قطاعات تطال المدنيين السوريين مباشرة، وهو قانون غير مسبوق، إذا أنه يطال الكهرباء والماء والنظام الصحي والأدوية إلخ.. واليوم حتى الشركات التي كانت تفكر في أن تشارك في عملية إعمار سوريا أو في نواحٍ كانت تعتبر مسموحة، أصبح مقفلاً عليها لأن هذا القانون من الناحية القانونية يقفل الباب أمام كل الشركات التي تود العمل في سوريا".

وتابع الخبير الاقتصادي "المشكلة أن الشركات التي كانت تعمل قبل صدور هذا القانون في مجال التصنيع والزراعة وغيرها من الأمور التي كانت متاحة، اليوم يطالها هذا القانون في طريقة عملها. وهناك دول مثل الصين وروسيا وإيران لديها مرونة في التعاطي مختلفة عن الدول الأخرى، سواء عن طريق شركات متخصصة لهذه الساحات أو لا. لكن في المبدأ وحتى البت في طريقة تفسير هذا القانون وفق المعيار الأميركي هذا القانون وفق صيغته يقطع الطريق أمام أي أعمال داخل سوريا".

أما عن مدى تأثير "قانون قيصر" على التواصل السياسي بين لبنان وسوريا مثل: قضية النازحين، والمعابر، والتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، فقال مقلد:"للأسف فلبنان قبل صدور القانون كان مقصراً جداً في مستوى التنسيق السياسي والمالي والأمني وعلى كل المستويات مع سوريا، علماً أن هناك قضايا هي لمصلحة لبنان مباشرة".

وأضاف: "نحن لدينا اليوم في لبنان أكثر من مليون نازح سوري و"قانون قيصر" يضيّق هامش التنسيق في عودة هؤلاء إلى بلادهم.. لبنان الذي كان مقصّراً قبل القانون فكيف مع القانون الذي قد يعتبره حجّة أو مانعاً. لهذا السبب للبنان اليوم مصلحة جدية أن يأخذ كهرباء من سوريا وهو يأخذ منها منذ عشرين عاماً. ولديه مصلحة أكبر لأن يأخذ كهرباء من سوريا من خلال الدفع بالليرة اللبنانية والليرة السورية وليس عبر الدولار، وهذا شيء حيوي وأساسي للبنان، خاصة لأنه غير قادر حالياً على استيراد الفيول، وهذا القانون يمنع حتى هذه العملية، كما أنه يمنع لبنان من الاستفادة من المواد الغذائية وغيرها من المواد التي يحتاجها".

القانون يضيّق حركة التنسيق بين البلدين

وتابع، "قانون قيصر" اليوم جاء ليضيّق حركة التنسيق بين البلدين، وحتى لقاء ممثلين عن الحكومة السورية. طبعاً هناك إمكانية لكسب الأردن الذي أعلن (وكون أن هذا القانون أميركي وليس دولياً)، أعلن الأردن أن هذا القانون لن يؤثر على علاقاته مع سوريا، وذلك على عكس لبنان للأسف".

أما بالنسبة للخيارات المتاحة أمام لبنان لكي يتجنّب تداعيات هذا القانون سياسياً واقتصادياً، شدد الخبير الاقتصادي أن "على لبنان وبالنسبة لكل الاتفاقيات الموقعة مع سوريا والمتضمنة في دستوره، هناك علاقات مميزة تربطه مع سوريا ولديه مجموعة كبيرة من الاتفاقيات، وهي "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية"، يستطيع لبنان من خلالها أن يلجأ لاعتبارات قانونية تسمح له بالتعاطي مع سوريا بطريقة مختلفة ووفق استثناءات".

ورأى مقلّد أن "لبنان اليوم لديه حاجات هي بالنسبة إليه حياة أو موت. العراق مثلاً ورغم العقوبات يأخذ استثناءً الغاز والكهرباء والمشتقات النفطية من إيران.

ولبنان عليه أن يظهر أنه يحق له الحصول على قضايا أساسية وأن يأخذ عليها استثناءات، وهذا إن كانت لديه نيّة لذلك. لكن المؤسف أنه قبل القانون لم يكن لبنان يعمل في القضايا بالحد الأدنى المطلوب، فكيف بعد القانون؟. والأكيد إذا كانت هناك نيّة يوجد إمكانيات لذلك".

وبحسب الموقع الإلكتروني للكونغرس الأميركي، أقر القانون في 20 كانون الثاني/يناير الماضي تحت اسم "قانون قيصر سوريا للحماية المدنية"، قبل أن يوقعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد أيام قليلة ليصبح نافذاً اعتباراً من 17 حزيران/يونيو، وتمتد مفاعيله لخمس سنوات من تاريخ بدء التنفيذ، أي حتى عام 2024.

ويمنح القانون الرئيس الأميركي الحق في وقف العقوبات إذا ارتأى أن الأفراد المعنيين بالنزاع انخرطوا في مفاوضات بناءة ترمي إلى وقف العنف ضد المدنيين.