الهند و"إسرائيل".. تطور العلاقات والاستثمار الأميركي لها

لطالما كان للقادة في الهند وجهة نظر معادية للصهيونية، حيث دعمت الهند منذ استقلالها عام 1947 القضية الفلسطينية.. فما هي نقطة التحول في العلاقات الإسرائيلية-الهندية التي جعلتها تصل إلى هذه المرحلة المتقدمة؟ وما الدور الأميركي في ذلك؟

  • سرّع تغلغل حزب
    سرّع تغلغل حزب "بهاراتيا جاناتا" في مؤسسات الحكم الهندي من تطوير العلاقة الإسرائيلية – الهندية

ترددت الهند في إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وعلنية مع "إسرائيل"، واستغرقها الأمر أكثر من 4 عقود بعد الاستقلال للبدء في علاقة ثنائية طبيعية وظاهرة للأضواء، في ظل سعي الأخيرة المستمر لإقامة علاقات جيدة معها. 

ولطالما كان للقادة الهنديين وجهة نظر معادية للصهيونية، حيث دعمت الهند منذ استقلالها عام 1947 القضية الفلسطينية، كما أن الهند تزعمت حركة "عدم الانحياز" إلى جانب مصر خلال الحرب الباردة، وكانت على مقربة من القضايا العربية التي رفعها الرئيس المصري جمال عبد الناصر، لا سيما خلال فترة حكم الرئيس جواهر لال نهرو (حزب "الكونغرس" الهندي) والذي أكد مراراً على الدور الهندي في العالم العربي، حيث رأى أن ـ"إسرائيل" جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي. 

الانفتاح الهندي تجاه "إسرائيل".. نقطة البداية 

نقطة التحول في السياسة الخارجية الهندية تجاه الغرب عامة و"إسرائيل" خاصة كانت في العام 1992، أي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان الحليف الدبلوماسي والاستراتيجي الرئيسي للهند خلال "الحرب الباردة". بالنسبة للهند، كان عليها "إعادة توجيه سياستها الخارجية لاستيعاب البيئة الدولية المتغيرة"، بحسب ما ذكرته دراسة نشرت في دورية "الشرق الأوسط للشؤون الدولية" الإسرائيلية (Middle East Review of International Affairs).

وسرّع تغلغل حزب "بهاراتيا جاناتا" في مؤسسات الحكم الهندي خلال تسعينيات القرن الماضي، مقابل إقصاء وتراجع حزب "الكونغرس" التاريخي، الذي قاد الهند إلى الاستقلال عن بريطانيا، من تطوير العلاقة الإسرائيلية – الهندية. ونتيجة للسياسة الليبرالية الاقتصادية التي اعتمدها "بهاراتيا جاناتا"، لم تعارض الهند زيادة نفوذ المنظمات اليهودية ذات الخلفية الصهيونية في بلادها، حيث رأت بالعلاقات مع تل أبيب طريقاً آمناً لتحسين علاقاتها بواشنطن والغرب عموماً. 

بالنسبة لتل أبيب، تعكس العلاقات الجيدة مع نيودلهي تناغماً مع التغيرات الهيكلية في النظام الدولي، إذ يتجه مركز الثقل العالمي نحو آسيا والمحيط الهادئ، حيث تتجمع قوى العالم الرئيسية على المستويين العسكري والاقتصادي. وأوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في كانون الثاني/يناير عام 2017 هذا الأمر، باعتباره أن سياسة "إسرائيل" الخارجية تميل تجاه آسيا "بطريقة واضحة ومدروسة للغاية"، بالتالي فإن الهند لاعب مهم في المحيط الهندي يتطلب أقصى الاهتمام الإسرائيلي، خاصة رداً على الوجود المتزايد للصين، إلى جانب الهاجس الإسرائيلي من إيران، والمخاوف بشأن "الجماعات الإسلامية" في باكستان.

وفي هذا الخصوص، يعتبر إفرايم عنبار، رئيس معهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمن الإسرائيلي، تطور العلاقات الإسرائيلية – الهندية في دراسة أجراها للمعهد، "إنجازاً دبلوماسياً إسرائيلياً تمكنت من خلاله إسرائيل بوضع نفسها شريكاً أمنياً مهمّاً". ويرى أن "الهند وإسرائيل اللتان تقعان في أجزاء مختلفة من العالم، تشتركان في مخاوف مماثلة بشأن التطورات في النظام الدولي والتهديدات الناشئة في الشرق الأوسط، وتمتلكان مصالح مشتركة".

العلاقة الهندية – الإسرائيلية تشتمل على مجالات عدة؛ كالجانب الأمني والطبي والبحثي والري والزراعة وتطوير التكنولوجيا والتصنيع العسكري والتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط والطاقة وزيادة التجارة. وبذريعة مكافحة ما تعتبره تل أبيب "الإرهاب الإسلامي الراديكالي"، يرى محللون إسرائيليون بأن "إسرائيل والهند تمتلكان تهديداً مشتركاً وعليه يجدر التعاون أمنياً؛ وهو الفروع المتطرفة للإسلام في الشرق الأوسط". 

"مكافحة الإرهاب".. ذريعة لتطبيع العلاقات

بعد تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل" في العام 1992 بشكل علني، اعترف وزير الدفاع الهندي آنذاك شاراد باوار، بأنه تعاون مِن قبل مع "إسرائيل" في مجال "مكافحة الإرهاب"، مُسهِباً بأن هذا التعاون شمل تبادل المعلومات حول "تحويل الأموال إلى الجماعات الإرهابية وأنماط تجنيدها وتمويلها، وأن إدارته تمت بعيدًا عن أنظار الجمهور"، حيث أبرزت الهجمات في مومباي في عام 2008 الحاجة إلى استعدادات أفضل لمكافحة الإرهاب في الهند وأدت إلى تعاون أكبر مع الوكالات الإسرائيلية، التي تتماهى مع السياسة الهندية المستجدة بما يخص العلاقات الدولية.

الصعوبات الهندية في تطوير أنظمة الأسلحة محلّياً زادت من حاجة الهند إلى الحصول على الأسلحة الإسرائيلية والشراكة في تطوير التكنولوجيا العسكرية المتقدمة. وفي العام 2004 وضمن أكبر اتفاق عسكري يسجل حينها لدى تل أبيب، اشترت نيودلهي رادارات ومعدات إتصالات إسرائيلية متقدمة، كما لجأت إلى "إسرائيل" لشراء رادارات متنقلة لساحات المعارك، وأسلحة حرارية محمولة، ومعدات رؤية ليلية للحرب الليلية، وأسوار كهربائية لتحسين مراقبة الحدود.

في المقابل، هنالك قائمة طويلة من المعدات العسكرية الإسرائيلية، مثل الذخيرة، والطائرات بدون طيار، والصواريخ (صاروخ مضاد للدبابات، وصاروخ الجو - جو Python Air-4، وصاروخ الأرض - جو Barak-8) يتم تصنيعها في الهند. وقدمت تل أبيب لنيودلهي نظام "فالكون" الاسرائيلي للإنذار المبكر بعد موافقة واشنطن التي كانت قد عارضت الأمر. هذا بالإضافة إلى أنظمة رادار "الصنوبر الأخضر"، وهي المنظومة الرادارية الخاصة بـ"نظام الدفاع الجوي" المضاد للصواريخ الباليستية من إنتاج شركة "إلتا" التابعة لمجموعة "IAI" الإسرائيلية، وكان ذلك في نيسان/أبريل 2017، حيث وقعت الهند عقدًا بقيمة 2 مليار دولار وكان هذا أكبر طلب في التاريخ الإسرائيلي. 

بعد ذلك بشهر، وقّعت "IAI" الإسرائيلية عقداً آخر بقيمة 630 مليون دولار لتزويد سلاح البحرية الهندي بصواريخ "باراك –8"، وتضمنت كلتا الصفقتين نقل التكنولوجيا والتصنيع في الهند. واندرجت هذه الصفقات ضمن خطة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، التي تصل قيمتها إلى 250 مليار دولار والمراد بها إدخال تجديدات على الجيش الهندي حتى العام 2025 بسبب التوترات المستمرة مع الصين وباكستان المجاورتين.

  • على مر السنين، أصبحت الهند ثالث أكبر شريك تجاري لـ
    على مر السنين، أصبحت الهند ثالث أكبر شريك تجاري لـ"إسرائيل" في آسيا

التعاون التجاري

أما في الجانب التجاري فالتعاون آخذ بالازدياد عاماً تلو الآخر. منذ عام 1992، نمت التجارة بين نيودلهي وتل أبيب بشكل غير مسبوق من مبلغ 200 مليون دولار، تركز معظمها على قطاع الماس إلى 5 مليارات دولار في عام 2011، وفي عام 2016 انخفضت التجارة قليلاً إلى 4 مليارات دولار. في العام 2019، أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بياناً بالتعاون مع غرفة التجارة الإسرائيلية – الهندية حثّت فيه على التعاون التجاري بين الطرفين وتشجيع "تقدم المرأة في قطاع الأعمال".

وعلى غراره، زار تل أبيب وفد من 62 سيدة أعمال هندية ممّا يسمى "بالجمعية النسائية لاتحاد غرفة التجارة والصناعة الهندية" بذريعة التعرف على "إسرائيل" والتركيز على الصناعة الإسرائيلية وزيادة التعاون التجاري. وبشكل شبه يومي تنشر غرفة التجارة الإسرائيلية الواقعة في تل أبيب عقوداً وصفقات مع شركات هندية وتحث رجال الأعمال الإسرائيليين على التعاون مع الهند، كما يمثل قطاع الماس اليوم 53 في المائة من التجارة بين "إسرائيل" والهند.

على مر السنين، أصبحت الهند ثالث أكبر شريك تجاري لـ"إسرائيل" في آسيا، بعد الصين وهونغ كونغ، وتقوم العلاقات على الواردات الهندية من الزراعة والخدمات و"الهايتك" وتصدير الأحجار الكريمة والمعادن والمواد الكيميائية والمنسوجات إلى "إسرائيل".

ومنذ تولي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (حزب بهاراتيا جاناتا) منصبه في عام 2014، أصبحت العلاقات بين "إسرائيل" والهند وثيقة بشكل غير مسبوق. التقى مودي نتنياهو في مجلس الأمم المتحدة عام 2014 وتحدثا عن انتشار "التطرف الإسلامي" في العالم، وعن "الخطر الإيراني" وأهمية التعاون الاقتصادي. وفي عام 2017، كان مودي أول رئيس وزراء هندي يزور "إسرائيل"، ووافقت الدول على زيادة الصادرات الإسرائيلية إلى الهند بنسبة 25 في المائة في الصناعات المتعلقة بالماس. بالإضافة إلى ذلك، اتفقتا نيودلهي وتل أبيب على إنشاء مشروع مشترك للتطوير البحثي بتكلفة 40 مليون دولار. 

لماذا تسمح الولايات المتحدة بتنامي العلاقات الإسرائيلية-الهندية؟

استغلت "إسرائيل" بيئة التطبيع التي خلقتها "اتفاقية أوسلو"، وطوّرت علاقات مع دول كانت داعمة للقضية الفلسطينية، أو على الأقل رافضة للتعاطي مع "الدولة اليهودية"، وهذا ما ظهر ضمن سياق تطور العلاقة الإسرائيلية-الهندية، لكن العلاقة تلك ترتكز أيضاً إلى خلفية أميركية متعلقة بموقع الهند، وقدرتها على عرقلة التقدم الصيني، لا سيما بما يخص "طريق الحرير".

وبسبب موقع الهند الاستراتيجي في آسيا، وكونها الدولة ذات ثالث أكبر اقتصاد في القارة الآسيوية وخامس أكبر اقتصاد في العالم فهي تمثّل قوة كبرى ومؤثرة، ومن هذا المنطلق فإن انفتاحها على الغرب الممثّل بتطوير علاقتها بـ"إسرائيل"، يفتح المجال أمام واشنطن وتل أبيب لتنفيذ المناورات والأجندات السياسية في تلك المنطقة. وكما سعت الهند إلى التقرب من الغرب وواشنطن من خلال علاقتها مع تل أبيب، فإن واشنطن ستسعى إلى استغلال الهند ضمن صراعها مع الصين من خلال العلاقات الهندية-الإسرائيلية.

المحلل والمحرر في صحيفة "جيروزاليم بوست"، سيث فرانسمان، كتب أن "الدور الصيني في المنطقة آخذ بالازدياد وسيتعاظم في السنوات المقبلة"، مشيراً إلى "مبادرة الحزام والطريق" (طريق الحرير) للروابط الاقتصادية بين الصين والعالم، بالإضافة إلى الاستثمارات الصينية المحتملة من لبنان إلى الخليج، كلها في الطريق". 

ويبدو ذلك واضحاً بما تحدثت عنه صحيفة "تايمز أوف انديا" في الآونة الأخيرة عن السبب الحقيقي خلف المناوشات الحدودية بين الصين والهند، كاشفةً ان الصين غاضبة من انتهاء الهند من بناء الطريق الذي يبلغ طوله 255 كيلومتراً، والذي يوفر الوصول إلى سهل ديبسانج وادي جالفان ويرتفع إلى ممر كاراكوروم، في حين رأت صحيفة "إنديان أوبزرفرز" بأن المواجهة ثارت جراء إنشاء الهند طرقاً ومدارج طائرات في المنطقة، ضمن مسعىً منها لمنافسة مبادرة "الحزام والطريق الصينية".

وعلى هذا النحو تحاول تل أبيب مدفوعةً بدعمٍ من واشنطن، إلى التقارب مع نيدولهي لتكون الأخيرة حاجزاً متوقعاً أمام أي مبادرات صينية من هذا النوع. ويأتي غضّ الطرف الأميركي عن التعاون الإسرائيلي-الهندي والذي لم يكن متاحاً أمام التعاون الإسرائيلي-الصيني في هذا السياق، على أن تستفيد "إسرائيل" من علاقاتها المتنامية مع الهند وفي الوقت ذاته تحقق الولايات المتحدة استفادة على هامش تلك العلاقة.

لكن تبقى العوامل الجيوسياسية والتي تحتّم على الهند مجاراة بعدها الجغرافي بين الصين وروسيا وباكستان وإيران، أكثر العوامل التي يمكن أن تؤثر على تشابك العلاقات هذا بين نيودلهي وواشنطن وتل أبيب.. فهل فعلياً يمكن للهند أن يحقق لها ابتعادها عن عمقها الجغرافي والأمني إفادة سياسية واقتصادية، أكثر من اقترابها منه؟