طرفا الصراع في ليبيا يعلنان وقفاً مفاجئاً لإطلاق النار.. بداية حل؟

الحرب التي بدت قاب قوسين أو أدنى بين قوات الوفاق، وقوات خليفة حفتر، تبدو وكأنها اليوم في الطريق لوضع أوزارها لتفسح المجال للسياسة للتوصل إلى حلول للمعضلة بين فريقي ليبيا في شرقها وغربها.

  • إعلان وقف إطلاق النار في ليبيا، لا يخرج عن سياق واقع القوى على الأرض
    إعلان وقف إطلاق النار في ليبيا لا يخرج عن سياق واقع القوى على الأرض

دخلت الأزمة الليبية هدنة عسكرية حتى إشعار آخر بعد قرار حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج وقف النار من جانبها، في خطوة جاءت بالتنسيق مع عقيلة صالح، رئيس البرلمان الداعم للمشير خليفة حفتر في الشرق الليبي.

جاء ذلك، مقابل صمت كامل من قبل قوات حفتر، ووسط ترقب لما ستسفر عنه المبادرة، بعدما أعلن المجلس الرئاسي في العاصمة طرابلس خريطة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال آذار/مارس المقبل. 

ليبيا الدولة التي أصبحت ساحة نزاع إقليمي ودولي، وحروب تخاض بالنيابة، تسير نحو رسم قواعد جديدة للصراع بين أطراف النزاع، وخطت أولى وأكبر خطواتها لوقف إطلاق النار، وسط ترحيب دولي واسع عبّرت عنه فرنسا وروسيا ومصر والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

فبعد خمس سنوات من بدء الأزمة، ووصول الحرب على أبواب مدينتي سرت والجفرة، أعلنت حكومة الوفاق وبرلمان طبرق في بيانين منفصلين، وقفاً فورياً لإطلاق النار.

الطرفان اتفقا على وضع حد للنزاع المسلح، وإعادة تصدير النفط، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في آذار/مارس المقبل، فيما دعا بيان حكومة الوفاق لأن تصبح منطقتا سرت والجفرة منزوعتي السلاح.

بيان رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني

Posted by ‎حكومة الوفاق الوطني Government of National Accord‎ on Friday, August 21, 2020

الولايات المتحدة التي كانت تنأى بنفسها نوعاً ما عن الصراع الليبي، لأن أطراف الصراع هم من أصدقائها وحلفائها، كتركيا ومصر والإمارات، اختارت التوقيت المناسب، عندما اقتنع كل أطراف الصراع في ليبيا سواء الداخلية أو الإقليمية، أن الحل العسكري لم يعد له جدوى في الصراع الليبي.

فتركيا لا تستطيع التقدم وراء الخط الأحمر الذي وضعته مصر، ومصر كذلك لن تستطيع في الوقت الحالي شن حرب.

كل ما فعلته الولايات المتحدة الآن أنها فكت شيفرة هذا الجمود العسكري، حيث أن كل الأطراف تريد الجفرة وسرت، لذا تم الإعلان عنهما منطقتين منزوعتا السلاح، على أن تبدأ الأطراف بالعملية السياسية.

يبدو أن هذه المعادلة قد أرضت الأطراف الليبية والإقليمية، وبذلك تم إصدار البيانين من طرابلس الغرب وبني غازي.

ولكن الأمر لا يتعلق فقط بالظروف الدولي، فهناك ظروف داخلية، أسست لتسريع هذا الاتفاق ودفعه نحو الضوء، بحض جميع الأطراف على قبول حل وسط.

الوضع الإنساني والاقتصادي في ليبيا سيء منذ أشهر وتحديداً منذ إغلاق شركات النفط، وجائحة كورونا أيضاً صعبت الظروف جداً. كل ذلك ساهم في خلق بعض الإشكالات ضمن المليشيات سواء تلك التي في شرق ليبيا أو التي في غربها.

إعلان وقف إطلاق النار في ليبيا، لا يخرج عن سياق واقع القوى على الأرض، الذي كان يشير إلى أن خطوط التماس المحلية بين حكومة طرابلس وقوات حفتر، ستظل خطاً فاصلاً بين الطرفين.

الملف الليبي الذي لم ينجح في حله المسار السياسي الدولي المتمثل بمؤتمر برلين، ربما تنجح الحسابات الداخلية الدقيقة، والحسابات الإقليمية في وضع حد له.

فتصاعد الصراع في معركة طرابلس، اختلف عما هو عليه اليوم في سرت والجفرة، ما يشير إلى عدم حماسة دولية لهذه المعركة.

ويُراكم الملف الليبي تعديلات يفرضها تغير قواعد الاشتباك، فهل يكون الاتفاق على نزع فتيل الحرب "مجرد هدوء خادع"؟  وهي العبارة التي استخدمها وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، لتقييم الوضع العسكري في سرت والجفرة.

إذا نظرنا للموضوع من ناحية عسكرية، فهناك التباس بعرض وقف إطلاق النار الآن، يجعل مراقبون ينظرون لاتفاق وقف إطلاق النار بحذر، من أن يكون تمهيداً لمشروع دولي يسعى لتقسيم ليبيا، حيث أن خط سرت-جفرة يقسم ليبيا شرقاً وغرباً، والأطراف يطالبون بنزع أسلحة المليشيات والجيش، لكن من سيتولى مشروع نزع هذه الأسلحة؟ هل سيكون هناك وحدات دولية؟

من الناحية العسكرية، رأى الجميع أنه لم يعد هناك إمكانية للتقدم، وهذا يعني أن هناك تفاهم دولي ضمني للوصول إلى خط سرت-الجفرة.

أما بما يخص الانتخابات، المزمع عقدها في آذار/مارس المقبل، يبدو أن المشهد لا يزال ضبابياً، فليس من السهل التوصل إلى انتخابات، خلال فترة الـ6 أشهر، خاصة في ظل الوضع الأمني.

وفي الملف الليبي تحديداً، عندما نقول انتخابات ليست بالضرورة نهاية المشاكل في البلاد، طالما المليشيات لا تزال قائمة.

كما أن هناك العديد من الملفات التي يجب التوافق عليها بين الأطرف الليبيبة قبل المرور إلى انتخابات، مثل ما هو مصير حفتر والسراج، وهل ستقبل تلك الشخصيات أن يتم ربما سحبها من المشهد تدريجياً؟ وعلى أي قاعدة دستورية ستجرى الانتخابات؟ وهل ستتوافق الأطراف على هذه القاعدة؟