الاستيطان الجديد.. "إسرائيل" التوسعية مستمرة بقضم الأراضي

ما كنا نقرأ عن حدوثه، نشهده أمام أعيننا عبر الشاشات اليوم: "إسرائيل" تبني مستوطنة. هل يمكن للأمر أن يتمّ بهذه البساطة بعد كل ما جرى مؤخراً؟ وما هو مستقبل المستوطنات والاحتلال عموماً؟

  • أن تُضيف غرفةً جديدةً إلى بيتٍ مزعزع
    انطلق المشروع الاستيطاني بزخمٍ مطلع القرن الـ 20، تحت شعار "عودة شعبٍ بلا أرض إلى أرضٍ بلا شعب"

لا يعد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي حدثاً تاريخياً بقدر ما هو راهن معاش، يلقي بتبعاته على الشعب الفلسطيني الذي شهد خلال العقود الماضية سلسلة متواصلة من السياسات الإسرائيلية المشرعة لقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية ورأى بأم العين أثر ذلك على حاضره ومستقبله.

بيوتٌ مجلوبة إلى "بيتا"

بدأ الأمر عام 2013، بعد قتل مستوطن إسرائيلي بعملية طعنٍ وقعت عند حاجز زعترة، حيث اختار المستوطنون منطقة قريبة، هي "جبل صبيح" الواقع جنوبي نابلس قرب بلدة بيتا، لبناء مستوطنة تحمل اسمه. لكنَّ "جفعات أفيتار" لم تصمد أمام التصدي الحازم من أهالي بلدة "بيتا"، التجمّع السكاني الفلسطيني الأقرب إلى الأراضي المُصَادرة، حيث تم إجبار الاحتلال على تفكيك ما بناه مستوطنوه.

تجدّدت المحاولات عام 2018، عقب مقتل حاخام يهودي قرب مستوطنة "أرئيل" شمالي سلفيت في الضفة الغربية. فقد جلب المستوطنون بيوتاً متنقلة إلى المكان، زوّدوها بالماء والكهرباء، ليتكرر بعدها السيناريو نفسه الذي حدث قبل 5 سنوات بقوة أكبر هذه المرة، وينتهي الأمر بإزالة ما تم وضعه.

الموجة الثالثة من الإصرار المتعجرف للاحتلال ومستوطنيه هي ما نشهده اليوم، وقد بدأ مطلع أيار/مايو الماضي إثر عملية إطلاق نارٍ أخرى وقعت على حاجز زعترة، قُتل فيها مستوطن وأصيب إثنان آخران، لكنَّ معركة "سيف القدس" خطفت الاهتمام كله مدة الـ 11 يوماً التي استغرقتها، لتعود الأعين وتتفتّح على ما يجري في "جبل صبيح" بعد إعلان وقف إطلاق النار، بسبب المواجهات التي تشهدها المنطقة بين شبان فلسطينيين من سكان نابلس وجوارها من جهة، وقوات الاحتلال من جهة أخرى، خاصّةً عقب صلاة الجمعة التي يقيمونها في أراضي الزيتون التي تعتزم سلطات الاحتلال بناء المستوطنة عليها.

بداية الاستيطان الصهيوني في فلسطين

يعتبر المؤرخ اليهودي والتر لاكور سنة 1881 بداية التاريخ الرسمي للاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، وذلك بعد أن وصل إلى فلسطين حوالى 3 آلاف يهودي من أوروبا الشرقية، قاموا بإنشاء عدد من المستوطنات في الفترة بين عامي 1882 و1884، بشتى الوسائل غير الشرعية ومنها شراء أراضي الفلسطينيين أو استئجارها لمدة طويلة. وقد لعبت المؤسسات اليهودية التي أنشئت لغرض الاستيطان دوراً كبيراً في ذلك ومنها: منظمة "بيكا" التي أسسها روتشيلد، و"الوكالة اليهودية" التي انبثقت من المؤتمر الصهيوني العالمي الأول، الذي عُقِد في مدينة بال السويسرية عام 1897، والصندوق القومي اليهودي.

وساهم تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بزعامة تيودور هرتزل سنة 1897، بوضع حجر الأساس للمشروع الصهيوني وتحديداً الجزء الاستيطاني منه، الذي تمّ تنظيمه وتمويله، وانطلق بزخمٍ تحت شعار "عودة شعبٍ بلا أرض إلى أرضٍ بلا شعب".

"تل أبيب": من ضاحية صغيرة إلى "عاصمة"

"تل أبيب" هو العنوان الأصلي لرواية دعائية للحركة الصهيونية، كتبها تيودور هرتزل، وتعني بالعربية "تل الربيع". وقد تمّت ترجمتها تحت عنوان "الأرض القديمة الجديدة". وهي واحدة من عدة كتب لكتّاب إسرائيليين وآخرين مناصرين للحركة الصهيونية، تنتحل صفة "رواية" رغم افتقارها للعناصر الفنية للأدب، نظراً لأنها كُتبت لخدمة غرض سياسي وهو تقديم أفكار ومعتقدات الحركة الصهيونية بقالب جديد خارج المؤتمرات السياسية والاجتماعات الحزبية، مما يتيح لها الانتشار والحياة، كما يفنّد ذلك الشهيد غسان كنفاني في كتابه "في الأدب الصهيوني".

وقبل اعتماد هذا الاسم، كانت "هرتزيليا" واحدة من الأسماء المقترحة لهذه المستوطنة.

تأسست تل أبيب عام 1909 في ضواحي مدينة يافا التاريخية، التي يرد اسمها في رسائل تعود للعام 1470 قبل الميلاد. نما عدد مستوطني المستوطنة الوليدة تدريجياً ليفوق عدد السكان العرب في مدينة يافا. بعد النكبة بعامين، في العام 1950، أعلنت سلطات الاحتلال عن ضمّ تل أبيب إلى يافا ليصير لهما إدارة محلية واحدة، وتصيرا عملياً مدينة واحدة، بل تُعلن عاصمة للكيان المحتل، تُستثمر فيها الأموال وتدعّم بالبنى التحتية من أعلى مستوى. لتتحول المستوطنة الصغيرة التي نشأت خارج مدينة يافا الساحلية الجميلة إلى مركز اقتصادي كبير في المنطقة والعالم، وواحدة من بين أغلى مدنه وأكثرها كلفة من ناحية العيش فيها.

واقع الاستيطان اليوم ومستقبل المستوطنات

قبل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في العام 2005، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون ما سماه "خطة فك الارتباط مع قطاع غزة"، والتي سيتمّ بموجبها إخلاء المستوطنات الإسرائيلية في القطاع وإجلاء مستوطنيها، وهو ما تم تنفيذه بالتزامن مع الانسحاب، حيث تم إخلاء 21 مستوطنة في القطاع بالإضافة إلى 4 مستوطنات شمالي الضفة الغربية.

وفي العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، ردت المقاومة بإمطار مستوطنات غلاف غزة وأسدود وعسقلان، وكذلك مستوطنات النقب المحتل بمئات الصواريخ، مما أدى لانعدام الحياة فيها بشكل كامل، واختباء مستوطنيها في الملاجئ تحت الأرض طيلة فترة العدوان. ولم توفّر الصواريخ تل أبيب، مستهدفة رمزيّتها كـ"عاصمة" للعدو، ومكانتها التجارية والمالية كمركز نشاط اقتصادي واستثماري وسياحي.

لم يقتصر الأمر على المستوطنات القريبة، خاصة مع إدخال المقاومة الفلسطينية لصواريخ بعيدة المدى إلى معادلة الصراع، مثل صاروخ "عياش 250" الذي أطلقته كتائب "القسام" على مطار "رامون" جنوبي فلسطين المحتلة.

دفع هذا كله مستوطني جنوبي فلسطين المحتلة ووسطها إلى الفرار نحو المستوطنات الشمالية التي اعتقدوا أنها أكثر أمناً، لكنَّ الصحافة الإسرائيلية نفسها طرحت السؤال الذي يدور بقلقٍ في الأذهان، والذي أخرجه سقوط عدد قليل من الصواريخ في محيط مدينة حيفا، بعد أن أطلقت من داخل الأراضي اللبنانية، حيث تسألت "معاريف" بلسان المستوطنين الخائفين: "ماذا سيحصل إذا بدأ الشمال بالاشتعال؟"

بالإضافة إلى قضية "جبل صبيح"، هناك التهجير المتعثر الذي يفشل الاحتلال في فرضه من خلال أحكام قضائية على سكان حي "الشيخ جرّاح" في القدس المحتلة، وحي "بطن الهوى" ضمن بلدة سلوان، وقد أدت ممارسات الاحتلال بحقّ أهالي "الشيخ جرّاح" إلى اندلاع معركة "سيف القدس"، كما قررت محكمة للاحتلال في القدس إرجاء البت في قضية ترحيل 100 عائلة عربية من حي "بطن الهوى"، بعد تقديم 7 عائلات لطلبات استئناف.

كل هذه الوقائع تفيد بحدوث تغييرات لا يمكن تجاهلها، يُضاف إليها مجموعة من المتغيرات الأخرى على الساحة الدولية، فرضتها حقائق الميدان التي أصبح من السهل نقلها وعرضها أمام العالم اليوم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تشكل وسيلةً للضغط على الحكومات التي تدعم الاحتلال، مما اضطرها مؤخراً لاتخاذ مجموعةٍ من الإجراءات التي ترتكز على "حل الدولتين"، أبرزها:

صرّح الرئيس الأميركي جو بايدن بأنه سيقوم بإعادة فتح القنصلية الأميركية قي القدس المحتلة، وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، بعد أن كان الرئيس السابق دونالد ترامب قد أصدر أمراً بإغلاقهما.

2ـ أعلن الاتحاد الأوروبي بلسان الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن فيه، جوزيب بوريل، بأن الاتحاد لا يعترف بالسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وأشار إلى أن قرار "إسرائيل" بشأن ضم أجزاء منها انتهاك خطير للقانون الدولي. كما حثّت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، في بيان جماعي، الحكومة الإسرائيلية على "التراجع عن قرارها بالمضي قدماً في بناء 540 وحدة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة"، ودعت إلى "التوقف عن سياستها المتمثلة في التوسع الاستيطاني عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة".

أمام هذا المشهد، لا يسعنا إلا الاستغراب من تجاهل العالم أولاً لـ"دولة" تبدو آتية من أزمنة "العهد القديم"، بالأفكار التي تطرحها وبالوسائل التي تسعى من خلالها لفرض وتحقيق هذه الأفكار، ولعمى هذا الكيان الذي يرفض رؤية أثر خطواته المترنّحة على الرمال، بل يُصرّ على البناء والتوسّع فوقها، وهو نفسه الذي يمتدح قادته جيشهم باعتبارهم إياه "الأكثر أخلاقية في العالم"!