ضحية الأقدار .. أم إرهابي؟

تحول محمد حمزة من شاب ناشىء يحب الحياة إلى سلفي انتحاري اللقب إثر دخوله غير المتوقع للسجن. طلبته الدولة بتهمة مقاومة الجيش. قتل بحزام قنابل "رمانات" عند محاولة الجيش اللبناني توقيفه في دير عمار.

محمد حمزة قبل دخوله السجن
رحل محمد حمزة، قتلاً، استشهاداً، أو موتاً، لا هم، فكل يفسر الأمور من وجهة نظره. هو مثل كثيرين من جيل الشباب الذين وصل كل منهم إلى الانضواء في حالة سياسية أو عسكرية أو تنظيمية بطريقة ما، تختلف بين فرد وآخر، وطريقة وأخرى، لكن الظروف الموضوعية هي التي كانت تصنع هؤلاء الشباب، وتوصلهم إلى المآل الذي وصل كل منهم إليه.
كأنه القدر يسوق الانسان إلى مصير محدد، من دون أن يكون على دراية به، ومن دون أن يشارك في التخطيط للوصول إليه عن سابق وعي وإصرار وتصميم.

رحل محمد حمزة تحت اسم إرهابي قاتل. صفة الإرهاب أطلقتها دول كبرى، فانسحبت من الدول العظمى التي صنعت ما يعرف بالإرهاب، إلى أفراد صغار، كثيرون منهم مساكين، لم تلدهم أمهاتهم لكي يموتوا إن بالتفجير الذاتي أم بالقتال في جبهات الوهم، بل ليحيوا ويؤمنوا مستقبلاً ويلدوا ويعيشوا كحق من حقوق كل إنسان، كما يفترض لكل شاب أن يحيا ويعيش.

يوم ولد محمد، وأصبح فتى يافعاً، خرج من المدرسة الابتدائية في الحي الفقير الذي ولد فيه في البداوي – ثالث مدن اتحاد الفيحاء الذي يضم أيضاً طرابلس والميناء. لا يشجع وضع المدارس البائس في هذه الأحياء على متابعة الدراسة، إن لجهة تجهيزاتها، أم برامجها، أم المستوى الذي توليه السلطة لها. عمل متدرباً على الحدادة الافرنجية، ونجح، وثابر في عمله، وتطور إلى تلحيم "الأرغون"، ووجد له فيه عملاً في المهجر في أنغولا حيث بلغ مدخوله ما بين الأربعة آلاف وخمسة آلاف دولار شهرياً، على ما أفاد صهره أحمد قبلان، مضيفاً "راتب لا يحلم به طبيب أو مهندس أو أكبر المتعلمين في لبنان". 

يشرح قبلان أن "محمد انطلق نحو الحياة، شاباً واعداً بحياة من الفرح. قضى أوقات فراغه باللهو والتسلية مع أترابه، ودعا أهله أن ينطلقوا نحو حياة أفضل". 
رسم محمد الوشم على زنوده ككل شاب منطلق في تيه مقتبل العمر. "مارس مراهقته، ويفاعته بكل ما فيها من معان، يساعده مدخوله الكبير على البحث عن التسلية والترفيه، ومارسهما من دون تحفظات"، بحسب صهره. 

طرأ حدث غير مرتقب عكس اتجاه حياة محمد. حادثة مع جيرانه أدت إلى مصرع شقيقه، وفي خضم الخلافات التي تفاقمت حيناً، وهدأت أحياناً، وقع مع محمد خطأ أفضى به إلى أن يكون مطلوباً للعدالة، فأوقف، وأودع السجن.

استكمالاً لمسار ساقته إليه الأقدار، سجن محمد في سجن رومية الشهير. بضعة أيام تكفي في السجون اللبنانية ليتخرج منها البريء مجرماً، فكيف إذا قضى فيها الانسان ثلاث سنوات، وفي أشهر سجون العالم تخريجاً لـ"بضاعة" بشر من أصناف "غب الطلب"؟ تروي شقيقته صفاء أنه "ذاق الأمرين تعذيباً في السجن في الأيام الأولى لتوقيفه في سجن أميون في قضاء الكورة قبل نقله إلى رومية".

انتهت السنوات الثلاث، وخرج محمد سلفياً، ملتزماً بثقافة رائجة أفرزتها تجربة "القاعدة"، وأنتجت تنظيمات مختلفة، وكان محمد قد تربى في صفوف إحداها في سجن رومية، وعندما خرج تزوج من فتاة تتبع خطه، على ما يخبر أهله.


محمد حمزة بعد خروجه من السجن
أطلق محمد لحيته، وتزيا بـ"الأفغاني"، على ما يظهر في صوره، واتبع لغة دينية متشددة، ودعا كل من التقاه إليها، وعاد يعيش في بيت عائلته في البداوي، وقد ترك عمله الأفريقي قبل دخوله السجن. عاش مما بقي لديه مما ادخره من أموال منقولة أو غير منقولة. "في أيامه الأخيرة، باعنا سيارته بالتقسيط، وكان يصرف من الأقساط التي دفعناها له"، بحسب ما قالت زوجة شقيقه هنادي. 

عايش محمد الأحداث الطرابلسية، ولم ينكر أهله مشاركته في معارك باب التبانة - بعل محسن، وكان في معمعة المعارك يتواصل مع قادة الساحات والمحاور، منهم شادي المولوي واسامة منصور. ويوم واجه هؤلاء الجيش اللبناني عقب تطبيق الجيش للخطة الأمنية، كان محمد مع المجموعة، ويقول شقيقه خالد إنه "كان معهم بالمصادفة لأنه بات مطلوباً من الاجهزة الأمنية، وعليه الاختباء في مكان يقيه العودة الكريهة إلى السجن حيث لم ينس طعم التعذيب. هو لم يقم بأي عمل ضد الجيش من تلقاء نفسه. كان هناك بالصدفة". بذلك، أصبح محمد مطلوباً مجدداً للعدالة.

العائلة

مثل الكثير من عائلات البداوي، وفد آل حمزة من بلدة مرياطة على بعد خمسة كيلومترات شرق طرابلس. بلدة مسلمة تقليدية من بلدات قضاء زغرتا، أقام فيها آل كرامي، ولهم فيها قاعدة شعبية واسعة، ونظراً لكونها من بلدات زغرتا، فقد كان لآل فرنجية حضور شعبي فيها، وتعزز وضع العائلتين في البلدة يوم تحالفتا.

يعتبر آل حمزة أنفسهم موالين أساساً لهذا التحالف. لدى سؤال خالد حمزة، الشقيق الأكبر لمحمد، إن كان من مناصري آل كرامي، يوافق على الطرح، ويضيف "وفرنجية أيضاً".

تشير المعطيات إلى انتماء العائلة إلى الحياة التقليدية اللبنانية، بعيداً من التطرف. تتواصل مع الجميع، ولا تتردد في التعاطي مع الجميع من دون تفرقة. وعندما كان الوالد يعمل قبل وفاته في شركة الـ"بيبسي" في البحصاص القريبة من طرابلس منذ نحو عشرين عاماً، تعرف إلى الشاب أحمد قبلان، من حارة الشيعة في القلمون وهم جاؤوا من قرية حجولا في جبيل، وأسسوا حارة على شاطىء البحر. عمل أحمد أيضاً في الشركة عينها، ومع الوقت تعرف إلى حنان، شقيقة محمد، وتزوجها.

يحتل أحمد اليوم موقعاً مرموقاً في قلوب العائلة، وتعتبره العائلة ركناً أساسياً فيها. "نحن لا نفرق بين سني وشيعي، والتفرقة هرطقة خطيرة علينا جميعاً. نحن لم نكن يوماً طائفيين"، يقول خالد ويردد القول معه نسوة البيت.

أحمد قبلان صهر محمد حمزة

مصرع محمد

حمزة قتل خلال مداهمة الجيش للمكان الذي يتواجد فيه

صفاء هي إحدى شقيقات محمد، متزوجة، ولها منزل في بلدة دير عمار المجاورة، وخلال سفر زوجها، تسكن مع والدتها في البداوي. يوم اقتحم الجيش منزلها لتوقيف محمد، كانت ووالدتها وأولادها، وأطفال أقرباء، في المنزل الواقع على مقربة من مراكز الجيش في المحلة المذكورة. ويبدو أن محمد كان مختبئاً في المنزل. يقول افراد من العائلة إن محمد طلب من والدته زيارته، ولذلك توجهت مع ابنتها صفاء إلى حيث أقام.

وتقول كبرى شقيقاته وفاء إن "محمد أخبرها باستعداده للموت على العودة إلى السجن، وأنه مستعد لتفجير نفسه على أن يستسلم ويعود للسجن مجدداً"، كما روت.

وعند وقوع حادثة محاولة الجيش اللبناني توقيف محمد، وبغض النظر عما قيل ويقال في حيثيات الحادث، فقد ترك أثراً كبيراً سيئاً لدى العائلة، "قد لا تزول آثاره مدى الحياة"، بحسب خالد.

فقد قتلت الوالدة وابنة شقيقة محمد (منال) واسمها إسراء وعمرها ١١ عاماً، وأصيب عدد من الاطفال، بالإضافة إلى تفجير محمد لنفسه بحزامه الناسف مع ما تركه كل ذلك من رعب لدى من خرج سالماً من الحادث.

تتحدث العائلة رافضة أن يكون ابنها محمد قد اتخذ من أهله رهينة، مستندة إلى رواية صفاء التي نجت من الحادث حيث كانت في قبضة عناصر الجيش.

لا يستطيع أي أهل التجرد من عواطفهم وهم يتحدثون عن ابنهم. غاية في الصعوبة أن يقبل الأهل بمعاقبة الابن مهما كان الذنب كبيراً. فكيف إذا وصل الموقف إلى حد مصرعه؟ وقد تكون السلطات محقة في ملاحقة المخلين بالقانون، لكن بين ضرورات القانون، ووقائع الحياة، يقع كثيراً ما ليس في الحسبان.

تعترض العائلة على طريقة مقتل ابنها، ويقول خالد "ليست تلك الطريقة هي الوحيدة التي يمكن أن تتبع لتوقيف شخص، مهما كان مذنباً، أو مخلاً بالقانون. محمد لم يرد أن يواجه الجيش. ما وقع كان حدثاً مأساوياً، ما ذنب هؤلاء النساء والأطفال وقد تعرضوا للرعب واحتمال الموت".

تعلق هنادي "نحن شعارنا الجيش اللبناني. نحن نحب الجيش، وهو الذي يحمي البلد. لم نكن نريد أن يحصل ما حصل، فهو جيشنا. لكن محمد كان ضحية".

يعلق قبلان "العائلة تحب الجيش، ولا تريد أن تقع أي مشكلة معه. ونحن نعتبر أن من واجب الدولة تطبيق القانون، وملاحقة المخلين بالأمن، لكننا نرى أنه كان من المفترض التواصل معنا لحل المشكلة، ولكنا سعينا لتسليم محمد نفسه، ولو حدث هذا التواصل، لوفرنا على أنفسنا هذه المصيبة. ليس أمراً سهلاً أن تقتل الوالدة وحفيدتها".

وينهي متسائلاً "ألم تكن هناك طريقة أخرى تجنبنا الوقوع في مصيبة لن يمحى أثرها مدى العمر؟".

اخترنا لك