ساعة يد نصر الله

17 عاماً وساعة يد "السيد" تشهد أحداثاً وتحوّلات. أكثر من 148 ألف ساعة مرت. كبرت أجيال، واستشهد مقاومون على أكثر من جبهة، وغطى الشيب لحى الأحياء منهم. لم تتغير المحاور، باتت أكثر وضوحاً. لم يتبدل "السيد"، ربما بدّل ساعة يده فقط.

أكثر من 148 ألف ساعة مرت منذ تلك اللحظة التي أشار فيها نصر الله إلى ساعة يده
أشار السيد حسن نصر الله إلى الساعة بيده اليسرى. ساعة صغيرة الحجم، لا شيء فيها يشي بما هو غير عادي. ساعة لا تحتمل بساطتها ترف الذهب والأحجار الكريمة ولا يتحمل إطارها وزر الرفاهية والبذخ. هي ساعة "السيد" التي طالما ارتبطت بمعصمه لوظيفة واحدة محددة.. معرفة الوقت. بهذا المعنى بقيت الساعة غرضاً يخصه وحده. لم تكن للعرض أو الزينة أو إكسسواراً متمماً، وليست من ذلك النوع من الممتلكات الثمينة التي نخصص لها صندوقاً صغيراً أو شنطة. بقيت الساعة غرضاً محجوباً تحت كم جبته ولم تظهر إلا للعين المدققة أو للأوساط الضيقة.
في ذلك اليوم كانت الساعة تسير وفق نظامها المعتاد، والعقارب على مدارها الصحيح. كل ما في الساعة كان عادياً، إلا أن كل ما هو خارجها كان استثنائياً، بما في ذلك الوقت.

فالزمن تجاوز روتينه الشمسي ولم يعد يسير بخط ثابت ومستقيم. كان أشبه بفرس برية عصية على الترويض، تسير الخبب حيناً ثم تعدو، وفجأة تنتصب وتطلق العنان لفرح مكبوت. بات الجنوبيون فرساً برية. معهم لبنانيون كثر وكثير كثير من العرب. حركات هستيرية لا تتسع لها لغة الجسد. ورود وأرز، زغاريد ونشيد، حناجر تاهت في غمرة الحماس تبحث عن صوتها، جباه تقبل الأرض، عناقات تبحث عن عناق، ورايات كأنها تتنشق للمرة الأولى طعم الريح. مرّت الرّيح كأنها النصر، كأنها الحصاد لوعد مؤجل، كأنها النبوءة صعبة التصديق قد تحققت.

أكثر من 148 ألف ساعة مرت منذ تلك اللحظة التي أشار فيها نصر الله إلى ساعة يده. كشف عن معصمه ليقول فجر الرابع والعشرين من أيار ذلك اليوم إن الصدفة شاءت أن يأتي مؤتمره الصحافي قبل دقائق من دعوة إسرائيل وسائل الإعلام للإعلان رسمياً عن انسحاب آخر جندي محتل من جنوب لبنان.

كان النصر شارف على الاكتمال، ولم يتبق سوى مشهد آخر جندي إسرائيلي وهو يغلق بوابة فاطمة وراءه بقفل حديدي. أقفلت إسرائيل على نفسها. سيّج جيش الاحتلال كبرياءه وجلس يراقب هزيمته من وراء كوة صغيرة.

هزيمة لم يكن يريد أن يصدقها، ومعه بعض الذين يريدون لنا أن نقرّ معهم بأن الهزيمة قدر علينا، وأن "الجيش الذي لا يقهر" هو حتمية تاريخية.

من الكوة مقابل بلدة كفركلا برزت عيون زائغة في عتم الهزيمة تراقب حجارة ما فتئت تلاحقها وتتحدى بعضها بعضاً أن تصيب الكوة. تراقب قبضات لم تعد وجلة من تحقيق الإصابة، وأجساداً لا ترتجف ولا تخشى الاقتراب أكثر فأكثر.


على امتداد أربعة أيام، منذ الـ 21 من أيار، كانت الآليات الإسرائيلية تتراجع تباعاً من قرى الجنوب، والجنوبيون يفرضون إيقاعهم حيث عجز الاحتلال عن فرض إخراج مشهدي يخفف وطأة خيبته. 

17 عاماً مضت على الانسحاب والتحرير. أكثر من 148 ألف ساعة مرت منذ تلك اللحظة التي أشار فيها نصر الله إلى ساعة يده. تخلل ذلك أحداث كثيرة. سقط البرجان في نيويورك. احتلت أميركا العراق. اغتيل رفيق الحريري. انسحبت سوريا من لبنان. هُزمت إسرائيل مرة جديدة ومرغ أنفها في تراب الجنوب عام 2006. انتشر وباء "الربيع" عام 2011. ظهر داعش. غرقنا في دمائنا بخناجر مسمومة ومذهبة. حلّ "الحاج ترامب" بريشه الملوّن في مملكة "العزم" والتمور، فيما لا يزال كريم يونس يناضل منذ 35 عاماً وراء القضبان الإسرائيلية ويرفض الانصياع.

17 عاماً وساعة يد "السيد" تشهد أحداثاً وتحوّلات. أكثر من 148 ألف ساعة مرت.  كبرت أجيال، واستشهد مقاومون على أكثر من جبهة، وغطى الشيب لحى الأحياء منهم. لم تتغير المحاور، باتت أكثر وضوحاً. لم يتبدل "السيد"، ربما بدّل ساعة يده فقط.