مرسيدس لجسر المعصية

جسر صغير لنقلك يوم كانت الأوضاع الاعتيادية التي غادرت المدينة منذ زمن بعيد بين الكرمة والشهداء، هو اليوم ساخن طقساً وجبهة، ويلفه ألف مجهول ومجهول لكنه وفق حسابات داعش جسر استراتيجي. المسافة إليه من آخر تمركز عسكري لفصيل كتائب حزب الله العراق أقل من كيلومتر بكثير والانتقال إليه يلزم سرعة ومناورة ويفضل أن تعتمد على سيارة صغيرة لأنها محمية بساتر ترابي ترى فيه الحرب وسخونة الهواء ولفحات الأخبار الميدانية.

جسر الأردين الذي يصل بين شرق الفلوجة وجنوبها
من آخر محور في جنوب الفلوجة وتحديداً عند موقع الشهداء، يطلب منا المرافق الأمني أن نتحرك بسرعة وأن نستتر خلف مدرعة من طراز "بي أم بي 1" أو تحت موضع دفاعي يستتر به ثلاثة جنود تلثموا الكوفية العراقية دون خوذة. فالحر لا يطاق هنا وهم اعتادوا الرصاص والاشتباك منذ عامين بعدما أوقفوا سبع مفخخات لداعش تحت جسر "الأردين" أو ما يصطلح عليه داعش بجسر "المعصية"، وهم أضاعوا مكافأة المرسيدس التي وعد بها مسؤول داعش العسكري في محور جنوب الفلوجة، وفقاً لما رصد من اتصالات.

جسر صغير لنقلك يوم كانت الأوضاع الاعتيادية التي غادرت المدينة منذ زمن بعيد بين الكرمة والشهداء، هو اليوم ساخن طقساً وجبهة، ويلفه ألف مجهول ومجهول لكنه وفق حسابات داعش جسر استراتيجي.
المسافة إليه من آخر تمركز عسكري لفصيل كتائب حزب الله العراق أقل من كيلومتر بكثير والانتقال إليه يلزم سرعة ومناورة ويفضل أن تعتمد على سيارة صغيرة لأنها محمية بساتر ترابي ترى فيه الحرب وسخونة الهواء ولفحات الأخبار الميدانية. وصلنا إلى طرف الجسر الذي فقد أجزاء من جانبيه عُوضت بكتل إسمنتية وغرفة صغيرة للرصد تراصفت فيها ثلاثة كراسي من البلاستيك، اعتذر الجنود أنها مكسرة لأنها معهم وتضررت، بكل الهجمات.

جرى إحباط مخطط لتفجير الجسر بسبع سيارات مفخخة
من العربة المدرعة يمتد كابل كهربائي صغير لتوليد الطاقة لمسخن الشاي، منذ متى وأنتم هنا؟ منذ عامين. يستدرك الثالث إن أردت تصويباً فنحن منذ 11 عاماً نقاتل في الأنبار ولكن توجب علينا أن نقاتل في الفلوجة مذ دخلها داعش. كلمات المقاتل الأسمر مفتول العضلات تخرج بقوة وثقة لكنها مكتومة بسبب اللثام. لا يريد للشمس أن تلفحه فيعطش، عين معي وأخرى على الأفق حيث الأعداء، شاطراً ذهنه هنا وهناك، لا يريد أن يغفل للحظة.

هل يمكن أن تصف لنا الوضع عندك، كيف تقضون وقتكم؟ اختصر الشرح وطلب مني رصد مسلحي التنظيم. يحرك منظار الرصد عن ظهر قلب، أنا أنظر وهو يصحح الوجهة. المبنى الأحمر هو دائرة البرق، ما يجاوره من مبنى هو مديرية المرور. الشباك في أعلى المبنى الذي على يمين تلك الدائرة مسجد تطلق منه القذائف، لم يكد يكمل كلاماً في الشرح حتى تحول الحديث الى واقع يُعاش. لا تقلقوا توجهوا إلى العربة المصفحة وابقِ فريقك فيها سنعالج الموقف. دقائق سريعة، هدأت الأجواء فيها لتبدأ معها الحكاية وأسرارها.

نقف نحن الآن عند أول جسر الحراريات بين الفلوجة وشرقها، السيطرة عليه، تعني أنك كسرت إبهام من يصارعك في جنوب الفلوجة، لأنك ببساطة فرضت خط نار على موقع من يقابلك، سواء الجانب العراقي أو مسلحي التنظيم. من هنا تشرف على تقاطع طريق رئيسي بين الفلوجة والطريق إلى الكرمة، جبهتان بقدر تباعدها متصلتا الخطر والاستراتيجيا. خلف الجسر مدفعية للمقاومة العراقية وخلفه أيضاً طريق ترابي قصير يصل بك إلى الطريق التي يفترض أنها معبدة حتى السجر والكرمة، وخلفه أيضاً غرف صنعت من علب الصواريخ الحرارية المستخدمة وأمامه رجالات لا تلين وبنادق لا تهدأ ورصد بلا توقف، والشاي العراقي مؤنسهم.

رصد لقلب المدينة التي يسيطر عليها التنظيم
هل الجسر بهذه الأهمية؟ نعم فآثار ما تبقى تحت دليل على الهجمات المستمرة عليه، ولكي تتأكد لا بد من زيارة خاطفة لأسفل الجسر. هنا تتناثر الكتل الإسمنتية بفعل الهجمات، وهنا شاهد على من قضى من داعش وهنا عسكر لا يبعد مكان إقامتهم سوى أمتار عن مكان عملهم، وهنا فشل داعش عسكرياً في كسب معركة الجسر ورصد فيه إعلان القائد العسكري تخصيص مكافأة هي عبارة عن سيارة مرسيدس حديثة لمن يقود هجوماً لاحتلاله. 
هل يعقل ذلك؟ نعم لأنه وبمزيد من التبسيط منفذ يصل بين موقع قوة مهاجمة وشارع رئيس يصل بك إلى قلب المدينة في الفلوجة عدا ما سلف من أهمية ربطه بين ثلاث مدن يحتلها داعش في الأنبار. 
ومتى تجتازون هذا الموقع وتحررون أول مدن الداخل الفلّوجي؟ بانتظار القرار من القيادة العسكرية، هكذا كان الجواب. قاله بلهجة يدرك من يعرف أهل العراق أنها لهجة الأنبار. من أي بلد أيها العريف؟ سؤال سريع منا يهدف لسرقة إجابة سبقها الشعور. ذكي بما يكفي ليفهم السؤال وإلام يرمي محدثه، أجابنا أنا هنا لتحرير أهلي كما يحتم أي واجب وطني وغيره، وعند انتهاء العمليات سأركب المرسيدس رغماً عن داعش.