يبنون بيوتاً.. ولا سقف لهم

أخاف أن أمرض أو يمرض أحد من أفراد عائلتي، لا أملك ضماناً صحياً، يصيبني الألم حين أفكر أنني سأمرض، أو حين أتخيل أنني سأقف عند باب المستشفى وأُذل لأكسب شفقة طبيب يعطف علي بمعالجتي.

لا يحظى أبو عبدالله بأي ضمان اجتماعي
يحمل الشمس في الصباح الباكر على أكتافه ويمضي، في جعبته الصبر والإرادة، وفي ذهنه أرقام وحسابات لن يعود إلاّ حين ينجزها بتعبه. يقسّمها على مقاس صحته ليجمع قُوته وقوّته ليعمل. أكل الزمن من صحته الكثير، ورسم التعب تجاعيد على يديه ووجهه اللذين أفناهما في خبز رزقه وعجن طعامه.

"في بيتي أفواه تنتظر أن أُطعمها" هكذا قال أبو عبدالله خلال رحلتنا معه. يعمل الرجل الخمسيني في البناء، يذهب للورشة باكراً، يرصف الأحجار فوق بعضها، يجلس فوقها ويسرد لنا في وقت قصير قصة عمرها سنين. أبو عبدالله لديه خمسة أطفال هو معيلهم الوحيد، والبناء عمله اليتيم الذي "لا يشبّع ولا يجوّع". يمضي هذا الرجل عمره وهو يبني للآخرين منازل ومبان، لكن لا سقف اجتماعياً يحميه. لا تأمين ولا ضماناً هو أبسط حقوقه الطبيعية. 

"أخاف أن أمرض أو يمرض أحد من أفراد عائلتي، لا أملك ضماناً صحياً، يصيبني الألم حين أفكر أنني سأمرض، أو حين أتخيل أنني سأقف عند باب المستشفى وأُذل لأكسب شفقة طبيب يعطف علي بمعالجتي لأنني لا أملك ظهراً (واسطة)، الحكومة سلبتنا ظهورنا".

دمعت عينا أبو عبدالله حين سألناه عن شيخوخته. يخبرنا أنه يخشاها أكثر من الموت. "لن أتوسل أحداً لكي يقرضني ثمن الدواء، ولن أمشي على عكازي، لن أرجو رحمة أحد، إلا رحمة الله تعالى".

في بلد كلبنان لا تنتهي أزماته الاقتصادية والاجتماعية تصبح أبسط الأمور بمثابة أحلام كبيرة. يخبرنا أبو عبدالله عن "حُلمه الكبير في أن يزور مطعماً ويتناول العشاء مع عائلته دون أن يضطر لسحب قرض ليفعل ذلك" رغم ذلك لم يفقد الأمل في اليوم الذي سيأتي ويعطي كل ذي حق حقه.

لا مكان للعيد في رزنامة بلد يحرم العمال أبسط حقوقهم
يحب أبو عبدالله عمله كثيراً، يتفاخر بأن "لا بيتاً في قريته إلا مرّ من تحت يديه. أكل الفن المعماري من عمره الكثير". لا يعنيه "عيد المشحرين" (تعبير لبناني يعني المساكين) هكذا يصف عيد العمال. هو يذكره بألمه فقط، يخبره أن له حقوقاً في أدراج المكاتب ونصوص القوانين، تعيش وتهرم على الأوراق فقط.

تحلق حول أبو عبدالله خلال حديثه معنا رفاق له من عمال البناء. هذا يناشد الدولة أن تنظر في حال الفقراء، وذاك يحلم أن يرتفع راتبه ليلامس الحد الأدنى من الأجور، وآخرون في عيونهم نظرات اليأس من الكلام حتى، لكأنهم استسلموا لما يحدث واعتادوا على الفقر وسلب الحقوق، قاطعين حبل الأمل بينهم وبين كل وعد بأن الغد سيكون أفضل!

لعمال البناء والأخشاب في لبنان نقابة خاصة بهم لكن الحديث عن العمل النقابي يبدأ ولا ينتهي في بلد يفتقر أبو عبدالله ومثله الكثيرون إلى أدنى حقوق العمال، في بلد يسحب من رزنامة حقوقهم أبسط الحقوق وأهمها في الوقت نفسه، الحق في عيش حياة كريمة!