كلاي: أسطورة تعدت عالم الملاكمة

مسيرة الملاكم الراحل محمد علي كلاي مليئة بالإنجازات والبطولات التي حولته إلى واحد من أساطين "الفن النبيل"، كما أن مواقفه الإجتماعية والسياسية جعلته مثيراً للجدل.

محمد علي كلاي
محمد علي كلاي
لم يكن محمد علي كلاي مجرد أسطورة رياضية عرفها العالم فحسب، فسيرة حياته التي تضمنت مواقف سياسية وإجتماعية جعلته أكثر من مجرد بطل ملاكمة.

كان كلاي، الذي عرف باسم كاسيوس كلاي في بداية مسيرته، بطلاً للعالم ثلاث مرات في الأوزان الثقيلة وبطلاً أولمبياً في الأوزان نصف الثقيلة عام 1960. وخاض 61 نزالاً كمحترف فاز في 56 منها وخسر خمسة فحسب.

ولد كلاي في مقاطعة لويسفيل بولاية كنتاكي في الولايات المتحدة الأميركية يوم 17 يناير/كانون ثان 1942.

ووفقاً لسيرته، فقد كانت بدايته مع عالم الملاكمة حينما كان عمره 12 عاماً حينما اكتشفه الشرطي والمدرب الهاوي جو مارتن بإحدى صالات الألعاب الرياضية بعد قليل من سرقة دراجته.
وحتى 1959 كان كلاي قد حقق بالفعل عدة ألقاب في عالم الهواة، من بينها ست بطولات "قفاز كنتاكي الذهبي"، وقفازين وطنيين في نيويورك وبطولتين على مستوى أميركا الشمالية.
ولم يكد يبلغ الـ18 حتى فاز في أولمبياد روما بالميدالية الذهبية في وزن نصف الثقيل ليقرر الانتقال إلى عالم الاحتراف. وكانت الملاكمة في هذه الفترة تسيطر عليها عصابات الجريمة المنظمة ويهيمن عليها الملاكمان فلويد باترسون وسوني ليستون.
وفي 25 فبراير/شباط 1964 حقق كلاي لقب بطل العالم في الأوزان الثقيلة بعد مواجهة ليستون التي أظهر فيها الميزتين الأهم اللتين تمتع بهما وهما الحركة الرشيقة المستمرة والضربات القوية الساحقة.

وحظى كلاي في ذاك العام بسمعة إضافية بعد إعلان اعتناقه الديانة الإسلامية والتخلي عن اسمه الأصلي ليطلق على نفسه اسم محمد علي. وانخرط في صفوف حركة "أمة الإسلام" التي كانت تضم مالكولم إكس الذي كان يناضل من أجل تحرير مجتمعات السود وإنهاء العنصرية. وانتشر الهوس في الولايات المتحدة بذلك البطل المتمرد الذي لا يتوقف عن حصد البطولات.
واستمر كلاي طوال العامين التاليين في تحطيم منافسيه. باترسون وتشوفالو وكوبر وبرايان لندن وكارل ميلدنبرغر وويليامز وجيري كواري فخر الأميركيين ذوي البشرة البيضاء في حلبة "ماديسون سكوير غاردن" بنيويورك.

وأثار كلاي الجدل مرة أخرى في 1967 حينما رفض الانخراط في صفوف الجيش والتوجه لجبهة القتال في فيتنام. لتتم إدانته بالسجن خمس سنوات بتهمة عصيان الأوامر، فضلاً عن إيقافه ثلاثة أعوام وتجريده من لقبه.

عاد محمد علي إلى الحلبة مرة أخرى ليفوز على جيري كواري في 1970 واستعد مجدداً لبلوغ القمة.

وحينما بدا أن مسيرته تتوقف بهزيمتين، أمام جو فريزر في الثامن من مارس/آذار 1971 وكين نورتون في 31 مارس/آذار 1974، قبل كلاي خوض نزال أمام جورج فورمان في كينشاسا عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، والذي أصبح بعدها بأعوام قصة فيلم "عندما كنا ملوكاً" الذي أبرز الاثنين في صورة الأبطال، فورمان ومحمد علي الذي استرد لقبه العالمي.

ومنذ أكتوبر/تشرين أول 1974 وحتى فبراير/شباط 1976 قامر علي بعرشه لكنه فاز على كل من تشاك ويبنر ورون ليل وجو برغنر وجو فريزر وجان بيير كوبمان، إلا أنه خسر اللقب في 15 فبراير/شباط 1978 أمام ليو سبينكس. وسمح رفض الأخير مواجهة المرشح الرسمي كين نورتون بالقتال مرة أخرى من أجل اللقب العالمي، قبل أن يستعيد محمد علي اللقب للمرة الثالثة على حساب سبينكس في حلبة "سوبردوم" في نيو أورليانز، ليعلن اعتزاله بعدها بقليل.

وجمع علي كمية من الأموال تفوق الأوزان الثقيلة السابقة مجتمعة. ففي خمسة نزالات على سبيل المثال خاضها بين عامي 1971 و1978 حصل البطل العالمي الراحل على 43 مليون دولار، وكما جاء المال، ذهب أيضاً في تبرعات سخية، حفلات ضخمة، أعمال تنطوي على قدر كبير من المخاطر، ذهبت بجزء ليس بالهين من ثروة محمد علي أدراج الرياح.

عاد كلاي بصورة استثنائية للحلبة في الثاني من أكتوبر/تشرين أول 1980 لمواجهة لاري هولمز من أجل لقب المجلس العالمي للملاكمة، وهي المباراة التي انسحب منها في الجولة الـ10.

ووضع علي القفازات نهائياً بعد خسارته في 11 ديسمبر/كانون أول 1981 مواجهة من الجولة الـ10 أمام تريفور بربيك في ناسو عاصمة جزر باهاماس.

بعد ذلك بقليل، وتحديداً في التاسع من سبتمبر/أيلول 1984 ، تبين إصابته بمرض الشلل الرعاش "باركنسون"، الذي يؤدي لتدهور عمل الجهاز العصبي، والذي أكد الطبيب ستانلي فان من جامعة كولومبيا أن علي أصيب به بشكل مباشر بسبب الملاكمة.

ومنذ ذلك الحين، ناضل علي ضد تقدم حالته المرضية. لكن شهرته ظلت كما هي بين العامة في ذلك الوقت. ولا يزال الكثيرون يذكرون ظهوره المؤثر في أولمبياد أتلانتا حينما كشف عن الآثار التي يخلفها باركنسون على جسده.

ورغم تركه الملاكمة، لم يتخل علي عن الدفاع عن قيم الإسلام والمسلمين. ففي نوفمبر/تشرين ثان 2002 زار أفغانستان كـ"مبعوث السلام" من قبل منظمة الأمم المتحدة.

كما حضر في نوفمبر/تشرين ثان 1999 في فيينا مراسم تسليمه جائزة لاعتباره أحد أفضل الرياضيين في القرن الـ20 بعد اختياره من قبل لجنة تحكيم دولية. وكان من الواضح أن حالته الجسدية في تدهور برغم قوة إرادته.

في الشهر التالي، سلمته مجلة "سبورتس إليستريتد" الأميركية المتخصصة جائزة "البطل الأعظم في القرن".

وخلال الأيام الأولى من ديسمبر/كانون أول 2001 ، عاد كلاي إلى أتلانتا لحمل الشعلة الأولمبية من اليونان وإيقادها إيذاناً ببدء الطريق نحو مدينة سولت ليك سيتي حيث أقيمت الألعاب الأولمبية الشتوية في فبراير/شباط الذي تلاه.

ومع بداية 2002 ، تسلم في لوس أنجليس نجمة "ممر الشهرة في هوليوود" وطلب وضع نجمته على الحائط وليس على الأرض.

بعدها بعامين، فاز علي بجائزة خليل جبران من المعهد العربي الأميركي في 2004 تكريماً لعمله لصالح العالم النامي. وفي مارس/آذار 2005 تم الإعلان أن علي سيتلقى في ديسمبر/كانون أول من نفس العام "ميدالية أوتو هان للسلام" في برلين.

وبنهاية 2005 كشفت نجلته ليلى أن والدها يخسر في معركة باركنسون وأن الحالة أصبحت متقدمة بشكل كبير.

وتسلم محمد علي في التاسع من نوفمبر/تشرين ثان 2005 من الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الميدالية الرئاسية للحرية، وافتتح في 21 من نفس الشهر بمسقط رأسه مركزاً يحمل اسمه لنشر أفكاره الإنسانية والثقافية.

وأعلن المجلس العالمي للملاكمة في يونيو/حزيران 2012 أنه سيتم خلال مؤتمره في ديسمبر/كانون أول من نفس العام في كانكون بالمكسيك، منح لقب "ملك الملاكمة العالمية" لكلاي وتكريمه بتاج يزن كيلوغرامين اثنين مطلي بذهب عيار 24 قيراطاً.

بالمثل، حظى كلاي بشرف حمل الشعلة الأولمبية خلال حفل افتتاح أولمبياد لندن في 27 يوليو/تموز.

كذلك، وصلت حياة محمد علي إلى عالم السينما بفيلم باسم "علي" من إخراج مايكل مان وقام فيه الممثل ويل سميث بدور الملاكم العالمي.

وفي 20 ديسمبر/كانون أول 2014 احتجز علي بالمستشفى نتيجة إصابته بالتهاب رئوي طفيف.

وتزوج محمد علي أربع مرات كانت آخرها من لوني وله ثمانية أبناء وتبنى تاسع. وانخرطت ابنته الصغرى ليلى علي في عالم الملاكمة الاحترافية (1999-2007) وحققت إنجازات كبيرة على غرار والدها.