هل "الميادين" منصة لمشروع تنويري مناهض للهيمنة والاستنقاع؟ - الجزء الأول

أجرؤ على القول إن «الميادين» تصطف في خندق مختلف، أجل خندق وليس مجرد حلقة نقاش في صالون أكاديمي أو سياسي تقليدي. إنه خندق مواجهة وليس إعلاماً محايداً هذا التعبير الليبرالي المزيف والأجوف.

الإعلام يشهد تسارعاً في الوسائط والنمط
ليس جديداً القول إن أربع مؤسسات إعلامية غربية تهيمن على الإعلام العالمي، هي اسوشيتد برس ويونايتد برس ورويتر والوكالة الفرنسية، وأنها إمبراطورية تنتج وتتحكم ب 90% من الأخبار ومعظم المجلات والبرامج المتلفزة والأفلام وتزود إعلام الدول قاطبة ورأسمالها يناهز تريليونات من الدولارات.

فالرأسمال الإحتكاري المعولم لا يستحوذ على معظم الإقتصاد العالمي، بل وأيضاً على معظم امتدادات المجتمع المدني بما فيه الإعلام والمؤسسة الأكاديمية والتنظيمات المجتمعية، إلا من تحرر من هذه الهيمنة بالمفهوم الغرامشي.

والعولمة تستخدم البطريركية ومخلفات القرون الوسطى بمفهوم التوسير وبورديو ونخب طبقية في بلدان خضعت للكولونيالية، أي الجنوب كما جاء في مقاربة فرانز فانون (معذبو الارض).

والعولمة الرأسمالية المتوحشة تحاول صياغة وتسخير العالم بما يخدم مصالح وأطماع 1% من البشرية. ولئن كتب ماركس ان "الرأسمالية تكذب إذا كانت ربحيتها 10% وتقتل إذا كانت 50% وتشعل حرباً إذا كانت 100%" فهي اليوم ذهبت لمديات أبعد الى درجة أن يعيش 2 مليار نسمة أي نحو 25 % من البشرية دون خط الفقر و900 مليون يشربون مياهاً ملوثة حسب تقارير الأمم المتحدة، وبطالة تفترس أكثر من نصف مليار نسمة فيما درجة حرارة الأرض ترتفع بدأبٍ بما يهدد 30 % من نباتات الكرة الأرضية، ناهيكم عن تلوث الهواء واتساع ثغرة الأوزون التي أصبحت بمساحة فرنسا.

ويقوم الإعلام الرأسمالي المهيمن من صحافة مقروءة ومسموعة ومرئية وسوشال ميديا وأفلام بتزيين الصورة وان العالم بقيادة الليبرالية الجديدة وأدواتها سينعم بالخير العميم والاستهلاكية والحريات الفردية، على أن يمتثل الجنوب لوصفات الشمال ودون ذلك لا فرصة للجنوب "المتوحش، العنيف، الكسول الذي لا ينتج والمسعور جنسياً" فرويد، للتخلص من التخلف والجهل والاستبداد.

والإقليم العربي، نحو 350 مليون نسمة خضع كما الجنوب للكولونيالية الغربية وقد عرفت أهم أقاليم الجنوب سيما القومية الصينية والقومية الهندية والقارة اللاتينيه بما فيها البرازيل وجنوب أفريقيا بعد تحررها من الأبارتهايد قفزات في كافة الميادين، في العقود الأخيرة. ويكفي التذكير أن العرب ينتجون 2 تريليون دولار سنوياً نصفها من عائدات النفط والغاز فيما البرازيل أكثر من 200 مليون نسمة بقليل تنتج ذلك دون نفط ناهيكم عن أن الوطن العربي لم ينفك يخضع لتجزئة سايكس-بيكو ومحوطة المركز الإمبريالي، فيما فلسطين مستباحة من قبل عنصرية إقصائية حجزتها في ملزمة المرحلة الكولونيالية والإقتلاع.

ولأسباب عديدة لم يتوقف الهجوم الإمبريالي المكثف على المنطقة العربية، وقد أعاد إنتاج نفسه بأشكالٍ جديدة، لتغذية الصراعات البينية والبنيوية وصولاً الى الإحتراب المذهبي وتفكيك غير دولة عربية.

وفيما يغادر الجنوب مخلفات القرون الوسطى وآثار الحقبة الكولونيالية بهذا القدر أو ذاك، سائراً في طريق الحداثة والتحديث، يتم سكب الزيت على تراكيب البنى التقليدية العربية وطبعاتها الأكثر دموية لمحاصرة واستنزاف ميكانيزمات الحداثة. ومن جديد تحاصر "الصحراء الخضراء" دون أن يخجل الإعلام الأصفر من الترويج لشعارات البيعة والأتوقراطية المتخلفة والزبائنية والخطاب الذي يعظم الهويات الجزئية ويناهض المواطنة المتساوية والهويات الجمعية بما يعزز من علاقات التبعية للمركز الإمبريالي ويصلب الواقع على تخوم ما قبل الثورة الصناعية، بينما المجتمعات المتطوره انتقلت الى الثورة التقنية ومن شعار "حرية، إخاء، مساواة" الى مواطنة قارية وحقوق إنسان عالمية.

وبعد أن استنفذ المشروع القُطري العربي نزعاته التقدمية، شاخ وتعفن، حيث تفاقمت تناقضاته الداخلية وزادت معضلاته على كل الصعد، بما شكل توطئة لانفجار المشهد العربي حيث تحالفت العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية. وجاءت ردود الفعل متباينة.

البداية كانت فلسطين، التي ذهبت قيادتها باتجاه أوسلو بما استولد حراكاً داخلياً وتحولات في الخارطة السياسية، وأسلوب فظ في التعاطي مع التناقضات الداخلية والنظرة للآخر أفضت فيما أفضت الى انقسام عامودي لا تنفع معه كل وصفات رأب الصدع التي تنطلق من تفكير إنكاري وتبسيطي يتجاهل محركات الإنقسام ولا يذهب للبحث عن قواسم مشتركة، وما أكثرها، معتصماً بعقلٍ نمطيٍ وإملائيٍ ينتمي لمرحلةٍ سابقة.

وانتفاض مصر وانتفاض تونس اللذان أنجزا خطوات كبيرة دون أن يتحولا لثورة تطيح بطبقات الحكم القديمة وعلاقات الإنتاج القديمة، وصعود قوى اجتماعية جديدة وإرساء علاقات إنتاج جديدة، فأصبح المجتمع مريضاً بلغة غرامشي وإن كانت الجدلية الحيوية مستمرة في البلدين في إطار صيرورة لم تبلغ نهاياتها الواضحة بعد، مستذكرين أن الثورة الفرنسية 1789 لم تبلغ مستقرها إلا بعد عشرة أعوام.

أما في العراق وليبيا وسوريا، فالصورة كانت ارتدادية وتدميرية قياساً بما كان عليه الحال قبل سنوات التحول، وكان للتدخلات الخارجية وطأتها الثقيلة وباتت أكثر فاعلية في كثير من الأحيان توالد عن ذلك مكونات تكفيرية بلغ عنفها مقاييس هوليودية وما كانت عليه قبائل "الفايكنج" في شمال أوروبا قبل ألف عام، وشيئ من هذا القبيل في اليمن بعد التدخل السعودي، دون إغفال التراجيدية الإنسانية المصاحبة التي لا تقل عن التراجيدية السياسية وتصل حد تدمير الذات، لتأتي سوريا كمرآةٍ مقعرة تتجمع فيها صراعات محلية وإقليمية ودولية، من شأنها أن تترك بصماتٍ على مستقبل سوريا والمنطقة بأسرها، آخذين بالحسبان اختلال ميزان القوى لجهة دمشق وحلفائها بعد الدخول الروسي.

في هذا الخضم العاصف ولدت "الميادين" منذ خمسة أعوام. وشخصياً سمعت عنها في سنوات اعتقالي الإداري الأخير، دون أن أشاهدها، ذلك أن مصلحة سجون الاحتلال لا تسمح للأسرى بالتقاط هذه القناة.

وكفلسطيني عرف الكثير من الأحلام مثلما عرف الكثير من صدمات الحياة أيضاً، ومنها المراهنة على "القاهر والظافر" لتحرير فلسطين فحلّت هزيمة 67، وعلى قيادات فلسطينية، ولم أكن بعيداً عنها، ولكنها قادت المركب الى المآل الحالي، وعلى "الجزيرة" كمشروعٍ حضاري بلغة الراحل الكبير هيكل، فاختزلتها السياسة وعلى الأمة العربية العظيمة التي أثبتت عبقرية تاريخية صامدة في وجه استهدافات على امتداد قرون، ولكن لتتكرر بانوراما هدم كل محاولة تراكمية منذ العهد العباسي مروراً بصلاح الدين ومحمد علي وعبد الناصر، فالخلف يهدم ما بناه السلف..

 

وإرث عظيم نفاخر به وبعراقته دون أن نفلح في توظيفه لإنتاج عود ثقاب أو الورق الذي يطبع عليه هذا الإرث، ودون أن نعي أننا كعرب سائرون نحو مزيد من المحوطة والنهبية والإذلال إن لم ننتج علماً وصناعةً ولن يفيدنا سيل الشعاراتية التمجيدية التي لم تقو على بناء القوى الاجتماعية الحاملة للفكر النهضوي للكواكبي ومحمد عبده والأفغاني وصولاً الى المقاربات التي تمسك بالمشروع القومي وحلقاته المركزية ولكنها تحاصر بدأب فكراً وبشراً الى درجة وسم حزب يتجاوز حدوده الوطنية لتأدية دور عربي معمد بالدماء والتضحيات بالإرهاب! ناهيكم عن إحلال الإيمان محل الفعل الإنتاجي وتغليب النقل على العقل في دورة علمية عالمية تتضاعف فيها النظريات العلمية كل ستة أعوام دون أن نسهم فيها بأي شيء يذكر. كل ذلك وسواه عطل ميكانيزمات الوثبة التاريخية التي عرفتها أوروبا منذ قرنين واليابان منذ قرن والقوميتين الصينية والهندية في العقود الأخيرة.

ودائما يتلازم القصور الذاتي مع العامل الكولونيالي الإمبريالي الخارجي الذي تجلى مؤخراً في العولمة المتوحشة لقطع سياق التطور الطبيعي وتكريس التفتت والمحوطة ونهب الثروات وتهميش البشر صناع التغيير.

 

ومع ذلك ثمة تفلتات، فاللوحة ليست قاتمة تماماً، ذلك أن الشيء يستولد نقيضه ففيماً كان يقطن المدينة العربية في بدايات القرن العشرين 3% من السكان يقطنها اليوم أكثر من 25% وفيما لم يكن ثمة جامعات تقريباً، تحتضن قاعات الجامعات نحو 3 مليون طالب/ة بصرف النظر عن الطابع التلقيني وندرة البحث العلمي، وهناك أيضاً بدايات مجتمع مدني أثبت فاعليته على نحو خاص في تونس.

ومنذ نصف قرن اندلعت الثورة الجزائرية وعرفت مصر والمشرق العربي مداً قومياً أحد أركانه المقاومة الفلسطينية، أما الأكثر إشراقاً فهو تحرير الجنوب اللبناني، إذ لم تعد قوة لبنان في ضعفه، وما تنشره الصحافة العبرية عن القدرة الصاروخية لحزب الله الذي تعتبره هيئة أركانها الخطر الأول، وفشل الجهود الدؤوبة لمعسكر طويل عريض لإسقاط دمشق، وتقدم ملحوظ في تكوين طبقات معاصرة وثقافة معاصرة هي مجبرة في التحليل الأخير على السير في طريق التنمية المستقلة والسيادة والديمقراطية في شقيها السياسي والاجتماعي، وهذا لا يكون إلا بتجاوز القطرية الى القومية التحررية المتدرجة.

وثمة إرهاصات في التقارب بين دمشق وبغداد، والممارسة الفعلية لحزب الله، والتسليح المصري للواء حفتر في ليبيا وما يستولده الخطر الداعشي على عواصم عربية.

في هذه اللوحة المركبة، ما ذكر أعلاه أو لم يذكر يشكل خلفية لميلاد فضائية «الميادين» وغير «الميادين». وقيمة أي جهد سواء كان منهجياً أو غير منهجي، " موقعي أو جبهي عام" غرامشي، وطني في قطر أو قومي على امتداد الساحة العربية، يتمحور في الحساب الأخلاقي العملي – سبينوزا، أي في طابع تأثيره وحجم تأثيره، في تأسيس مشروع تحريري نهضوي قومي يتجاوز المرحلة الحالية ويرسي مداميك مرحلة جديدة سبقتنا إليها أمم اخرى. والمسألة ليست أخلاقية فقط، بأن يتبارى الناس للتضحية والتشبث بقيم العدالة والكرامة فقط بل سياسية من الطراز الأول، بأن تخدم هذه التضحيات الأهداف الكبرى من خلال الفاعلية – ماركس، والقدرة على حماية المنجزات وإحراز المزيد بما تقتضيه من الإطاحة بالتكلس والشيخوخه والإخلالات التي تعيق التحرر من المحوطة وتجزئة المجزأ والإخفاق التاريخي والدولة القطرية العاجزة عن بناء مواطنة وتنمية وحريات.

"السياسة هي الصراع الطبقي والقومي" - لينين، أما تدمير السياسة بمفهومها المعاصر فهو العودة للقبائلية والمذهبية والإستقواء بالأعداء وشل إرادة الناس ولكيما تفعل السياسة فعلها فهي مشروطة بتوافر الأدوات القادرة على الصراع بما يناقض ولع 99% يؤيدون الزعيم وفوزه بالتزكية.

أهمية "الميادين"

من غرفة أخبار "الميادين"
من ناحية الإختصاص انني كاتب ودكتور علوم سياسية وغير مؤهل لتقييم فضائية بحجم "الميادين" وما أسوقه هو ما أستشعره وحسب.

أجرؤ على القول إن «الميادين» تصطف في خندق مختلف، أجل خندق وليس مجرد حلقة نقاش في صالون أكاديمي أو سياسي تقليدي. إنه خندق مواجهة وليس إعلاماً محايداً هذا التعبير الليبرالي المزيف والأجوف. ذلك أنه ليس ثمة إعلام محايد ولا أيديولوجية محايدة ولا سياسة (ممارسة مجتمعية شاملة)-ماركس محايدة، ولكنها إعلام مبني على معطيات حقيقية بل المعطيات الحقيقية المقررة، وليس رمادياً يأخذ من الحقيقة وعكسها، يأخذ الهوامش وينأى عن الأساسيات وأحياناً كاذب تماماً. إعلام في جوهره منفصل عن المخططات المعادية ومنحاز للقضايا العادلة، إعلام يخدم الخير العام - غرامشي، وليس النخب الحاكمة المرتبطة بالهيمنة العالمية.

هذا من ناحية الجوهر أي من ناحية الصفة الأساسية التي تميز ماهية "الميادين".

وهي رواية نجاح، بل نجاح عاصف، ففي خمسة أعوام باتت القناة الأكثر مشاهدة عربياً حسب أحد الأبحاث أي أنها لا تلوك نفسها ولا تخلع على نفسها لقب الطليعة دون اعتراف الجماهير بها - لينين. فالجمهرة على مستوى المثقف أو المواطن العادي يشاهدها ويتابع تقاريرها وبرامجها وبذلك فقد تجاوزت أهم إخلالات المحاولات النهضوية منذ قرن ويزيد أي الإنعزالية. هذه الانعزالية التي جعلت المحاولات تولد ميتة أو ماتت بعد حين دون أن تترك بصمات تذكر لأنها أولاً غردت بعيداً عن الكتلة التاريخية - غرامشي، القادرة على التغيير وافتقدت القيادة النظرية الحقيقية - لينين.

أما من الناحية المهنية والإبداعية، فكما يبدو أنها أرست معايير جديدة للفضائيات وباتت معياراً للمقارنة، بما كشف عن عيوب غيرها وفي ذات الوقت تحفيزها لتخطي ذاتها أي لم "نعد في الهم سواء" وهذا مستوى العرب، فالميادين قالت بصوتٍ تطبيقي مرتفع هنا الورد فارقص هنا، إننا قادرون على الإرتقاء بمستوى أدائنا وإبداعنا، فهي ليست صوتاً ثورياً يستر عجزه بثوريته، ومضمونه المتخشب بتخلفه.

وهذا ما كان ليتحقق لولا قبضة من الإعلاميين والإعلاميات الموهوبين والمجتهدين المنتمين بشغف لمهنتهم وجديتهم التي تستجيب لمتطلبات التحدي اليومي بمثابرة، فليس ثمة بطولة فردية في هذه القناة وليس ثمة نشاز أيضاً، فالجميع يتكامل في سيمفونية جماعية تتسع للفرد والمزايا الإفرادية، في ضفر مدهش بما يعيدنا لمقاربات مكارنكو عن الفرد والجماعة، وعن التكرار والتجاوز، فمثلاً ديما ناصيف التي يتماهى فيها جمال الشام شكلاً وموضوعاً بما تتميز به من حيوية ودقة تقارير وتحاليل، رغم التبدل السريع لمفردات الواقع، وسامي كليب بما يتمتع به من كاريزما متدفقة واختيار موفق لموضوعاته، وكمال خلف متعدد الأبعاد الذي يسد ثغرات تصعب على غيره، وزاهي وهبة المثقف بغنى الذي يجمع المهارة الصحفية والقدرة على استخراج أفضل ما لدى ضيوفه، وزينب الصفار المدهشة التي تذهب بالمشاهد/ة الى مديات واسعة ومنتقاة بذكاء، وضياء (شمس) التي لا تبخل في تحضير برنامجها وتوسيع رقعة ضيوفها، ولينا (زهرالدين) التي توحد ثنائية متناقضة من الحزم والرقة والإصغاء والتفاعل وتكون مدججة بحجج نظرية ومعلومات تتفوق على أهل الإختصاص، وما هذه الرسالة التي تصل للعالم من خلال وفاء (العم) وعبير نعمة وريحان التي تنسف مقولات فرويد عن الشرق (المتخلف والعنيف والجاهل والكذاب والنساء فيه جواري) فهن منتجات ومثقفات وعصريات الواحده بثلاث في حقل الفكر والإبداع بما يتجاوز المحلي الى العالمي.

وبرنامج الدكتور يحي أبو زكريا "أ ل م"، وبرنامج "حرر عقلك"، اللذان يحثان ويحرضان ويخترقان بديهيات نمطية إن لم يتم نقدها لا يمكن الإنطلاق للأمام بما يتطلبه ذالك من منطق وعلم وتعمل في الإرث والعقل معاً، شكراً جزيلاً.

وهناك راميا (إبراهيم) بأسئلتها اللماحة المشعة، ولنا شاهين التي اخترقت طبقات المجتمع التقليدي الجبري وتؤدي وظيفتها بتصميم، ولانا (مدور) الهادئة كالماء القراح ولكنها تغوص بعيداً، وبرنامج "أجراس المشرق" المنفتح المنصف الثري الذي يبرز مكونات الهوية العربية ويعزز تلاحمها.

وبرنامج "كلمة حرة" لجورج جالاوي الراقي في مداخلاته وعناوينه وكدرس أيضاً، فالفكر له الكلمة العليا دون صراخ وشتائم وحرائق لا تضيف شيئاً لا على مستوى الوعي ولا على مستوى التربية من دون أن أنسى البرنامج الرياضي الذي يتألق شباباً فواراص ورونقاً.

ويمكن الاستنتاج ان العلاقة ديمقراطية بين الإدارة والبرامج، وأهم أركانها المبادرة وإطلاق أجنحتها وهذا ملحوظ "فالبشر قادرون على إدارة شؤونهم" كتب منذ قرنين جون ستيوارت مل، بديلاً للتراتبية المستبدة التي كانت إحدى أهم ميكانيزمات تهميش الجماهير سواء من قبل النظم أو من قبل العديد من الزعماء السياسيين الفاشلين، فالتاريخ في النهاية مبادرة جماعية ودون مبادرات ناجحة لا يمكن كسر ملزمة الاستنقاع التي يغطس فيها العرب منذ زمنٍ غير قصير.

طبعا هناك إدارة وهناك مختصون تقنيون ... ولكن الرائي لا يشاهدهم وإن كان يحس بهم ومن البديهي أن يقف في مقدمتهم استراتيجي يتقن حرفته الأستاذ غسان بن جدو الذي أحرز مأثرة "بتوأمة" الميادين مع "تيلي سور" وقد لاحظت من خلال لقائي مع السفير الفنزويلي في رام الله آثار ذلك.

 

أما الخاصية التي لا يجوز القفز عنها فهي تنوع برامج وموضوعات واتساع قماشة قناة الميادين من نشرات الأخبار بعيداً عن التسلسل الممجوج الذي يبدأ بالزعيم ومكالماته وتعزياته مروراً بالتحليلات السياسية والعسكرية والندوات والبرامج الثقافية والاقتصادية ... وقراءات إبداعية للكاريكاتور، ولفلسطين هنا منزلتها الخاصة ولا أظن أن ثمة فرصة لأي دور عربيٍ لنظام أو مؤسسة إن لم يدخل من البوابة الفلسطينية.

ويمكن الاستطراد أكثر سيما في إبراز سياسة الميادين بأنها فضائية التنوير ومناهضة الهيمنة العولمية والتشدد الديني الدموي والانفتاح بعيداً عن النمذجة الأيديولوجية الخشبية.

 

فهل يوجد فضائية عربية لديها مثل هذا التمايز؟

سألني صديق شاركني مسيرة الكفاح طويلاً: ألا تعتقد أن "الميادين" صورة مكرره من الجزيرة؟ ذلك أنني نشرت في الذكرى العاشرة لـ"الجزيرة" مقالة من حلقتين عندما كانت "مشروع حضاري" وقبل أن تذهب الى ما ذهبت إليه، علماً أن مكتبها في فلسطين حافظ على دأبه. اجبت: البشر يصنعون حياتهم وخياراتهم ومن ينطلق من الخندق التحريري بمفهوم فرانز فانون ولو جزئياً يحميه خياره، فليس كل الناس سواء، وهناك مثقف السلطان الشمولي وهناك مثقف الكتلة التاريخية التقدمية بكلمات غرامشي، و"الميادين" اختارت طريقها وهي براكسيس تبني وتبنى في جدلية صاعدة وتقييم خيارها يقوم على المعطيات لا على الهواجس. ولكيما تكون مقالتي فعالة أكثر سوف اختتمها باقتراح عناوين ومساحات إضافية على "الميادين".

1-   العنوان الفلسفي الذي يتصل بطريقة التفكير أي استضافة أهل اختصاص وإنتاج معرفي للإجابة عن سؤال كيف؟ كيف أنتج هؤلاء إبداعهم؟ ما هي أدواتهم وما صلتها بالواقع وما وظيفة إنتاجهم؟

 

2-  العنوان العلمي الذي يتابع آخر النظريات العملية والإنجازات المعرفية في حقول البيولوجيا والاقتصاد والإعلام والسياسة والجيولوجيا والفنون والميكانيكا والفيزياء وعلم النفس ... فهذه العلوم تقفز قفزات سريعة وهذا كله مغيب عن مدارسنا وجامعاتنا وبطبيعة الحال عن الوعي الإجتماعي العربي إجمالاً، وهذا العنوان يمكن أن يدعم العنوان الأول فالعلم الجزئي يترابط مع علم العلوم أي الفلسفة.

 

3-  عنوان تجارب، ماذا يحدث في الصين، الهند، القارة اللاتينية أي في الجنوب، فهي نصف البشرية وتقف على قدميها وتنهض خلافاً لكل نظريات التبعية التي لم تنفك المؤسسة الأكاديمية الغربية تروجها، أنتم عجزة، خذوا بنصائحنا، تكنولوجيتنا، توجيهات البنك الدولي، ودون ذلك لن تروا الحداثة، وها هي الحياة قالت كلمتها وفي النهاية لا نعترف إلا بالتاريخ وعلم التاريخ – ماركس فهو يزودنا بالدروس - كيسنجر. وهذه التجارب كبيرة وهي متباينة ولكنها مفيدة للعقل العربي.

 

4-  عنوان إجتماعي يتناول القضايا بعمق وتحليل أحياء العمال والمهمشين والعاطلين عن العمل والقطاع غير الرسمي وأوضاع المرأة العربية وميكانيزمات قهرها أي غالبية العرب، ناهيكم عن قضايا الشباب هؤلاء الذين أشعلو انتفاضة في تونس وأخرى في مصر وقبلهما في فلسطين أواخر عام 1987 فهم قوة التغيير، وتخصيص مساحة أكبر لمصر لما هو تحت السطح حيث يصنع التاريخ بلغة إبن خلدون، فتاريخياُ نهض العرب ثلاث مرات في بدايات الدعوة الإسلامية التي انطلقت من الجزيرة العربية قبل نحو أربعة عشر قرناً، ومحاولة محمد علي في أواسط القرن التاسع عشر، وتجربة عبد النااصر التي أسقطتها هزيمة 67 والرده الساداتية، وشبه الجزيرة العربية غير مؤهلة اليوم للنهوض بالعرب فكل رصيدها هو النفط وعوائده التي يذهب ثلثيها للبنوك والسلع الغربية (تصريح لاحمد زكي يماني) وسوريا والعراق يمران بأزمة مهلكة و لم تترسما طريق الخروج منها بعد، وإن تقهقرت المخططات والقوى المعادية، وبالتالي لا يبقى سوى مصر التي تشكل ربع العرب وفيها مؤسسات ومكونات طبقية واقتصادية تصل نصف دولة بما يفوق أحوال العرب ومن هنا تأتي أهمية متابعة جدلية مصر والاصطفاف مع عناصرها ونوياتها التي تسعى لتجاوز وضعيتها الراهنة. فالمرحلة انتقالية ويمكن أن تذهب مصر في شتى الاتجاهات بناء على حركة التناقضات بين قواها، وقد يمر وقت طويل الى أن تكتشف القيادة الحالية أن لا منقذ خارجياً لها في المشروعات الكبرى ولا مهرب من الاعتماد على الذات وتغيير الفلسفة الاقتصادية باتجاه الطريقة اللاتينية والصينية، أما رهان غورباتشوف على التكنولوجيا الغربية فقد سقط وكان أحد العوامل الرئيسة في سقوط الانحاد السوفييتي وتفكك سبيكة الدولة وارتداد النظام ومن هنا تستدعي الضرورة نشر وعي انتقادي بعيداً عن الليبرالية الجديدة وإملاءات الاحتكارات المعولمة.

ولم ألحظ من وجهة نظري فضائية أكثر حصافة ورزانة من فضائية "الميادين" في تناول الموضوعات المصرية، إذ نأت بنفسها عن "اليسروية المغامرة" التي تطلق أحكاماً مطلقة وترى الجزء وتنسى الكل من دون أن ترى محاولات ضرب الدولة أو تحويلها لدولةٍ فاشلة.

تمر مصر بمرحلةٍ انتقالية وهذه لها قوانينها الموضوعية وخصائصها المتصلة بملموسيتها ومثل هذه المرحلة مر بها عبد الناصر بين 52-56، وتشافيز في سنوات حكمه الأولى في فنزويلا، وأيضاً المسيرة الفلسطينية ولكن باتجاه معاكس بما أوصلها للمآل التراجيدي الحالي، وفي المرحلة الانتقالية يتم حل التناقضات بما يدفع العربة للأمام باتجاه تقدمي أو تدمير الذات لزمن يتفاوت بين تجربة وأخرى.

وما أجمل أن تتكون ورشة عمل يشارك فيها أهل فكر وخبرة على اتصال بالواقع والوقائع لتقديم مقاربات تتجاوز التحليل السياسي وتذهب لمديات ما يعتمل تحت السطح، انحيازاً لتجاوز اللحظة الإنتقالية باتجاه السير للأمام الذي يحتضن إجابات تعالج المعضلات ومسائل التنمية المستقلة والقضايا الطبقية والديمقراطية والمرأة والشباب والدور العربي والتحالف مع القوى الصاعدة عالمياً كسراً لأحادية القطبية وهيمنة الإمبريالية الجديدة - روبرت بيل .

 

وأخيراً، هل ثمة مبالغة بالقول إن "الميادين" غدت مدرسة رغم قصر عمرها؟ فهي بعد أن رفعت معايير العمل الإعلامي وراكمت ما راكمت بوتائر سريعة وخطفت أنظار وعقول المشاهدين يليق بها أن تبدأ بالتهيؤ لتأسيس مركز أكاديمي لتدريس الإعلام من موقع التجربة لا من موقع الهذر النظري الذي تصدره المدرسة الغربية للجنوب.

زار وفد قيادي فلسطيني فيتنام عام 1989 وسأل: ماذا ستفعلون بحاجتكم للتكنولوجيا فيما يترنح الاتحاد السوفييتي؟ كان الجواب خطواتنا الاقتصادية تلامس واقعنا وما نحتاجه تكنولوجيا متوسطة وهذه نحصل عليها من أسواق عديدة أي الانطلاق من الملموس ومن خلال تدريسي المحدود ومساعدتي للطلبة في غير حقل لاحظت أن نسبة لا تقل عن 80% من مقررات الاقتصاد والسياسة وعلم النفس بلا فائدة ومكانها الوحيد سلة المهملات!

وختاما ثمة شخصية تاريخية، أي تركت بصماتها الناتئة والمشرفة على صفحات التاريخ وليس جعجعات جوفاء، إنه فيدل كاسترو والقصة طويلة والهدف ليس الإحتفاء به بل توثيق ما أمكن من مسيرته أي تجربة الثورة الكوبية بالصوت والصورة والجغرافيا والكهوف وصمودها وإنجازاتها وأخطائها، إنه في وضع صحي لا يساعد على التحدث طويلاً، وهذا كان حال الدكتور جورج حبش في أواخر حياته، غير أن الصحافي الفرنسي جورج مالدينو تأقلم مع شروطه الصحيه والتقاه يومياً لمدة ساعة تقريباً الى أن صدر كتابه بالفرنسية (الثوريون لا يموتون ابدا) ووصل الخبر للحكيم بينما كان في الإنعاش المكثف ورغم طابعه الصحفي حيث تفادى الحكيم التحليلات الاستطرادية غير أن الكتاب كان إضافة نوعية امتزج مع مجالدة زوجته وعائلته لإصداره بالعربية بما صاحب ذلك من تعقيدات.

والصحافية الأميركية سنو ذهبت لجبال الصين ثلاثة أعوام وكانت شاهداَ على حياة الثوار والمعارك وأنشأت كتاباً استثنائياً (نجم أحمر فوق الصين)، والأديب المصري يوسف زيدان بذل مجهوداً كبيراً وبحثاً دؤوباً تمهيداً لروايته الرائعة (عزازيل)، وهذا حال فيلم تشي من جزئين، فالتوثيق يفتح فضاءات ويحفظ ذاكرة، والتاريخ الذي لا يكتب ينسى..