فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

الحلف الأطلسي الهرم ان لم يمت بالسيف مات بغيره

ينسب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه قال ذات يوم عن الحلف الاطلسي"ليس أعطل من التبادل التجاري الحر سوى الحلف الاطلسي" وأضاف عشية انعقاد قمة الحلف الأخيرة " خسرنا العام الفائت 151 مليار دولار في التجارة مع أوروبا ومع ذلك ترانا نمول الحلف الأطلسي بنسبة 70 بالمئة من مجمل ميزانيته "والمقصود بذلك هو العجز الأميركي في الميزان التجاري مع أوروبا.

يبادل معظم أعضاء الحلف الأطلسي ترامب الامتعاض والتذمر
يبادل معظم أعضاء الحلف الأطلسي ترامب الامتعاض والتذمر

سيلاحظ من بعد أن ترامب حمل على المانيا في افتتاح القمة وأثناء تناول فطور الصباح اذ قال "المانيا خاضعة خضوعاً تاماً للسيطرة الروسية بسبب غازستريم 2 "الذي يلبي حاجاتها مباشرة من روسيا. هذا المشروع تناهضه أميركا بقوة، في حين ترى المانيا أنه يوفّر لها أمن الطاقة التي تحتاجها.
يضيف ترامب مهدداً "نحن نحمي المانيا ونحمي فرنسا ونحمي أوروبا ولن نرضى بما تنفقه على الحلف الأطلسي. نريد أن تنفق اليوم وفوراً 2 بالمئة من دخلها الوطني و 4 بالمئة في المستقبل القريب ". وقال إنه يزور بروكسيل وسيزور هلسنكي للقاء الرئيس الروسي "وأعتقد أن التفاهم مع بوتين أسهل بكثير من التفاهم معهم"ويقصد الأوروبيين. وكان قد صرّح في وقت سابق من العام الجاري أن بلاده قد لا تلتزم بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف الأطلسي إذا ما رأت أن هذا الالتزام يتعارض مع مصالحها، الأمر الذي أثار مخاوف عميقة لدى الأوروبيين، الذين يعتمدون في حمايتهم على الحلف، وبخاصة على الولايات المتحدة التي تعتبر القوة الاساسية في الحلف بل القائد الفعلي له. وقد رد الاوروبيون بما يشبه الإجماع من بعد إذ أكّدوا أنهم لا يفهمون موقف ترامب وهم الذين التزموا فوراً بتلك المادة في 11 سبتمبر ـ أيلول عام 2001 عندما تعرضت الولايات المتحدة الأميركية للهجوم الإرهابي الشهير.
ويبادل معظم أعضاء الحلف الاطلسي ترامب الامتعاض والتذمر. فقد حاول رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو تجنب الالتقاء به ومصافحته خلال اجتماع بروكسيل بسبب تخريبه لقمة السبعة الكبار في كندا، في حين استخف به رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال فغاب عن استقباله في المطار وارسل وزير خارجية بلجيكا مدير التشريفات في الوزارة لاستقباله. ويشير هذا التصرف الى مستوى التقدير الهابط الذي يكنه الاوروبيون للرئيس الامريكي وجلهم يراهنون على مغادرته البيت الابيض بعد سنتين.
ويفيد استفتاء للرأي العام في المانيا حول "الحلف" أن 15 بالمئة فقط من الألمان يؤيدون زيادة مساهمة بلدهم في ميزانيته، ويلاحظ في هذا الصدد أن العديد من الدول الأعضاء الأساسية لا تلتزم بمستوى الميزانية الذي تمّ الاتفاق عليه عام 2014 والبالغ 1,4 بالمئة من الدخل الوطني على ان تبلغ النسبة 2 بالمئة في العام 2024 ومن بين الدول المتخلفة اسبانيا وكندا وايطاليا واليونان ودول اخرى.
ويعاني الحلف من تفكك خطير بين أعضائه ففي حين يعتبر أمينه العام ينس ستولتنبرغ ان العدو الأساسي المحتمل للاطلسي هو روسيا بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم والخوف من أن تضم دول البلطيك وأن تخضع بولونيا، تبادر تركيا ــــ وهي القوة الثانية في الحلف بعد الولايات المتحدة الأميركية ــــــ الى شراء منظومة دفاعية من موسكو ب 2,5 مليار يورو، علما أن أردوغان كان قد هدد واشنطن وهي قائدة الحلف الأطلسي، بالتصدي لقواتها في منبج في أقصى الشمال السوري أن هي دافعت عن الأكراد. معلوم أن أردوغان نفسه اتهم الولايات المتحدة وحلفاءها ضمنا بالوقوف وراء الانقلاب الذي تعرض له. ومازالت تركيا حتى اليوم تحتل قبرص التركية غير عابئة بموقف الاطلسي الداعم لقبرص اليونانية.
تلك هي حال العلاقات داخل الحلف الأطلسي، الذي حصد فشل ذريعاً في حربه على أفغانستان وفي الحرب على ليبيا. ويرى كثيرون أنه فقد مبرر وجوده بعد انهيار الحرب الباردة، في حين يعتبر الأوروبيون أنه جيش أوروبا بمواجهة التحديات الروسية والإسلامية المتشددة في الشرق الأوسط. وبما أنه جيش القارة العجوز، فان صاحب البيت الأبيض يريد ابتزاز الأوروبيين وحملهم على تغطية القسم الأكبر من تكاليف هذا الجيش. والمذهل في الأمر، ان هذا الابتزاز يلقى رواجاً كبيراً لدى الرأي العام الأميركي، وبخاصة ناخبي دونالد ترامب البيض والمتشددين.
والسؤال المطروح اليوم هل يبقى الحلف الأطلسي صامداً بمواجهة الضغوط التي يتعرض لها من كل صوب؟ وهل يقرر الأوروبيون تولى أمنهم بمعزل عن الحلف وبوسائلهم الخاصة ؟
من الصعب توفير إجابة قاطعة حول مصير هذا الحلف، الذي يعتبر الأقدم في التاريخ الحديث، اذ عاش حوالي سبعين سنة واجتاز بنجاح فترة الحرب الباردة وما بعدها، لكنه خسر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عدوه الايديولوجي الاكبر. ويضعف اليوم بسبب ميل الولايات المتحدة الامريكية للتخلي عن وظيفة الدركي الاوحد في العالم ويبدو انها تريد الافادة من الثروة الاوروبية والثروة الخليجية في بناء قوى متعددة داخل الحلف الواحد، تكون واشنطن فيها القوة الراجحة وليست الأوحد، الأمر الذي يستدعي اعادة تنظيم وتفكير في طبيعة هذا الحلف الغربي الذي انتصر في الحرب الباردة، وهل ما زال غربيا؟ وبمواجهة من؟ طالما ان القوة الروسية باتت ثابتة ولها مجالها الحيوي والقوة الصينية وافدة ايضا، فضلا عن القوى الاسيوية الاخرى. اذا نظرنا الى مجمل هذه القوى نرى ان العالم صار موضوعيا تعددي والاصطفاف فيه اقتصادي وليس ايديولوجيا.
إن المصالح الاقتصادية في العالم ما عادت محصورة في نطاق ايديولوجي، والقوة الأميركية العسكرية الأولى في العالم، كانت تستند إلى المرتبة الاقتصادية الأولى في العالم، والتي ستفقدها واشنطن قريباً لحساب الصين. هذا التغير من شأنه أن يحدث خللاً كبير في تنظيم القوى على المسرح الدولي ولعله يفسر الانشقاق الواضح والعلاقات المتوترة، وسوء التقدير المتبادل وضعف الثقة داخل الحلف الأطلسي. هذا إذا أردنا غض الطرف عن سكوت الاطلسي، بل عجزه عن الدفاع عن أوكرانيا والرد على ضم روسيا للقرم، وعجزه أيضاً عن إنقاذ وحدة الأراضي الجيورجية ومنع روسيا من دعم استقلال اوسيتيا الجنوبية وابخازيا. ولعل ذلك يكشف طبيعة الحلف الراهنة وضعفه الشديد الذي قد يؤدي إلى موته بغير السيف وربما هرما في ثمانيناته أو تسعيناته.
أما عن توفير أوروبا لأمنها بنفسها بعيداً عن الحلف، فهذا يحتاج إلى خطة طويلة الأمد وإلى ثقة صلبة في مستقبل البناء الأوروبي الذي خرجت منه بريطانيا وكأنها تراهن على مستقبل ومصير آخر في عالم يقول لمن يرغب كل يوم أنه كان متعدد القوى وهو اليوم وسيكون في المستقبل.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً