نتنياهو يَتَرنّح ويهرب من أزماته إلى الأمام

ترتبط حلقات الفشل ببعضها في السياستين الداخلية والخارجية فتغذي الواحدة الأخرى ليشير المشهد الأخير إلى ترنُّح نتنياهو على حبل المشنقة السياسية.

  • تجسيداً لعقيدته السياسية المعروفة، يحاول نتنياهو أن يهرب من أزماته إلى الأمام.
    تجسيداً لعقيدته السياسية المعروفة، يحاول نتنياهو أن يهرب من أزماته إلى الأمام.

يبدو لغالبية المراقبين، بما في ذلك الأوساط السياسية الإسرائيلية، ولا سيَّما المُقرّبة إلى بنيامين نتنياهو، أن حكمه أصبح قاب قوسين أو أدنى من السقوط. يشهد على ذلك فشله في إقناع نفتالي بينيت، المتديّن واليميني المتطرف والاستيطاني، وفي ضمّه إلى حكومته، وفشله في شقّ أيّ من قائمات المعارضة، كما فعل في الماضي مع قائمة "أزرق أبيض"، أو استمالة أيّ عضو من أعضاء الكنيست في القائمات المعارضة إليه، رغم كلّ الإغراءات التي قدّمها لهم.

كما يشهد على ذلك فشله في التّصويت الأوّل في الكنيست الحالي لإقامة اللجنة المنظّمة لعمله، على أهميّتها، بسبب خداعه "القائمة العربية الموحدة"/ الحركة الإسلامية في أول امتحان له معها، وتراجعها عن تأييده في اللحظة الأخيرة، وتصويتها مع اقتراح يئير لبيد (يوجد مستقبل)، تأكيداً منها أنَّها "ليست في جيب أحد"، وفشله في تجنيد ما يكفي من الأعضاء لتغيير طريقة انتخاب رئيس الوزراء من انتخابات غير مباشرة إلى انتخابات مباشرة، في محاولةٍ منه للالتفاف على الوضع القائم والخروج من عنق الزجاجة، حتى إنَّ عضو الكنيست عن "الليكود"، ميكي زوهر، المقرّب جداً إلى نتنياهو، صرّح قبل أيام أن "الليكود" يستعد لأن يكون في المعارضة. وازداد الأمر تعقيداً حين قرّرت المحكمة نهاية الأسبوع الماضي إعطاء نتنياهو مهلة أخيرة حتى الأحد (25/4/2021)، ليقدّم لها تفسيراً حول سبب عدم تعيينه حتى الآن وزراء في الوزارات الشاغرة، لا سيّما في وزارة القضاء.

وعلى صعيد السياسة الخارجيّة، يعترف نتنياهو وكلّ القوى المحيطة به بأنَّ الولايات المتحدة ستعود إلى الاتفاق النووي مع إيران وفق استراتيجيتها ومصالحها الدوليّة، من دون الالتفات إلى الرفض الإسرائيلي، وبأن كل محاولات نتنياهو للتخريب على مسيرة العودة إلى الاتفاق النوويّ لن تجدي نفعاً. هذا ما أكَّده تقرير المخابرات العسكرية وتقرير الموساد في اجتماع الكابينت الأمني - السياسي الأسبوع الماضي.

وتؤكّد تصريحات العديد من الشّخصيات السياسيّة والأمنيّة الوازنة في مراكز الأبحاث المختلفة ومواقفهم أنَّ سياسة ترامب – نتنياهو في الخروج من الاتفاق النووي لم تحقق أهدافها المعلنة، أي لم تمنع إيران من التقدم في مشروعها النووي، بل على العكس، جعلتها تتقدّم فيه وتزداد قوة بتحالفاتها الدولية الجديدة، وأهمها الاتفاق الاستراتيجي مع الصين.

ترتبط كلّ حلقات الفشل هذه ببعضها البعض في السياستين الداخلية والخارجية على حد سواء، فتغذي الواحدة الأخرى، ليشير المشهد الأخير إلى حالة ترنُّح نتنياهو على حبل المشنقة السياسية، فهل يستطيع بعد كلّ هذا أن يقلب المشهد رأساً على عقب، فينقذ نفسه من السقوط النهائي؟ وهل أثرت مواقف إدارة بايدن، مقارنة بإدارة ترامب، في المشهد السياسي الإسرائيلي ومسلسل الفشل الذي يواجه نتنياهو في الوقت الحاضر والمستقبل القريب؟ الجواب: نعم. لا شكّ في أنّ موقف إدارة بايدن من سلوكه كان له تأثير في الأحزاب المعارضة له، بعكس التأثير الذي مارسته إدارة ترامب غداة انتخابات 2020 لإنقاذه.

 

الهروب إلى الأمام وتصعيد داخليّ وخارجيّ

كعادته، وتجسيداً لعقيدته السياسية المعروفة، يحاول نتنياهو أن يهرب من أزماته إلى الأمام. تساعده في ذلك القوى الأكثر تطرفاً، وعلى رأسها غلاة المستوطنين الفاشيين، وبما يتلاءم مع مصالحهم أولاً؛ ففي مدينة يافا، تفجَّرت، بداية الأسبوع الماضي، مواجهات بين الشباب اليافيين العرب، أهل المدينة الأصليين، وموجة جديدة من المستوطنين الذين دخلوا المدينة، بقيادة الراب الفاشي إلياهو مالي، رئيس المدرسة الدينيّة الجديدة في يافا، وأخذوا يسيطرون على الأبنية القديمة في الأحياء العربية بالذات، بمساعدة حكومية، بهدف السيطرة على العمارات التي يسكنها العرب، من خلال التضييق عليهم بأشكال مختلفة والتسبب في طردهم من المدينة.

كلّ ذلك ضمن "مخطّط الجيل الثالث من المستوطنين، الذي يبحث عن تحديات جديدة في حياة الاستيطان، ومنها غزو المدن المختلطة في الداخل وطرد العرب منها"، على حد قول بروفيسو دانيئيل مونتريسكو لراديو "الشمس" يوم 21 نيسان/أبريل الجاري. 

أمّا في القدس، فقد قامت مجموعة كبيرة من المستوطنين، بقيادة منظمة "لهفاة" الفاشية، بالتظاهر داخل أسوار البلدة القديمة، بمساعدة شرطة الاحتلال، وبدعم رسمي من حكومة نتنياهو، الأمر الَّذي فجَّر انتفاضة مقدسية ضد الاستيطان والاحتلال، ما يزال لهيبها يتصاعد يوماً بعد يوم، رداً على اعتداءات المستوطنين المدعومة من بنيامين نتنياهو. سبق ذلك اعتداءات على أهالي الشيخ جراح خارج البلدة القديمة، وطرد السكّان العرب من منازلهم، والاستيلاء على عمارة عربية في حيّ سلوان المحاذي للحرم. 

رداً على كلّ ذلك، قامت قوى المقاومة في قطاع غزة بقصف مستوطنات الجنوب، وهو ما رافقه تصعيد إسرائيلي عسكري وتصريحات معاكسة تطلب التهدئة خشية فقدان السيطرة، كما رافقه تظاهرة في القدس الغربية دعت إليها منظمات يسارية، منها "سلام الآن" و"نقف معاً" وجماعة "القدس حرة" و"يد بيد". واتّهَم المتظاهرون بنيامين نتنياهو بتغذية الكراهية العنصرية والعنف في المدينة، كما اتهموا القوى الفاشية المتعاونة معه بالمسؤولية عن الاعتداءات والمواجهات التي حصلت في البلدة القديمة بين المستوطنين وقوات الاحتلال من ناحية، والشباب المقدسي من ناحية أخرى.

أمّا على صعيد السياسة الخارجية، فلم يتردّد نتنياهو في توجيه كومندو الموساد للقيام بأعمال قرصنة بحرية وأعمال إرهاب وتخريب ضد السفن الإيرانية التجارية في البحر المتوسط والبحر الأحمر، وأعمال إرهاب خطيرة ضد المنشأة النووية الإيرانية في نطنز، بهدف جر الولايات المتحدة إلى حرب ضد إيران أو على الأقل تعطيل كلّ مسعى أميركي وأوروبي للعودة إلى الاتفاق النووي معها، الأمر الذي أثار غضب الأوروبيين وإدارة بايدن على حدّ سواء. 

وعندما شعر بفشله في تحقيق أهدافه، وقدّم له كلّ من الموساد والاستخبارات العسكرية تقريراً خلال اجتماع الكابينت الأمني بداية الأسبوع الماضي، قال إنّ أميركا عازمة على العودة إلى الاتفاق النووي، انسجاماً مع استراتيجية إدارة بايدن، ووفقاً لمصالح أميركا الاستراتيجية، من دون الأخذ بعين الاعتبار موقف "إسرائيل" الرافض لذلك، وقرّر إرسال وفد رفيع المستوى إلى الولايات المتحدة، بهدف زعزعة الموقف الأميركي، ولو قليلاً، ومنعه من العودة إلى الاتفاق النووي وفق الشروط الإيرانية، وهي شروط الاتفاق ذاته التي يدعمها غالبية الأطراف الموقعة على الاتفاق أو الضامنة له. 

هذا الوفد مؤلف من وزير الأمن ووزير الخارجية وقائد الأركان ورئيس الموساد ورئيس مجلس الأمن القومي، الذين تستغرق جولتهم في الولايات المتحدة 5 أيام، يلتقون خلالها نظراءهم وشخصيّات مؤثرة في القرار، من أعضاء الكونغرس وأصدقاء "إسرائيل"، بهدف التأثير في موقف البيت الأبيض.

على الرغم مما تناقلته بعض وسائل الإعلام، نقلاً عن مكتب نتنياهو، بأن الوفد لن يناقش تفاصيل الاتفاق النووي أو كيفية العودة الأميركية إليه مجدداً، وأن مهمّته تقتصر على إعلان موقف رافض للاتفاق، وبأنه غير ملزم لـ"إسرائيل"، مع تأكيد "حقّها في العمل المنفرد" ضدّ البرنامج النووي الإيراني، فإن معلقين إسرائيليين مطّلعين قالوا: "لو كان الأمر كذلك، لما احتاج إلى هذا الجهد الكبير الّذي يمثّله وفد على أعلى مستوى سياسيّ وأمنيّ".

في الحقيقة، إنَّ نتنياهو يحاول حتى اللحظة الأخيرة اختراق الموقف الأميركي، لعله يحظى بتأييد جزئي لمطالبه، فيعطّل العودة إلى الاتفاق النووي أو يخلق نقاشاً داخل الموقف الأميركي. ومن الأهداف العينية التي حدّدت للوفد، محاولة إقناع إدارة بايدن بعدم العودة إلى الاتفاق إلا بالتدريج المشروط بخطوة إيرانيّة مقابل كل خطوة أميركية في رفع العقوبات، لكي تتحوَّل العودة إلى مسيرة طويلة ومعقّدة تحتاج إلى تفاوض لا ينتهي إلا بانتهاء إدارة بايدن، على شاكلة المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.

 

ماذا بعد؟

يأمل نتنياهو من خلال ما يقوم به في السياسة الخارجية أو الداخلية تحقيق إنجازات، ولو قليلة، تساعده على الصمود في وجه الضغوطات التي تواجهه، وخصوصاً أنَّ الأيام القادمة قد تقرّر مصيره السياسي والشخصي، فإما يجلس على كرسي الحكم مجدداً، وإما على كرسي المُتهمين في أروقة المحاكم الإسرائيلية، والتي قد تستمرّ لسنوات، وقد تؤدي إلى سجنه.

بنيامين نتنياهو مستعدّ لأن يشعل النار في الشوارع من دون حساب، إن كانت هذه النيران ستبقيه في الحكم، ولديه من الأدوات والقوى الفاشية داخل "الليكود" وخارجه من هم مستعدون لذلك، وهو ما يخشاه الطّرف المعارض له ويدعو إلى إسقاطه، فهل تنجح قوى التغيير في إسقاطه أو ينجح نتنياهو في الوقت الذي يبدو اليوم مترنحاً؟ وفي حال فشل وخسر السّلطة، هل سيصمت أو ستصمت القوّة الفاشية الحليفة له، أو سنشهد تحركات عنيفة في الشوارع والساحات أو إقامة حكومة يمينيّة متطرفة وواسعة تعكس نتائج الانتخابات الأخيرة، لكن من دون بنيامين نتنياهو؟ وهل سيكون الفلسطينيون داخل المناطق المحتلّة العام 48 أو مناطق المحتلة العام 67 أوّل ضحايا هذا التغيير بسيناريوهاته المتعدّدة؟ والسّؤال الأهم: هل نحن مستعدون لمواجهة ذلك؟

أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

إقرأ للكاتب

أسبوع متفجّر ينتظرنا.. العيون على القدس

تنذر الأيام المقبلة باحتمال أن تنفجر الصواعق في أكثر من ملف، وفي أكثر من مكان، في ظل إصرار...

نتنياهو يفشل في تأليف الحكومة.. ثلاثة سيناريوهات

بما أن الأزمة هي أزمة حكم، وهي بنيوية بطبيعتها وبأهداف كل طرف فيها، فكل من هذه السيناريوهات...

ما الَّذي كشفته زيارة لويد أوستين إلى تل أبيب؟

بدا واضحاً تركيز الإعلام الإسرائيلي، خلال الزيارة، على مسألة الخلاف الإسرائيلي الأميركي في ما...

همزات الوصل والقطع في تشكيل الحكومة الإسرائيليّة القادمة

على الرغم من كلّ ما يُنشر عن سيناريوهات تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، لا يستطيع أحد أن يجزم...

الحريديم: من هم؟ ولماذا يتمرَّدون على قوانين حكومة "كورونا"؟

لماذا يطرد الحريديم الشرطة من أحيائهم بالقوة؟ ولماذا لا تجرؤ الشرطة على فض مسيراتهم الجماهيرية؟...

لماذا تستفحل الجريمة المنظّمة داخل مناطق الـ48؟

عربي يقتل عربياً، لا حاجة للقوات الإسرائيلية أن تفعل ذلك، بل تقف مكتوفة الأيدي وتُحصي الضحايا...