سياسة وسط العسكر.. نقطة غليان في أميركا

تستمر مراكز التيار المحافظ في الولايات المتحدة في الادعاء بأن الأيديولوجية الماركسية استشرت إلى ما هو أبعد من الأكاديميات العسكرية.

  • جادل وزير الدفاع الأسبق جيم ماتيس بضرورة فصل القوات المسلحة عن أي دور في سياسات الحزبين.
    جادل وزير الدفاع الأسبق جيم ماتيس بضرورة فصل القوات المسلحة عن أي دور في سياسات الحزبين.

تتوالى السّردية الرسميّة الأميركيّة في رسم صورة دور أفرع القوات المسلحة كافة، بعيداً من تدخلها في رسم السياسات الأميركية المتعددة أو التأثير فيها، فيما يتطور العالم، وكذلك متطلبات الاستراتيجية الأميركية الكونية. وقد شهدت أميركا ترجمة ملموسة تنافي مسلّمات السردية، وخصوصاً خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب.

انتعشت موجة انتقادات دور المؤسسة العسكرية منتصف العام الماضي، بين "الادّعاء أنّ القوات العسكرية ينبغي أن تكون غير مسيّسة هو أمر مضلّل وغير مجدٍ" (معهد بروكينغز، 12 حزيران/يونيو 2020)، والتحذير القاسي من أن "تسييس القوات العسكرية الأميركية يشكّل وصفة كارثية" (مجلة "فورين بوليسي"، 18 حزيران/يونيو 2020).

تلقَّت قيادات هيئة الأركان العسكريَّة الأميركية عرائض متعددة من ضباط وعسكريين متقاعدين، تحثها على "التدخل"، بحسب مواصفات اللحظة الزمنية المعنية وتحدياتها. ووجَّه نحو 55 ضابطاً متقاعداً مذكرة في العام 2017 يحذرون فيها من "عدم صلاحية الرئيس ترامب في منصبه كقائد أعلى للقوات المسلحة"، ومحاولة أخرى مشابهة في 11 آب/أغسطس 2020 موجهة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، تناشده خلع الرئيس ترامب من منصبه. في المقابل، وجه نحو 124 ضابطاً من المتقاعدين مؤخراً مذكرة موازية تشكك في "صلاحية الحالة الذهنية والجسمانية للرئيس بايدن". 

جاءت تلك التوجّهات، وأخرى مشابهة، لتؤكّد حقيقة أنَّ "للقوات العسكرية توجهات سياسية"، بعضها مناوئ لساكن البيت الأبيض، ما استدعى من كبار القيادات العسكرية التذكير بالتراتبية العسكرية وضرورة "تركيز جهود العسكر على طبيعة المهمة الراهنة، وليس على المعتقدات السياسية لمرؤوسيهم"، على الرغم من تباينها مع ما تلقّاه الضباط ومراتبهم العليا من دروس تاريخية في الاستراتيجية، وخصوصاً مقولة الاستراتيجي الألماني كلاوس فون كلاوسفيتز بأن "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى".

واعتبرت النشرة العسكرية المتخصّصة "ميليتاري تايمز" أن تسارع الأحداث السياسية والضغوط من أجل تدخل القوات المسلحة مباشرة بمثابة "نقطة غليان في السياسة الأميركية"، مستشهدة بتصريحات وزير الدفاع آنذاك مارك أسبر، وقوله: "بذلت جهوداً كبيرة لعدم تدخل البنتاغون في الشأن السياسي (الانتخابات الرئاسية)، وإبقائها بعيدة عن التوجهات والتجاذبات السياسية" (4 حزيران/يونيو 2020).

وسجّل البنتاغون قلقاً حقيقياً في تلك الأثناء من زجّ الرئيس ترامب القوات العسكرية في أتون التطورات السياسية، وإمكانية إصداره أمراً رئاسياً تحت سقف "قانون التمرد"، لتوظيف الكتيبة 101 المحمولة جواً في "قمع الاحتجاجات الشعبية" التي وصفها بأنها مدعومة من "الجناح الراديكالي في اليسار" الأميركي، وهو ما شاركه فيه مناصروه.

يُشار إلى أنَّ وزير الدفاع الأسبق جيم ماتيس شارك في نشر كتاب بعنوان "محاربون ومواطنون: رؤى أميركية لقواتنا العسكرية" في العام 2016، جادل فيه بـ"ضرورة فصل القوات المسلحة عن أي دور في سياسات الحزبين"، ضمن سعيه وآخرين إلى تحسين صورة القوات العسكرية في أذهان الشعب الأميركي، عقب رصد تراجع معدلات الدعم الشعبي وتقلّص أعداد "المتطوعين" في الأفرع العسكرية المختلفة. كما أكدت مجلة "فورين بوليسي" توجيه رسالة إلى الحزبين تناشدهم فيها "إبقاء القوات العسكرية (والضباط الكبار المتقاعدين) بعيداً من السياسة والانتخابات" (18 حزيران/يونيو 2020).

وفي تزامن غير معلن، وجه نحو 124 ضابطاً متقاعداً وأدميرال بحر "رسالة مفتوحة" إلى الرئيس بايدن. أطلقت المجموعة على نفسها اسم "ضباط العَلَم لخدمة أميركا"، وحذرت من مخاطر عودة "اليسار المتشدد" إلى واجهة السياسة الداخلية، ما سيفرض تسييس القوات العسكرية "وفرض سياسات محرجة على بنية القوات المسلّحة حول العنصرية"، بحسب الرسالة.

استعادة "الخطر الشيوعي" في الخطاب السياسي الأميركي يجد صداه مع تردي الأوضاع الاقتصادية وحلول الاستقطاب الحاد في واجهة المشهد السياسي، وقد جسّد هذا التوجّه كبار الموقعين على الرسالة المفتوحة، منهم النائب الأسبق لمساعد وزير الدفاع لشؤون الاستخبارات الفريق ويليام بويكن، والنائب الأسبق لمستشار الأمن القومي جون بويندكستر. كما شددت الرسالة على "توجه الكونغرس والإدارة الراهنة بشدة نحو اليسار الساعي لتطبيق مسار اشتراكي ونموذج ماركسي مستبد للحكم الذي ينبغي مواجهته".

وأضاف القائد السابق للقوة الفضائية ماثيو لوهماير، قبل إقالته مؤخراً، جدلاً إضافياً في انتقاد المؤسسة العسكرية واتهامها بالاختراق من قبل "الأيديولوجية الماركسية الواسعة الانتشار في صفوف القوات العسكرية" التي برزت منذ عدة سنوات، وإصداره كتاباً مستفزاً منتصف الشهر الجاري بعنوان "ثورة لا يمكن مقاومتها: الأهداف الماركسية في الاحتلال وتفكيك القوات العسكرية الأميركية". ومن ضمن أهم توجهاته، جاء اتهامه البنتاغون في الكتاب "بالتحول المفاجئ عن سياسته والتركيز على انتشار التعصب في صفوف القوات".

يخلط عدد كبير من المنتسبين إلى الأكاديميات العسكرية الأميركية بين "العنصرية والماركسية"، ما يؤدي إلى تيسير مهمة القوى الحاكمة في عدم التعرض لمسألة تفشي التوجهات العنصرية. وتشير الدلائل إلى أن الأكاديمية البحرية المرموقة "ويست بوينت" سجّلت ارتفاعاً في تحذير إدارتها من فشلها في التصدي "للعنصرية المنظمة"، ومطالبتها بالسماح للنشاطات المناهضة للعنصرية داخل حرم الأكاديمية، وتبني سياسة تشجيعية لانخراط الأقليات وذوي البشرة السمراء ضمن صفوفها.

وتلقّفت الرسالة عناصر في "أكاديمية سلاح الجو" الأميركي، التي طالب أعضاء فريقها لكرة القدم الإدارة بعدم التوقف عند ترديد شعار مناهض للعنصرية فحسب، بل تبني خطوات ملموسة أيضاً، وخصوصاً دعم حركة "حياة السود مهمة" ونشاطاتها بين المنتسبين.

تستمر مراكز قوى التيار المحافظ في الولايات المتحدة في الادعاء بأن "الأيديولوجية الماركسية استشرت إلى ما هو أبعد من الأكاديميات العسكرية بين صفوف الجيش والبحر والجو"، ما أدى إلى خروج عناصر مشاة البحرية (المارينز) من الخدمة بأعداد كبيرة، واعتراضهم على الأيديولوجية السياسية الجديدة المفروضة عليهم، بحسب أدبيات كبار الصحافيين المحافظين.

أمام هذه الوقائع، لا تزال الساحة السياسيّة الأميركيّة محكومة بحالة انقسام حادّة منذ الانتخابات الرئاسية وتأييد نحو "75 مليون ناخب للرئيس ترامب" والأجندة المحافظة، من ضمنها استحداث "الخطر الشيوعي"، والتحضير المتأني لخوض جولة الانتخابات النصفية المقبلة في العام 2022، بتسخير جملة عوامل ومزاعم لحشد صفوف القوى والتيارات الدينية المتشددة والمحافظين أيضاً، من بينها "التشكيك في صدقية الانتخابات الرئاسية الماضية"، واتهام الإدارة بمسايرة كل من روسيا والصين، مقارنة بالسياسات المتشددة السابقة وإجراءات العقوبات المتتالية ضدهما.

منذر سليمان

مدير مكتب الميادين في واشنطن

إقرأ للكاتب

الأهداف الكامنة وراء جولة بايدن الأوروبية

تتكرر الإشارات إلى تخوّف أوروبا من التماهي مع السياسات الأميركية بسبب خشيتها من عودة الجمهوريين...

أميركا تتجسَّس على حلفائها و"إسرائيل" تتجسس عليها

استثمرت واشنطن بشكل سخي في مقر الاستخبارات البريطانية وقدراتها التي تعدّها "الأكثر قيمة...

كيف نظرت أميركا إلى المعركة الأخيرة بين غزة و"إسرائيل"؟

"فورين بوليسي" تشير إلى أن الأهمية الاستراتيجية لـ"إسرائيل" أقل بكثير مما كانت عليه خلال الحرب...

أهداف التوظيف الأميركي لحاملة طائرات بريطانية حديثة

توجّهات بريطانية "جديدة" تأتي تتويجاً لخطة بريطانيا في "مراجعة استراتيجيتها" التي أدرجت روسيا...

قلق أميركي من تفوّق الصين في ميدان المعادن النادرة

المعادن وصفت بالـ"نادرة" نظراً إلى أهميتها الفائقة في دورة التقنية الحديثة وتصنّفها الولايات...

صاروخ ديمونا.. فشل مزدوج إسرائيلي - أميركي

العنصر الكامن في القلق الأميركي هو ما يحمله الرأس المتفجر للصاروخ من رسائل لمن يعنيهم الأمر،...