أيّ دلالات في الكشف عن هوية رئيس "الشاباك"؟

طبيعة الكشف عن قائد "الشاباك" وتهديده يمثلان ضربة جديدة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية بعد الضربة التي تلقتها في عملية "نفق الحرية" داخل سجن جلبوع.

  • تبعث المقاومة الفلسطينية رسالة رعب جديدة لكلٍّ من قائد
    تبعث المقاومة الفلسطينية رسالة رعب جديدة لكلٍّ من قائد "الشاباك" الإسرائيلي وضباطه، مفادها أنَّهم أصبحوا معروفين لديها.

كَشفُ المقاومة الفلسطينية عن هُوية رئيس جهاز "الشاباك" الإسرائيلي الجديد رونين بيرزوفسكي، والذي أعطاه رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت بعد تعيينه خلفاً لأرغمان، الرمز (R)، وتمنَّعت "دولة" الاحتلال الإسرائيلي عن الكشف عن شخصيته، وأحاطتها بجدار من الخفاء والغموض، واعتبرته قائد المهام الخطرة والخاصة، يضع جملة تساؤلات حول قدرة المقاومة الفلسطينية على الوصول إلى تلك المعلومات. في أيِّ إطار يمكن قراءة هذا الإنجاز الأمني الجديد؟ وكيف يمكن تفسير التهديد الواضح الَّذي فرضته على شخصية رئيس "الشاباك"، بعد إعلانها أنَّه أصبح في قائمة المطلوبين لديها؟

وكانت أعلنت المقاومة الفلسطينيّة في وقت سابق أنّ رونين بيريزوفسكي، من مواليد 24 كانون الأول/ديسمبر 1965، هو قائد جهاز الشاباك الإسرائيلي الجديد، ويسكن في شارع "عغنون" في منطقة "هود هشارون"، ورقم منزله "6"، كما أكدت أنه أصبح ضمن قائمات المطلوبين لديها، وستلاحقه كل أذرع المقاومة. 

هذا الإعلان للمقاومة الفلسطينية يعكس حقيقة صراع الأدمغة الخفي والمستمر الذي يدور في الخفاء بينها وبين "إسرائيل" وأجهزتها الأمنية والمخابراتية، رغم توقف الحرب العسكرية منذ عدوان 11 أيار/مايو الماضي، أمام فشل أجهزة مخابرات عالمية في المنطقة وعجزها عن النجاح في كشف هُويته. 

ثمة دلالات كثيرة إزاء هذا الإعلان من قبل المقاومة الفلسطينية؛ فطبيعة الكشف بالاسم والصورة عن قائد "الشاباك" وتهديده يمثلان ضربة جديدة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، بعد الضربة التي تلقتها في عملية "نفق الحرية" داخل سجن جلبوع، كما يعكس حالة اختراق أمني سيبراني واضح يدلّ على أن المقاومة نجحت في الحصول على كمٍّ من المعلومات حول تركيبة جهاز "الشاباك" الجديدة، كما يدلّ على أنها ما زالت تحقّق رصيداً من الإنجاز في صراع الأدمغة مع "إسرائيل"، وهو ما سيجعل دوائر صنع القرار الإسرائيلي تتساءل عن ماهية هذا الاختراق وخرقه، إذ يسجل للمقاومة أنَّها شكلت في الحرب السيبرانية مؤخراً مصدر تهديد وقلق أمني كبير خلال معركة "سيف القدس" الأخيرة.

يعد هذا الإعلان تطوراً نوعياً في أداء المقاومة الفلسطينية، وإنجازاً جديداً لها في معركة صراع الأدمغة التي سجلت فيها سابقاً تراكمات كمية ونوعية. هذا التطور سيؤثر في حقيقة الصراع مع "إسرائيل" خلال المرحلة القادمة. وربما من يرصد الإعلام العبري باستمرار يجد معالم هذا الصراع والنجاحات التي حققتها المقاومة في هذا الصدد.

هذا الإنجاز الأمني الجديد للمقاومة يؤكّد قدرة العمل الاستخباراتي للمقاومة الفلسطينية على تحقيق نجاحات جديدة ومتقدمة على صعيد المواجهة مع "إسرائيل"، ما يدرج في سياق فعل المقاومة الاستباقي الدفاعي عبر كشف هُوية شخصية أمنية مهمة وخطرة، ويساعد في وضع الخطط والتكتيكات الجديدة في إدارة الملف الأمني الشائك مع الاحتلال، ويزيد من أساليب المجابهة والمواجهة، ويساهم في الحد من اختراقات محتملة عبر الإيقاع بعملاء جدد أو اختراق منظومة الاتصالات الخاصة بالمقاومة، والتي حاول الاحتلال وعمل عبر عملائه من أجل اختراقها أكثر من مرة وفشل، كما حدث في معركة "حد السيف الأمنية" جنوب قطاع غزة قبل عامين. 

يأتي الإعلان اليوم ليسجّل استخفافاً واضحاً بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية وضربةً تلحق بها بعد انتصار المقاومة في معركة "سيف القدس" وعملية انتزاع الأسرى الستة حريتهم من سجن جلبوع عبر "نفق الحرية"، والتي وصفت، على لسان رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت، بأنها فشل استخباري كبير لـ"إسرائيل".

تبعث المقاومة الفلسطينية رسالة رعب جديدة لكلٍّ من قائد "الشاباك" الإسرائيلي وضباطه، مفادها أنَّهم أصبحوا معروفين لديها، وأن ظهورهم باتت مكشوفة، وهذا جزء لا يتجزأ من أساليب المواجهة الدائرة بين الشاباك الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، وسيكون لها تأثير وارتدادات معنوية محسوبة على الضباط أنفسهم والجمهور الإسرائيلي بشكل أساسي.

وقد علمتُ من مصادر خاصّة قوية ومطلعة أنَّ قيادة "كتائب القسام"، الذراع المسلّحة لحركة "حماس"، وكلّ أذرع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، تخوض حرباً خفية شرسة مستمرة دائرة من مسافة صفر مع الاحتلال الإسرائيلي وجهاز "الشاباك" التابع له، وأنّها تولي اهتماماً عالياً لهذا الملفّ، عبر محاربة تجنيد جهاز "الشاباك" الإسرائيلي للعملاء للحد من ضرب الجبهة الداخلية الفلسطينية وزعزعتها، والحفاظ على قوتها وصلابتها من أيّ اختراق إسرائيلي، وأن أشكال المواجهة مع المقاومة تشتد وتصبح أكثر قسوة وشراسة وتحقيقاً للنتائج، لكن من دون أن تسمع فيها أصوات أزير الرصاص والصواريخ، وحتى ضجيج الطائرات.

صراع الأدمغة يعدّ الورقة الرابحة للمقاومة الفلسطينية التي باتت تحقّق رعباً إضافياً لـ"إسرائيل"، ونصراً نوعياً ومهماً في حرب الأدمغة مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وهذا باعتراف الاحتلال وقادة جيشه، الَّذين يعتبرون حرب الأدمغة والعملاء التي تقودها المقاومة في قطاع غزة الأكثر خطورة على بنك معلوماتهم ومخططاتهم ضدّ الفلسطينيين، ما يعد إنجازاً كبيراً يُحسب للمقاومة الفلسطينية التي حقَّقت انتصارات كبيرة وما زالت. 

حرب الأدمغة والعقول ليست وليدة اللحظات. وما دام الاحتلال باقياً، فإنَّ صراع الأدمغة سيستمرّ، والمواجهة ستشتدّ، لكنَّها ستكون بداية النهاية لـ"إسرائيل"، فكم دولة كانت تتباهى بقوّتها وترسانتها العسكرية، لكنّها انهارت بفعل نقاط ضعفها الأمنية والضربات المركزة في هذا الاتجاه أمام استمرار تعاظم قوة المقاومة الفلسطينية يوماً بعد يوم، نتيجة الدعم الكبير والإسناد المتعدّد الأوجه من محور المقاومة!

يُسجّل للمقاومة الفلسطينية منذ زمن ليس بعيداً أنَّها باتت تشكّل تهديداً واضحاً لمستقبل "إسرائيل" واحتلالها، وتعدّ معركة "سيف القدس" خير دليل على ذلك، فهي مستمرة في تحقيق إنجازات أمنية إلى جانب الإنجازات العسكريّة التي شكَّلت تحولاً استراتيجياً نوعياً في طبيعة الصراع الدائر أكثر من أيِّ وقت مضى.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شرحبيل الغريب

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

إقرأ للكاتب

خلفية الشائعات المدسوسة حول صفقة تبادل الأسرى

تكرار الحديث عن قرب إنجاز الصفقة بين المقاومة الفلسطينية و"إسرائيل" يشوبه كثير من الشائعات التي...

استراتيجية إيران.. عوامل القوة بين الثابت والمتحرك

الموقف الإيراني ثابت لم يتغير، وهذا واضح في الخطاب الإيراني منذ أمد طويل، لكن الذي جرى هو وجود...

لماذا تعيد أميركا إنتاج "داعش" في أفغانستان؟

انفجار قندوز هو الأول الذي يستهدف مسجداً للطائفة الشيعية في أفغانستان، وهو طبعاً ليس حدثاً...

وفد "حماس" في القاهرة.. فرص وعراقيل

دعوة مصر لحركة "حماس" جاءت نتيجة توجّهات وتحركات أردنية ومصريّة بدأت منذ فترة بناءً على رغبة...

المغرب و"إسرائيل".. ما وراء صفقات التسليح

يلحق المغرب بالدول المطبّعة لتعزيز التعاون العسكري مع "إسرائيل"، فإنفاقه على التسلّح يتراوح بين...

دفاع إسرائيلي في السعودية.. على طريق الاندماج الكامل

بين طلب السعودية من "إسرائيل" شراءَ منظومة القبة الحديدية، واستجدائها الإدارة الأميركية من أجل...