الأقصى بعد رمضان.. القضم التدريجي الهادئ

يمكن للزيادة الكبيرة في حجم تدفق المعلومات عبر الشبكات الاجتماعية عرض الثوابت التي تضمن بناء عقولنا بمفاهيم صحيحة حول المسجد الأقصى وتدحض زيف رواية الاحتلال.

  • الأقصى بعد رمضان.. القضم التدريجي الهادئ
    الأقصى بعد رمضان.. القضم التدريجي الهادئ

"لم أنم طوال الليل. كنت خائفة من أن يدخل العرب إلى إسرائيل أفواجاً من كل مكان، ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي، علمت أن باستطاعتنا أن نفعل أي شيء نريده". بهذه الكلمات، استهلت غولدا مائير، رابع رئيسة للوزراء في حكومة الاحتلال، يومها التالي لإحراق المسجد الأقصى على يد أسترالي متصهين متطرف.

ربما مضت سنوات طويلة على هذا التصريح، لكن مفاعيل كلماتها: "نستطيع أن نفعل أي شيء"، ما زالت حاضرة يومياً في المسجد الأقصى؛ ثالث أقدس الأماكن الإسلامية على وجه الأرض، والذي يواجه مشروعاً استيطانياً إحلالياً دينياً يسعى بكل الفرص الممكنة لتهويده وتغيير هويته تدريجياً، في ظل تساوق غربي وعجز عربي رسمي.

اليوم، وقد انقضى شهر رمضان الفضيل، ووضعت "حرب المسجد الأقصى" أوزارها لدى الكثيرين للأسف، لا بد من مراجعة سريعة لمشهد الأقصى في رمضان وما بعده. وعلى الأغلب، فإن غالبيتنا يعتقد، مطمئناً، بأن مشهد الاحتكاك والمواجهة في رمضان بات متكرراً ومألوفاً لدى الطرفين. 

ومن موقع التراخي والاطمئنان "لحسم" هذه الجولة لمصلحتنا، نلقي بعد رمضان "عدتنا وعتادنا"، ومعهما شعورنا بالمسؤولية والدافع إلى الفعل تجاه أقدس مكان محتلٍ يخصنا على وجه الأرض، رغم المخاطر الماثلة للعيان المحدقة به، على عكس ما يفعل الطرف الآخر الذي يرى في الفترة التي تلي رمضان فرصة سانحةً للمضي في سياسة "القضم الهادئ" التدريجي للحقوق العربية الإسلامية في الأقصى، مستغلاً غفلة العرب والمسلمين وغياب الاهتمام والمتابعة على كل المستويات.

لم يعد الأقصى تحت الأضواء ولا في صلب الاهتمام، ولم تعد تصدح به حناجر المعتكفين والمرابطين، وعادت السياحة الدينية العربية والإسلامية إليه تحت حِراب الاحتلال، كما كانت قبل الشهر الفضيل، وهي الظروف المثالية المؤاتية تماماً لاستمرار الانقضاض عليه، كما تراها "إسرائيل" وتريدها".

إن قيام شرطة الاحتلال باقتحام مصلى باب الرحمة في المسجد الأقصى المبارك خلال أيام عيد الفطر، وتكسيرها بوابة الحماية الحديدية، وتخريب كامل شبكة الكهرباء في المصلى والمراوح والإنارة فيه، وقطع الصوت عن سماعاته، هو خير دليلٍ على تجديد مسعى الاحتلال للتقسيم المكاني عبر اقتطاع مصلى باب الرحمة ومحيطه في الجهة الشرقية للأقصى وتجدد محاولته فصل باب الرحمة عن باقي المسجد مستغلاً غفلة الناس في أيام العيد.

ومع أهمية "المواجهات" الجانبية الأخرى التي تتواصل وتتخذ أشكالاً مختلفة في مواقع مختلفة في المدينة المقدسة على امتداد العام، إلا أن المواجهة "الموسمية" في المسجد الأقصى في رمضان تظل لها أهميتها الخاصة بالنسبة إلى الطرفين.

بالنسبة إلينا، هي اختبارٌ لمدى مقدرتنا على تثبيت ما تبقى لنا من حقائق وحقوق في المسجد الأقصى أمام "الشهوة" الإسرائيلية المندفعة لحسم ساحة المواجهة فيه لمصلحتها. وليس الإسرائيلي ببعيدٍ عن هذا الاختبار، لكنه بخلافنا يملك رؤية وإستراتيجية لا تقف عند حدود شهر بعينه أو مواجهة بعينها، ولا يرى في الشهر الفضيل مع كل ما يعتري جبهات المواجهة وساحاتها من تصعيد وتوتر إلا فرصة مواتيةً لإشغالنا وإيهامنا بأن هذه هي المواجهة "الحصرية" الحاسمة، ففيها يقرر كل طرف حدود "التاريخ والجغرافيا" التي تخصه في هذا الحيز المقدس!

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، وربما من المناسب أن نذكّرَ الجميع بأن التقسيم الزماني لم يحدث في أوج مواجهة ساخنة في رمضان، وبأن مفتاح باب المغاربة لم يسلّم للاحتلال في رمضان، وأن انتشار شرطة الاحتلال على أبواب المسجد ونشر كاميرات المراقبة والتتبع للمصلين وأداء الصلوات التلمودية العلنية، وغيرها من إجراءات تكريس الواقع في المسجد الأقصى لمصلحة رواية الاحتلال، لم تحدث كلها في الشهر الفضيل، إنما فرِضت في ساعة غفلة منا في انسياب خبيث تدريجي من الغزاة في غير رمضان.

إن اختزال مواجهة مشروع التمدد التلمودي فيما يخص المسجد الأقصى في شهر رمضان، فيه انسياقٌ غبي إلى الرغبة الإسرائيلية التي تسعى لهندسة وعينا وتطويعه للإقرار بأن الأقصى يخصنا في رمضان فقط، وبأن الاعتكاف والمواجهة في رمضان حصراً "فَرضٌ" يسقِط كل "السنن والواجبات" فيما يخص الأقصى بقية العام. 

ومن يدري، لعلنا نكتشف حين نعود إلى الجولة المقبلة في رمضان المقبل أن معركتنا مع الاحتلال ستنحصر هذه المرة بالعشر الأواخر منه، وربما حين نعود مرة ثالثة بعد عام يليه، لن نجد سوى ليلة القدر لنخوض مواجهتنا معه حولها! إنّ هندسة الوعي وكيّه هما أهم ساحة تتحقق للاحتلال فيها نتائج ملموسة من دون خسائر تذكر. فقط صبرٌ وجَلَد وفعلٌ متدرّج بعيدٌ عن الصَخَب.

ولنلاحظ أنه مع "انكماش الوعي" تنكمش كذلك مساحة الجغرافيا الإسلامية التي تخصنا في المسجد وخارج جدرانه، وتنكمش المواقف، وتنكمش القَدَاسة. هذه هي "المعركة الحقيقية" التي يراهن الاحتلال على إدارتها معنا خارج سياق الشهر الفضيل.

لذلك، أمكن لنتنياهو أن يضبط الإيقاع مع حكومة "المجانين" التي يرأسها في رمضان، وعينه على وحدة المواقف والساحات، فيما عينه الأخرى، التي أمكن من خلالها إسكات جعجعة المستوطنين المتطرفين، على ما تبقى من شهور وأيام السنة لتحقيق أطماعهم!

هندسة الوعي ليست أمراً "لحظي الأثر"، بل هي سلسلة من الخطوات والإجراءات والمواقف التي تؤثر في سلوك الناس على مدى زمني ضمن خطة ممنهجة تنفذها أطرافٌ عدة للوصول إلى نتيجة متفق عليها مسبقاً من خلال قلب الحقائق وتشويهها لمصلحة روايتهم.

ومع أن بعضنا ربما ينظر إلى هذه القضايا بشيء من الاستهتار والسخرية، لكن المحتل يعرف خطورة هذه الادعاءات على حاضر المسجد الأقصى ومستقبله، إذ يمكن لتغيير المفاهيم أن يكون سبباً رئيسياً في تسهيل خطواته وتعجيلها لتحقيق مآربه التي تصبح بالنسبة إليه مع مرور الوقت حقائق وبراهين على "أحقية إسرائيل" في الأقصى.

وعلينا أن لا ننسى أن الاحتلال ينتهج مبدأ التحريض على الأقصى على مدار الساعة، من خلال ضخ كمٍ هائل من المواد الإعلامية الدعائية ونشر محتوى منظم ودقيق يتضمن أقوالاً ونصوصاً وصوراً ومقاطع فيديو، وهي كلها مواد ومفردات تسهم في هندسة وعينا وكيّه، لتجعل من "المسلم به أحقية اليهود" في المسجد الأقصى بما يكفل إعادة بناء صورته في وعينا "كمقدّسٍ مشترك"، على أمل أن تحين اللحظة التاريخية المؤاتية لتحويله إلى "يهوديٍ صرف". طبعاً، هذا الأمر يتزامن مع استمرار الاقتحامات وإجراءات "القضم الهادئ" بشكلٍ روتيني يومي.

المؤلم في هذا كله هو عدم فهمنا خطورة هذه التوجهات وزعمنا ببساطتها، فتمرر الرواية الإسرائيلية مع مرور الوقت بسبب استهتارنا منذ البداية في التصدي لهذا التزييف والتزوير لتاريخنا وتراثنا وحقوقنا.

صحيح أن محور المقاومة أثبت، ومعه الحاضنة الشعبية الصلبة من المرابطين والمعتكفين والمصلين، أن الأقصى هو قلعتنا وحصننا الحصين الذي يصعب تجاوزه، لكن "إسرائيل" أثبتت مقدرتها على إدارة صراعها معنا حول المسجد الأقصى بالآليات والضوابط السابقة نفسها، وهي تعج باليمين الفاشي الذي يرى ضرورة استثمار اللحظة التاريخة لقلب المشهد في مدينة القدس لمصلحة روايته "التلمودية المأفونة"، فهذه ليست جولته "الحاسمة" معنا في المسجد الأقصى، وهو يراهن على 11 شهراً مقبلة حتى الجولة المقبلة، وما دام الرماة المسلمون قد نزلوا عن الجبل، فما الّذي يمنع بن غفير وسموترتش ومن لف لفيفهما من إعادة الكَرّة؟

في الواقع، علينا أن نبدأ بإعداد إستراتيجية واضحة لمواجهة هذا المخطط، حتى لا نجد أنفسنا في لحظة ما خارج سياق الزمان والمكان. ولكي نبني هذه الإستراتيجية، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الفرضيات العامة التي سبقت الإشارة إليها لمنع كيّ وعينا وتعطيل فعلنا. يجب أولاً أن نستمر في "الضخ الإعلامي" العربي ومواصلة التحذير من أن "الأقصى في خطر" في شعبان وشوال وغيرهما، كما في رمضان، وذلك عبر تكثيف العمل في وسائل الإعلام ومواقع التواصل والشبكات الاجتماعية: فيسبوك، تويتر، تيك توك...

يمكن للزيادة الكبيرة في حجم تدفق المعلومات عبر الشبكات الاجتماعية تعريض الجمهور العربي والإسلامي الواسع للمفاهيم والمبادئ والثوابت التي تضمن بناء عقولنا بمفاهيم صحيحة تتوافق والمعطيات الخطرة المتسارعة التي تخص المسجد الأقصى وتدحض زيف رواية الاحتلال.

تحتاج هذه المواجهة إلى حالة الوعي الحقيقي وتأكيد الثوابت المتفق عليها فلسطينياً وعربياً، وتفعيل كل إمكانات وقوى الشعب الفلسطيني ومحيطه العربي والإسلامي وأحرار العالم، في محاولة لصد الهجمة المستعرة التي تستهدف المسجد الأقصى، ورأس حربتنا الذي يجب أن نستثمر فيه ونمكِّنَه في هذه المواجهة هو الحاضنة الشعبية من المصلين والمعتكفين، فهم درع الأقصى وحماته الفعليون الذين يجب أن نتمترس حولهم ليكونوا سَدّنا المنيع في الأقصى على امتداد العام، لا في رمضان فَحسب.