المطلوب للبنان ثقة الداخل لا الخارج

كيف لوزارة حيوية كوزارة الاقتصاد والتجارة، تمعن في ضرب العملة الوطنية التي هي عنوان من عناوين السيادة، حين تلجأ إلى عملية تسعير المواد الغذائية بعملة أجنبية هي الدولار الأميركي؟

  • المطلوب للبنان ثقة الداخل لا الخارج
    المطلوب للبنان ثقة الداخل لا الخارج

يشير مفهوم السيادة في القانون الدولي إلى ممارسة الدولة للسلطة. أما عناصرها فتتلخص في قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخلية، ووضع القوانين وتطبيقها، وحماية حقوق المواطنين كافة وإصدار العملة وفرض الضرائب...

أما القيود على سيادة الدولة فتقضي بعدم جواز التدخل في شؤون الدول الأخرى، بما يعني حرية الدولة في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتطويره، من دون أي تدخل من دول أو كيانات أخرى...

أما الثقة، فهي ببعدها الخارجي بين الدول، وفي بعدها الداخلي بين الدولة والمواطن، فترتكز على قدرة الدولة وسيادتها على مستوى السلطة وأدوارها تجاه الخارج والداخل قياساً على سيادة القانون وتوفير مناخات الحرية والتنمية وسائر الحقوق، وصولاً إلى اعتزاز المواطن بمواطنيته...

فأين لبنان من كل ذلك، وكيف يتعايش اللبنانيون مع واقعهم؟

يحار اللبناني من أين يبدأ، أمن السيادة أم من الثقة بلبنان خارجياً، ومن الداخل؟ فحين يشغر الموقع الأول في الدولة وتعجز السلطات عن انتخاب بديل، فأي قدرة للدولة على إدارة شؤونها؟ وحين تنتظر مكونات السلطات كلمة الخارج وقراره بتسمية هذا أو ذاك رئيساً للجمهورية، فما نوعية هذه السيادة؟ وأي ثقة ننشدها لنجاهر بها ونعتز بها دولياً وإقليمياً ومحلياً؟

أم حين يرسم لنا صندوق النقد الدولي شروطاً، ويتعاطى مسؤولوه مع مؤسسات الدولة ومسؤوليها بمنطق المتصرف أيام السلطنة العثمانية، والقنصل أو المفوّض السامي زمن الانتداب.. وحين تقدّم المؤسسات والجمعيات المانحة والمجتمع الدولي مساعدات للنازحين السوريين والجمعيات المحلية من خارج إطار الدولة، وخلافاً لأي أخلاقيات في التعاطي مع الدولة، فأي استباحة تلك؟

وحين تسمح القيادات العسكرية والأمنية لعناصرها بممارسة عمل موازٍ لتأمين مدخول إضافي يقيهم وعائلاتهم الجوع، فمن يضمن ثبات ولاء هؤلاء والتزامهم بقسَمِهم الوطني والمسلكي على أكمل وجه، أو قلّ في أفضل الأحوال من يضمن صون كرامتهم إذا كان نوع العمل وضيعاً، وهم المشبعون عنفواناً...

وحين تتجرأ مفوضية اللاجئين UNHCRعلى مخاطبة لبنان طالبة إعطاء إقامة وإجازة عمل لـ 16000 نازح سوري، هذا في شق سوق العمل، أما في التربية فتشترط المفوضية والجهات المانحة على وزارة التربية استيعاب عدد من الطلاب السوريين موازٍ لعدد الطلاب اللبنانيين في فترة التعليم الصباحي في المدارس الرسمية لمنحها المساعدة المالية؟ كما ومطالبتها بالسماح لمعلمين سوريين بالتدريس في المدارس اللبنانية، علماً أن التدريس المسائي في تلك المدارس مخصص للطلاب السوريين...

وكيف لهذه المفوضية أن تسمح لنفسها تزويد عدد كبير من النازحين ببطاقات "أمم" تتيح لهم التنقل بسهولة في مختلف المناطق اللبنانية خلافاً للقانون، في حين هي نفسها تحتاج إلى إذن من السلطات اللبنانية المختصة للدخول إلى لبنان.

وكيف لدولة ذات سيادة تستقبل على أراضيها قرابة مليوني ونصف المليون نازح، ولا تمتلك إحصاءً لهم أو قاعدة بيانات، فتضطر إلى الطلب من جهة خارجية تزويدها بها، والأخيرة ترفض وتراوغ...

وكيف تفهم السيادة عندما يستدعي قضاء أجنبي يحضر إلى قصر العدل اللبناني، وزيراً حالياً في الحكومة للاستماع إلى إفادته اليوم كشاهد، وغداً ربما لأمر آخر؟.

وماذا عن جولات بعض السفراء وصولاتهم في طول البلاد وعرضها، وفي مقدمهم سفيرة أميركا التي تخطط وتموّل وتنفذ وتشرف على مشاريع بقناع تنموي ولأغراض سياسية من دون اكتراث لأدوار الوزارات المعنية، في أكثر من منطقة ومع أكثر من جماعة... وماذا أيضاً عن حصون وقلاع تبنى كسفارة وكمهبط لطائرات تحلق وتحط حسب توقيتها هي وفي أي لحظة ومن دون أي إذن، وحتى من دون إخطار السلطات المختصة؟

وكيف لوزارة حيوية كوزارة الاقتصاد والتجارة، تمعن في ضرب العملة الوطنية التي هي عنوان من عناوين السيادة، حين تلجأ إلى عملية تسعير المواد الغذائية بعملة أجنبية هي الدولار الأميركي؟

وكيف لجيل شاب تغزوه وتغريه الـ NGO بفرص عمل بـ الفريش دولار مجهولة الأهداف ومشبوهة التوجه تطرح ثقافة غريبة، وتعمم مفاهيم بعناوين براقة لغايات فيها من الخبث والغموض ما فيها، يتزاحم على أبوابها شبان وشابات دفنوا أحلامهم بغية الكسب المؤقت لتجاوز المرحلة نحو المستقبل المجهول؟

وماذا عن مرشحين للرئاسة يقدمون ضمانات في لدول خارجية علّهم يظفرون بالثقة؟

وأي ثقة مطلوبة، أو يجري البحث عنها؟ أهي ثقة الخارج بلبنان، أم المطلوب ثقة الداخل بالداخل؟. فإذا كانت ثقة المواطن بدولته وبقيامها قد اندثرت عند طرق أبواب البحث عن رغيف، فماذا تنفع الثقة من كل الخارج حيث يلهث الطامحون لنيلها للفوز بحكم لبنان، أو بالأصح للحكم على أنقاض لبنان؟ فالمطلوب من الخارج أن ارفعوا أيديكم وعقوباتكم عن لبنان، والمطلوب من قوى الداخل القليل من حس المسؤولية والكثير من الكرامة الوطنية ليستعيد المواطن الثقة بالدولة المفقودة.