هل يستفيد لبنان من السّياسة الهجوميّة الصينيّة؟

على اللبنانيين التحلّي بالشجاعة، وعدم الاتكال على طرف واحد لمساعدة لبنان، بل تنويع خياراتهم، والاستفادة من أيِّ ظرف مؤاتٍ، سواء كان رغبة صينية في المساعدة، أو إحراجاً يعانيه ترامب في الداخل.

  • رُسمت خرائط طريق الحرير مراراً، وتنوَّعت وتبدَّلت بحسب المعايير الثلاثة الآنفة الذكر
    رُسمت خرائط طريق الحرير مراراً، وتنوَّعت وتبدَّلت بحسب المعايير الثلاثة الآنفة الذكر

في خطابه الأخير، دعا السيد حسن نصرالله اللبنانيين إلى مواجهة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على لبنان، عبر تنويع خياراتهم الاقتصادية، والتوجّه نحو كلّ الدول الصديقة التي يمكن أن تساعد البلاد، عبر اعتماد العملات المحلية أو خيار التبادلية وسواهما من الخيارات، كما دعا إلى التعاون مع الصين وإيران وغيرهما.

وعلى الرغم من ردّ السفارة الصينية الترحيبيّ عبر بيان رسمي، وإعلانها اهتمام الشركات الصينية ببحث "فرص التعاون في البنية التحتية والمجالات الأخرى في لبنان"، فإنَّ العديد من السياسيين والصحافيين اللبنانيين شكَّكوا في الموضوع، واعتبروا أنَّ الصين لن تدخل في اشتباك مع الولايات المتحدة من أجل لبنان، وهو ما تثبت الوقائع عدم صحّته.

في المبدأ، وقبل جائحة كورونا، كانت الصين تعتمد دائماً في سياساتها الخارجية على براغماتية شديدة مستمدَّة من وزير خارجية الصين الشيوعي الأول تشو إن لاي، الّذي دعا إلى تكوين أكبر عدد ممكن من الأصدقاء للبلاد وتجنّب صنع الأعداء.

وقد استُكملت هذه السياسة خلال عهد "الإصلاح"، أي فترة "دنغ شياو بينغ"، والتي تُختصر بعبارته: "تحفيز وقتنا ورعاية قوّتنا"، أي القيام بما يجعل الصين تحافظ على مكانة دولية منخفضة، من أجل التركيز على النمو الاقتصادي.

بالفعل، ومنذ أن أعلن الصينيون عن مبادرة طريق الحرير الجديد، اعتمدوا في مقارباتهم الاستثمارية الخارجية في البلدان الأخرى على معايير ثلاثة: دراسة الجدوى، والاستقرار الأمني، والاستقرار السياسي الذي يسمح باستثمارات طويلة الأجل، من دون أن يظهر معارضون سياسيون في الدولة، ويعيدوا النظر في الاتفاقيات الجارية.

وعلى هذا الأساس، رُسمت خرائط طريق الحرير مراراً، وتنوَّعت وتبدَّلت بحسب المعايير الثلاثة الآنفة الذكر. وبالفعل، حاول الصينيون تجنّب استفزاز الولايات المتحدة وتحدّيها بشكل صارخ، وحاذروا الدخول إلى الساحات التي اعتبروا أنَّ "الأميركيين مستعدون للقتال" فيها.

لكن، وبسبب أهمّية الصراع الدائر مع الولايات المتحدة وتأثيره في قدرة الصين على كسب الوقت لزيادة قوتها الاقتصادية، قامت الصين - في السنوات السابقة - بمساعدة الاقتصادين الروسي والإيراني. ففي العام 2014، وبعد إعلان الأميركيين والأوروبيين العقوبات على روسيا بسبب ضمّها القرم، أعلنت الصين عن استثمارات هائلة في قطاع النفط الروسي والبنى التحتية، تصل إلى مئات مليارات الدولارات. 

وفي العام 2019، وبعد أزمة كبرى عاناها الاقتصاد الإيرانيّ نتيجة العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد خروجه من الاتفاق النووي الإيراني، تمّ الإعلان عن أنَّ الصين تعتزم استثمار 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، وهي القطاعات الأكثر تضرّراً جراء العقوبات الأميركيّة.

ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرباً اقتصادية على الصين، وقيامه بتحميلها المسؤولية الكاملة عن انتشار فيروس كورونا، وحديثه عن فرض عقوبات بمثابة تعويضات، وانتشار مشاعر "الصينوفوبيا" في الولايات المتحدة، نتيجة التحريض والشعبوية... كان لا بدَّ للصينيين من الخروج من دائرة "الدبلوماسية المنخفضة" والهروب من المشاكل إلى المواجهة المباشرة.

وبذلك، بدأت الحروب الكلاميَّة والبيانات التصعيدية من الدبلوماسيين الصينيين، بعد تعليمات أصدرها الرئيس شي جين بينغ في مذكّرة إليهم، دعا فيها إلى إظهار المزيد من "الروح القتالية".

كما تخلّى الصينيون عن الصبر الَّذي استخدموه في التعامل مع الاحتجاجات في هونغ كونغ، فأعلنوا عن مشروع القانون الأمني الجديد الذي "يشمل إنشاء مكتب جديد للأمن القومي خاص بهونغ كونغ، لجمع معلومات المخابرات والتعامل مع الجرائم التي تمسّ الأمن القومي"، والذي أثار حفيظة كلٍّ من الولايات المتحدة والغرب.

وهكذا، فرضت الظروف الدولية المستجدّة على الصينيين تبديل الآليات التي يستخدمونها في سياساتهم الخارجية، وهي تنطلق من شعار الزعيم المؤسّس ماو تسي تونغ: "لن نهاجِم ما لم نهاجَم... لكن إذا تعرَّضنا لهجوم، فسنقوم بالتأكيد بهجوم ساحق".

وبناءً عليه، على اللبنانيين التحلّي بالشجاعة، وعدم الاتكال على طرف واحد لمساعدة لبنان، بل تنويع خياراتهم، والاستفادة من أيِّ ظرف مؤاتٍ، سواء كان رغبة صينية في المساعدة، أو إحراجاً يعانيه ترامب في الداخل، أو سواهما.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

إقرأ للكاتب

ضمّ الضفّة: كيف يطوّع الأوروبيون قوانينهم لصالح "إسرائيل"؟

بما أنّ الاتحاد الأوروبي ينطلق من المبادئ الدولية نفسها لتجريم ضم روسيا إلى القرم، فقد كان من...

سيناريوهات نجاح "استراتيجيَّة التجويع" في لبنان

لا يخفى على أيِّ مراقب أنَّ هناك من يدفع الأمور نحو التوتر، بهدف استدراج مشاكل أمنيّة داخليّة...

ضمّ الضفّة الغربيّة: أين أصوات مسيحيي المشرق؟

بات من المنطقي أن يهبّ المسيحيون - كتّاباً ومفكّرين وسياسيين - للدفاع عن فلسطين والقدس في مواجهة...

حركة السّود وفضائح التّاريخ المزيّف

أظهرت الحقائق أنَّ الرئيس الأميركي ويدرو ويلسون، ملهم المثالية الليبرالية في العالم، هو مجرد...

هل يستطيع ترامب النجاة؟

من المتوافق عليه في السياسة، أن من الأسهل على المعارضين اتهام السلطة بالتقصير وعدم فعل ما يلزم...

20 عاماً على التحرير: ربح ميدانيّ وخسارة سياسيّة

ما حققه اللبنانيون في الميدان العسكري من بناء قوة ردع جعلت لبنان في مصاف الدول القادرة، أضاعه...