أنقرة وبكين بين التهديد والاحتواء

ارتفعت أسهم الصين في لبنان بعد طرح شعار التوجه شرقاً، والذي يسمح بعودة طلبها لاستثمار مرفأ طرابلس كمركز للمبادلات التجارية في شرق البحر الأبيض المتوسط بعد أن رُفِض طلبها قبل عشر سنوات.

  • هل تستثمر الصين مرفأ طرابلس كمركز للمبادلات التجارية في شرق البحر الأبيض المتوسط
    هل تستثمر الصين مرفأ طرابلس كمركز للمبادلات التجارية في شرق البحر الأبيض المتوسط

ظهر نجم رئيس الوزراء التركي توركوت أوزال الذي قاد تركيا حتى لحظة وفاته، بعد ثلاث سنوات من الانقلاب العسكري الذي قاده كنعان إيڤرين عام 1980 وترؤسه لتركيا. وبالرغم من كونه شريكاً في حكم الانقلابيين الذين تحركوا بدفع من الولايات المتحدة، فإن التحولات التي شهدتها الدولة التركية في ما بعد تعود له بدايةً، فهو أول من طالب بإعادة النظر في الهوية التركية ومصالحها استناداً إلى المصالح القومية التي تمتد من البلقان وسط أوروبا إلى داخل الصين في مناطق الإيغور، مروراً بكل من أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان وأوزباكستان الناطقة باللغة التركية إضافة إلى طاجيكستان الناطقة بالفارسية.

ومع انهيار الاتحاد السوڤياتي عام 1990، واستئثار الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، كان لابد للقطبية الواحدة من الاستمرار والتوسع بتغليفه بصناعة عدوٍ مؤقت لا يمتلك أدوات التهديد من الناحية الفعلية ريثما تظهر التهديدات الحقيقية، ولَم يكن هناك خير من اختيار الإسلام الذي يمتد في قارة آسيا داخل الصين وروسيا، إضافة إلى وجود دول ذات أكثرية مسلمة على حدود الدولتين.

ظهر الإعلان عن تأسيس حزب العدالة والتنمية في شهر آب/أغسطس من عام 2001 بعد انشقاق رجب طيب إردوغان وعبد الله أوغلو عن أستاذهما نجم الدين أربكان، بمثابة تحول جديد للإسلام السياسي في تركيا الذي سعى من قبل لإعادتها إلى إطارها المشرقي الحيوي بالتصالح مع هويتها، ففُتحت الأبواب لوصول الحزب الجديد إلى سدة الحكم عبر الانتخابات البرلمانية ويُفرَج عن إردوغان ويخوض الانتخابات في المقعد الشاغر عن ماردين فيتبوأ بعدها رئاسة الحكومة التركية بدلاً عن عبد الله غول الذي تنحّى عنها لصالحه.

تدفقت رؤوس الأموال الغربية على تركيا على شكل استثمارات وصلت إلى حد تريليون دولار، ما أسهم في تعويم النموذج الإسلامي التركي الجديد على مستوى العالم الإسلامي، وتحولت تركيا تدريجياً إلى مثال للإسلاميين والمسلمين كبارقة أمل للتغيير في بلدانهم التي يعانون فيها من الحرمان السياسي والاقتصادي وعجز دولهم عن النهضة والتنمية، إضافة إلى الاستئثار بالحكم والثروة.

بدأت ملامح الدور التركي المطلوب بالظهور بعد أن حطت طائرة إردوغان _كرئيس للوزراء_ في واشنطن نهاية كانون الثاني/يناير عام 2005 برفقة وفد كبير مكوّن من 300 شخصية تركية من مختلف الفعاليات، وأطلعه الرئيس جورج بوش الابن في الزيارة على مشروع الشرق الأوسط الإسلامي الكبير الذي يتم العمل عليه، والممتد من جنوب شرق آسيا في إندونيسيا إلى المغرب العربي، مروراً بآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز، وتلعب فيه تركيا دوراً محورياً بتعميم نموذجها الديمقراطي والاقتصادي، وطُلب منه تهيئة خطباء المساجد وإرسالهم إلى الدول الإسلامية للترويج للتجربة الإسلامية التركية، وبطبيعة الحال من ينظر إلى خارطة التوزع الجغرافي لهذا المشروع سيدرك بأن هناك عدة أهداف تسعى إليها الإدارة الأميركية من خلاله، وتتجلى بتهديد الصين وروسيا من داخلهما من خلال الأقليات المسلمة والقومية التركية، وحرمان الصين فضاءها الآسيوي إذا فكرت في الخروج من عزلتها التاريخية، إضافة لحرمان روسيا التطلع جنوباً والوصول إلى المياه الدافئة، وعزل إيران المتمردة على نظام الهيمنة الغربية وحصارها من جهاتها الأربع بنماذج ليبرالية ذات بعد مذهبي واحد، والهدف الأخير حرمان الاتحاد الأوروبي التفكير في الوصول إلى أفريقيا التي ما زالت تعتمد على نهب ثرواتها في حياتها الاقتصادية.

لعبت خسارة الولايات المتحدة و"إسرائيل" في حرب تموز دوراً أساسياً في تغيير وجهة السياسة الأميركية، وعززت ذلك المقاومة في كل من العراق وأفغانستان، واستعصاء سوريا على الذهاب نحو تموضع جيوسياسي جديد في خدمة المشروع الغربي، فتحولت نحو إطلاق شرارة احتجاجات "الربيع العربي" من تونس عبر ليبيا ومصر وصولاً إلى سوريا، مستندةً إلى مطالب شعبية محقة، ومن ثم تحولت نحو التغيير الخشن بعد العجز عن إسقاط سوريا التي تلعب دوراً مفتاحياً بين القارات الثلاث بحكم موقعها الجيوسياسي.

أدركت بكين أن الاحتجاجات المطلبية تخفي خلفها دوراً أميركياً فاعلاً، وخاصةً بعد ظهور الدور التركي الواضح والصارخ في مصر وسوريا، ودعم تركيا للمجموعات المسلحة السورية، وتحولها إلى مركز رئيسي لاستقطاب الجهاديين وتدريبهم، خاصة من أقلية الإيغور المسلمة في إقليم سينكيانج الصيني، ومن أوزباكستان وتركمانستان وبقية دول آسيا الوسطى التركية، ومن القوقاز الروسي، ما دفع بها إلى حماية دمشق بمؤازرة موسكو في مجلس الأمن الدولي، ومنع إيجاد مبرر قانوني دولي لاجتياحها وإسقاطها.

عملت بكين على احتواء تركيا عبر الإغراءات الاقتصادية، والتي بدأت مع إعلان الرئيس الصيني لمشروع إحياء طريق الحرير القديم من كازاخستان عام 2012، وبموجب هذا المشروع فإن تركيا ستلعب دوراً محورياً بحكم موقعها الجيوسياسي، وفيه ستصل طرق النقل البري من شمال غرب إيران إلى جنوب شرقها ثم إلى أوروبا، وتُرفع بالتزامن المبادلات التجارية بين البلدين بالعملات المحلية لكليهما مع قروض صينية تُقدر بـ3،4 مليار دولار في عام 2018، والعمل على تنفيذ مشاريع في البنى التحتية العملاقة منها الجسر الثالث الواصل بين ضفتي البوسفور، إضافة إلى شراء بعض البنى التحتية الجاهزة حيث تم الحديث عن شراء الصين حصة كبيرة من ميناء كومبورت في إستانبول تُقدر بـ48%؜.

ما زال الرئيس التركي الذي أمسك بكل مفاصل تركيا يعمل على مشروع الشرق الأوسط الإسلامي الكبير بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية التي تستشعر مخاطر التهديد الصيني لها بشكل عميق، وتعمل جاهدة على منع بكين من التحرك والتمدد بالعودة إلى التفاهم مع تركيا وتوفير غطاء تمددها في ليبيا لتكون منصة انطلاق للتوغل في أفريقيا لمواجهة نفوذ الصين الذي عجزت عنه الولايات المتحدة، فكانت زيارة وزير خارجية تركيا تشاووش أوغلو للنيجر التي تقع إلى الجنوب من ليبيا في 24 تموز/ يوليو الفائت وتوقيع اتفاقية للتعاون العسكري والرياضي بين البلدين، وبما يعزّز ما قاله ليندسي غراهام المقرّب من الرئيس الأميركي ترامب في حزيران/ يونيو عن ضرورة التعاون الأميركي التركي في أفريقيا، لمواجهة النفوذ الصيني والروسي المتصاعد بعد الانكفاء الأميركي فيها  . 

تصاعدت التحركات التركية في طرابلس ــــ لبنان في الأشهر الأخيرة من خلال دعم الجماعات الإسلامية لاستهداف سوريا عبر تهديد حدودي وخزّان بشري لتلك الجماعات التي يمكن أن تعاود الانطلاق نحو الحدود، وتستهدف روسيا بإيجاد قاعدة للإسلاميين المعادين لها في مواجهة قاعدة حميميم، ولتهديد المقاومة التي تحولت إلى قوة إقليمية في محور طهران دمشق، وتستهدف أيضاً الصين التي ارتفعت أسهمها في لبنان بعد طرح شعار التوجه شرقاً، والذي يسمح بعودة طلب الصين لاستثمار مرفأ طرابلس كمركز للمبادلات التجارية في شرق البحر الأبيض المتوسط بعد أن رُفِض طلبها قبل عشر سنوات لتتحول نحو ميناء حيفا المهدد بالرفض الأميركي، وبشكل موازٍ تحركت تركيا في اليمن وبدأت بالتنسيق مع حركة الإخوان المسلمين فيه ونقلِ عدد من الجهاديين إليه، ما يتيح لها تهديد حركة النقل البحري بين الصين وأوروبا التي تمر من بحر العرب إلى البحر الأحمر ثم إلى أوروبا وأميركا، وتحركت التهديدات التركية نحو منطقة القوقاز بدعمها ومناوراتها وتسليحها لآذربيجان في مواجهة أرمينيا.

وترتبط أهم المخاطر التركية على الصين بأقلية الإيغور التي يقيم منها ما يقارب ثلاثمئة ألف في تركيا ولها علاقات مميزة مع النخب التركية، إضافة إلى المقاتلين الإيغور الموجودين داخل جيب جسر الشغور في شمال غرب إدلب على الحدود السورية التركية وبما يقارب خمسة آلاف مقاتل، ومن الممكن استخدامهم داخل الصين أو في استهداف الطرق البرية المارة في مجمل قارة آسيا، بالرغم من الأخبار التي تحدثت عنها الصحف الغربية حول الاتفاق الذي حصل بين بكين وأنقرة حول نقل عدد منهم إلى الصين، ومع ذلك فقد عوّدتنا سياسة الرئيس التركي النُّواسية على عدم تخلّيه عن أوراق القوة التي يمتلكها في سبيل حلم العثمانية الجديدة المسيطر على حركته السياسية الداخلية والخارجية.

فهل تستطيع الصين هزيمة المشروع الأميركي باحتواء تركيا كما تعمل روسيا وإيران على ذلك، أم تستطيع تركيا استثمار الدعم والانكفاء الأميركي في بناء إمبراطورية واسعة تهدد كل الصين وروسيا وإيران والاتحاد الأوروبي؟   

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أحمد الدرزي

كاتب سوري

إقرأ للكاتب

دمشق وأنقرة.. إشكاليَّة المواجهة وآفاق التّعاون

رغم الدور التدميري الَّذي أداه إردوغان في سوريا، وعودة ثقافة الكراهية على مستوى واسع بين...

هل تلتصق موسكو بدمشق؟

تعاطت موسكو مع الأزمة السوريّة منذ البداية باعتبارها مركزاً للصراع الدولي والإقليمي الَّذي...

اللجنة الدستورية السورية والصراع الدولي

تقاوم دمشق الضغوطات التي تمارس من الأصدقاء والأعداء وهي تعتبر أن أمامها مرحلتين صعبتين، الأولى...

موسكو وأنقرة والزواج المستحيل

ستأتي اللحظة التي تكتشف بها موسكو أن الزواج والشراكة مع أنقرة غير قابلين للتحقيق، رغم فترة طلب...

قرار الضمّ والانفجار الإقليميّ

كانت النقطة الفاصلة في التحول الكبير ما حصل بعد حرب تموز/يوليو 2006، التي كانت تعبّر بمحتواها عن...

حضرت طهران وموسكو.. فمتى ستأتي بكين؟

ولا خيار لبكين إلا أن تدافع عن نفسها في سوريا، من خلال الدعم الاقتصادي بالحد الأدنى، فهي بحاجة...