صواريخ غزة.. ما بين البرق وقوة الردع الإسرائيلية!

رغم كل التهديدات الإسرائيلية بردود غير مسبوقة تجاه غزة، والتي أكد عليها وزير الحرب الإسرائيلي بني غانتس، إلا أن ردة الفعل الإسرائيلية لم ترتق إلى مستوى التهديدات، بل كانت دون المعتاد في مثل هذه الأحداث.

  • اطلاق نار على غزة (صورة أرشيفية).
    اطلاق نار على غزة (صورة أرشيفية).

إطلاق رشقتين صاروخيتين من قطاع غزة تجاه "إسرائيل" في ظلّ تصريحاتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ إسرائيلية على مدار الأسبوعين الماضيين، هي إشارةٌ تحذّر من محاولة إطلاق صواريخ سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي في الذكرى الأولى لاستشهاد مسؤول المنطقة الشمالية في سرايا القدس الشهيد بهاء أبو العطا، الذي تم اغتياله مع زوجته في عملية قصفٍ لمنزله، التي على إثرها خاضت سرايا القدس معركة صيحة الفجر التي قُصفت بموجبها مدينة "تل أبيب".

رغم كل التهديدات الإسرائيلية بردود غير مسبوقة تجاه المقاومة في غزة، والتي أكد عليها وزير الحرب الإسرائيلي "بني غانتس" بنفسه، إلا أن ردة الفعل الإسرائيلية لا ترتقي إلى مستوى التهديدات، بل كانت دون المعتاد في مثل هذه الأحداث. 

يُعتبر تحليل السلوك الاعلامي الاسرائيلي من أفضل الأدوات لاستشراف السلوك السياسي والعسكري الإسرائيلي، بسبب ارتباط المؤسسة الإعلامية بالمؤسسة العسكرية سواء كان بشكل رسمي من خلال الرقابة العسكرية على كل ما يُنشر وله علاقة بالأمن القومي الإسرائيلي، أو بشكل غير رسمي من خلال العلاقات المهنية التي تربط المراسلين الصحافيين وخاصة العسكريين مع قادة المؤسسة العسكرية، التي تلعب دوراً مركزياً في الموافقة على تولّي المراسلين العسكريين هذه المَهمّة.

 من خلال متابعة التغطية الإعلامية الإسرائيلية على إطلاق الصواريخ من غزة تجاه  منطقة أسدود وعسقلان ومنطقة بالماخيم، هناك عدة ملاحظات:

أولا، خبر صواريخ غزة والقصف الإسرائيلي على القطاع كردة فعل عليها، لا يحظى بالعنوان الأول في الغالبية العظمى من المواقع الإعلامية الرئيسية في دولة الاحتلال، بل تم وضعه في العناوين الإخبارية البارزة ولكن الفرعية، بعكس المعتاد، حيث أن اطلاق رشقتين صواروخيتين من غزة على منطقة الوسط في "إسرائيل" التي تعتبر خارج نطاق غلاف غزة، والتي تعتبر من المديات الكبيرة، لا يُعتبر خبراً ثانوياً على الإطلاق.

ثانياً، المراسلون العسكريون في الإعلام الإسرائيلي غاضبون جداً من نوعية رد الجيش الإسرائيلي على إطلاق الصواريخ، ورغم التزامهم بسياسات الرقابة العسكرية في تقاريرهم الصحفية المنشورة في الوسائل الإعلامية العاملين بها، إلا أن اعتراضاتهم وانتقادهم على سياسة الجيش واضحةٌ بقوة على صفحاتهم على السوشيال ميديا، فمثلاً غرّد "غال بيرغر" المراسل العسكري لقناة "كان" الاسرائيلية على حسابه على موقع تويتر بالقول "لن أصدق أن البرق أطلق الصواريخ إلا إذا رأيت الرعد يزرع العبوات الناسفة على السلك الشائك مع غزة"، ولم تختفِ حالة التندّر من تغريدة "امير بوخبوط" المراسل العسكري لموقع "واللا العبري" عندما غرّد أن "احتواء، أحتوي" دلالة على سياسة الاحتواء والامتصاص الإسرائيلية على إطلاق الصواريخ.

هذه التغريدات جلبت الكثير من الردود الغاضبة والساخرة من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي الإسرائيلية ضد سياسة الجيش والمستوى السياسي تجاه غزة، هذه السياسة اتُهمت بتدمير قوة الردع الإسرائيلية تجاه غزة. 

ثالثاً، غياب  تصريحات من المؤسسة العسكرية ماعدا بيان الناطق باسم جيش الاحتلال والذي يُعتبر بياناً مقتضباً، وانتهى بغموض، كونه فتح المجال لتقييم الوضع الدائم من قبل الجيش.

 لكن من الجدير بالملاحظة أن هناك حالة من غيابٍ لتصريحات وزراء الحكومة الإسرائيلية وخاصة وزير الحرب "بني غانتس" الذي كان يهدد بردٍّ غير مسبوق ضد غزة في حالة إطلاق صواريخ منها تجاه كيان الاحتلال. 

 رابعاً، هناك تناقضٌ داخل التقارير الصحافية التي تم نشرها على المواقع الإعلامية الإسرائيلية، في صيغةٍ إعلامية شبه مشتركة، في دلالة على أن الرقابة العسكرية هي التي عممتها على الاعلام، ويكمن التناقض في أن جميع التقارير تشير إلى أن هناك تهديدات من قبل الجهاد الاسلامي لإطلاق صواريخ في ذكرى استشهاد القائد بهاء أبو العطا وأن الجيش الإسرائيلي يتوقّع ذلك ومستعد له منذ أيام، وفي الوقت ذاته التقارير تورد أن الجيش لا يعلم من يقف وراء إطلاق تلك الصواريخ رغم أن تلك الصواريخ لا تملكها إلا حركتي حماس والجهاد الاسلامي، مع الإشارة أن المؤسسة العسكرية لا تستبعد ان يكون إطلاق الصواريخ ناتج عن خلل فني بسبب "البرق".

 أعتقد أن السلوك الإعلامي المصاحب لعملية إطلاق الصواريخ غير معتاد ويشوبه الكثير من الغموض والتناقض، ونميل إلى أن هذا الأمر مقصود من قبل الجيش والمستوى السياسي دون القدرة على تحديد الهدف من وراء ذلك بالضبط، كون أن هناك عدة جبهات متوترة، فمن المحتمل أن الجيش الإسرائيلي يهيئ نفسه لعمل معيّن على إحدى تلك الجبهات مستغلاً الوقت المتبقي من ولاية الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، ولا يريد فتح جبهة جديدة في غزة في هذا التوقيت، ومن الممكن أن الاحتلال يخطط لعمل عسكري نوعيّ في غزة، الأمر الذي يتطلّب عنصر المباغتة.

في جميع الأحوال وعلى كافة الحسابات، إن ردة الفعل الإسرائيلية على إطلاق صواريخ من غزة تجاه منطقة وسط الكيان الاستراتيجية تنتهي بقصف مرصدين أو ثلاث للمقاومة من قبل دبابات وطائرات مروحية إسرائيلية، مؤشرٌ حقيقيٌ على تآكل قوة الردع الإسرائيلية أمام فصائل المقاومة على كافة الجبهات.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن لافي

كاتب فلسطيني مختص بالشأن الإسرائيلي

إقرأ للكاتب

"سيف القدس" وتداعي المشروع الصهيوني: القوة العسكرية

أثبتت معركة "سيف القدس" أنَّ "الجيش" الإسرائيلي لم يستطِع تحقيق النصر المأمول في خطّة "تنوفا" بل...

هبّة القدس وتوحيد الجبهة الفلسطينيَّة من جديد

يمكن أن يتحوّل التهديد الصهيوني للقدس إلى فرصة للانطلاق في طريق الوحدة بكل ما تحمله من إمكانية...

بين يوم القدس العالمي ويوم القدس العبري

يحمل شهر رمضان هذا العام في طياته مشهدين متعاكسين داخل مدينة القدس، يمثلان إرادتين متناقضتين...

صاروخ "ديمونا"... الجذور والدلالات

أدركت المؤسَّسة العسكرية الإسرائيلية أنَّ مسار المواجهة العسكرية المفتوحة مع محور المقاومة لن...

الانتخابات في القدس.. لحظة الحقيقة الفلسطينيّة

وضع الموقف الإسرائيلي الرافض لإجراء الانتخابات في مدينة القدس القوى الفلسطينية المشاركة في...

معركة مخيّم جنين.. المقاومة تجمعنا

مثّلت معركة مخيم جنين في العام 2002 أيقونة الوحدة الوطنية الفلسطينية، إذ استطاع المخيم البالغة...