فرنسا في غويانا.. صورتها في الماضي والحاضر

إنها غويانا، الجغرافيا التي تتكثف فيها الأمثلة الفرنسية من استثمار العبودية والجريمة والعنصرية، باعتبارها واحدة من مستعمرات ما وراء البحار.

  • كانت غويانا ببساطة مقبرة العبيد والسياسيين على حد سواء.
    كانت غويانا ببساطة مقبرة العبيد والسياسيين على حد سواء.

على الرغم من قلة الحديث عن الدور الفرنسي في أميركا اللاتينية، باعتبار أن الأخيرة منشغلة بشكل أساسي بتاريخ مواجهتها للاستعمارين الإسباني والبرتغالي، فإنَّ لفرنسا في أميركا اللاتينية زاوية جغرافية قديمة على حافة القارة، وهي المحطة الأولى لهبوط الاستعمار الأوروبي، مكثّفة في شخص كولومبوس. إنها غويانا، الجغرافيا التي تتكثف فيها الأمثلة الفرنسية من استثمار العبودية والجريمة والعنصرية، باعتبارها واحدة من مستعمرات ما وراء البحار.

منذ اللحظة الأولى لاكتشاف زاوية "العالم الجديد"، تناوبت فرنسا مع بريطانيا وألمانيا والبرتغال في السيطرة عليها، وترحيل المستوطنين الأوروبيين (الذين مات الكثير منهم بسبب عدم مواءمة المناخ والمرض لطبيعة أجسادهم)، ونقل العبيد للعمل في تقطيع الأخشاب وبناء المستوطنات (الذين ما زالت فرنسا تصف أحفادهم بالفارين من القمع والاستبداد، في محاولة لنسيان أصل الحكاية: سفن العبيد).

لم تكن غويانا وجهة العبيد فقط. فرنسا الملكية شحنت إليها كذلك نشطاء الثورة الفرنسية من رفاق روبسبيير، وأعدمتهم فيها. كانت غويانا ببساطة مقبرة العبيد والسياسيين على حد سواء.

ومع سقوط الملكية في فرنسا، لم تكفّ الجمهورية عن رحلاتها باتجاه غويانا، فأرسلت إليها عشرات الآلاف من المحكومين بالسرقة والجريمة، ليلاقوا هناك مصير العبيد في الموت السريع عبر الإعدام أو البطيء عبر العمل. 

في سياق مماثل، أصدر نابليون الثالث مرسوماً يلزم المحكومين بأقل من 8 سنوات بأن يمضوا فترة مماثلة في المستعمرات "كمواطنين"، ويلزم المحكومين أكثر من 8 سنوات بالالتزام بذلك مدى الحياة، ولذلك فوائد كانت الدولة الفرنسية تبحث عنها، كالتخلّص من مخاطر إقدام المحكومين على القيام بجرائم جديدة، ونقل هذه المخاطر إلى المجتمعات الاستيطانية المغلقة والسجون المظلمة المحصنة، وتزويد المستوطنات بالعمالة الرخيصة التي تستمرّ في عملها حتى بعد قضاء مدة محكوميتها، وتأسيس المجتمعات الاستيطانية المهجنة بين السكّان الأصليين الذين تتمّ إبادتهم ومجرمي الدولة الفرنسية. ومع ارتفاع نسب الوفيات بين السجناء والمستوطنين، كثّفت فرنسا إرسال شحناتها من المجرمين الفرنسيين لاحقاً إلى كاليدونيا، وركزت على إرسال الجزائريين إلى غويانا.

 في فيلم مدجّج بمشاهد اللكمات والقوة الفردية، عرضت شبكة "نتفلكس" في العام 2017 فيلم "بابييون" (الفراشة)، في محاكاة لقصة الفرنسي هنري شاريير، الناجي النادر من جزيرة الشيطان، والتزمت الشبكة بعنوان الفيلم مطابقاً لاسم رواية الرجل الخاصة عن أحداث السجن، "بابييون"، الفراشة التي وشمها على صدره، ربما في إشارة إلى مهارته الفردية في فعل السرقة، ليكون الفيلم بين جريمتي سرقة؛ واحدة تؤديها دولة بخشونة وأخرى يؤديها فرد بنعومة. حملت فرنسا هذا التاريخ من المقاصل والإعدامات والنفي وشحن المستوطنين إلى الجزائر وفيتنام وأفريقيا...

في تخطٍ للحقبة الاستعمارية المباشرة، لا يبدو أنَّ فرنسا غيّرت منطقها بقدر ما تغيّر العالم نفسه وتراجعت قوتها، ففرض عليها إعادة إنتاج شكل جديد في علاقاتها الدولية وخفض سقف طموحاتها، ولا سيما مع تمكّن أقطاب أخرى من إحكام السيطرة على النظام العالمي.

إنّ اليمين الفرنسي لا يتردّد في نشر صورة نائب من الأصول الأفريقية مقيّدة بالأغلال، في إشارة إلى انتمائها إلى طبقة "العبيد"، كما أنّ لغة الخطاب لدى الرئيس الفرنسي ماكرون ضد المهاجرين والأديان والأعراق الأخرى جزء من هذا الموروث الفرنسيّ الرسميّ.

بعد أن حازت فرنسا كأس العالم مرتين، طالتها الانتقادات الإعلامية القائلة إنها بعد أن قتلت ملايين البشر في بناء مستوطناتها، وقفت على أكتاف من يعانون بفعل سياستها العنصرية لحصاد المجد الكروي.  

فرنسا في ليبيا، أو فرنسا في لبنان، أو فرنسا في كأس العالم، لم تختلف كثيراً، ولكن العالم هو الذي تغيّر.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

إقرأ للكاتب

"محسن ممتاز".. الحنين إلى شخصيَّة الاختراق الاستخباراتيّ

ماذا لو قررت السينما العربية إنتاج عمل جديد عن رفعت الجمال أو جزء محدث من "رأفت الهجان"، هل توجد...

أنيس النقّاش.. الثّورة التي لن تهدأ

إنها الحرية والثورة المتجاوزة في مخيلته حدود المكان، فهي التي تهبّ من فلسطين، ومن لبنان، ومن...

الصين والحرب الباردة التي لا تفهمها الولايات المتحدة

تبدو معركة أميركا مع الصين أمراً بالغ التعقيد، فبكين مندمجة أساساً في النظام الاقتصادي العالمي،...

الديمقراطية وشركات التقنية.. صفعة أخيرة لـ"نهاية التاريخ"

ترى الدراسة التي شارك فيها فوكوياما أنَّ شركات التكنولوجيا لا تمتلك قوة اقتصادية استثنائية فقط،...

خطاب السيد حسن.. سطوة المعنى

كانت القطعة الأدبية التي ختم بها السيد نصر الله خطابه مشبعة بالمعنى، ولسان حاله يقول: ادرسونا...

الشهيد فخري زاده وحلّ الاغتيالات الذي لا ينفع

الإسرائيلي يعتبر أن عتبته العالية في المنطقة تنطلق من التفوّق العلمي، ويعتقد واهماً أن التخلّص...