حكومة بينيت.. سيناريوهات الصّمود والانهيار

ثمة تساؤلات تطرح عن مدى إمكانية استمرار هذه الحكومة أو صمودها، وهل يمكن أن تغيّر سياستها تجاه الملفّ الفلسطينيّ وملفّات أخرى.

  • عاجلاً أم آجلاً، ستذهب
    عاجلاً أم آجلاً، ستذهب "دولة" الاحتلال إلى انتخابات خامسة.

نجحت حكومة "التغيير" برئاسة نفتالي بينيت - يائير لبيد في تشكيل الائتلاف، بدعم من رئيس القائمة العربيّة الموحّدة منصور عباس. جاءت هذه الحكومة الجديدة وفق تشكيلة تتم لأول مرة في تاريخ "دولة" الاحتلال الإسرائيلي، إذ تشارك فيها، وهي التي أنهت حكم 12 عاماً متواصلة لنتنياهو، عدة أحزاب إسرائيلية: "هناك مستقبل" (وسط/ 17 مقعداً من أصل 120 في الكنيست)، و"يمينا" (يمين/ 7 مقاعد)، و"العمل" (يسار/ 7 مقاعد)، و"أمل جديد" (يمين/ 6 مقاعد)، و"أزرق - أبيض" (وسط/ 8 مقاعد)، و"ميرتس" (يسار/ 6 مقاعد)، والقائمة العربية الموحدة (4 مقاعد)، و"إسرائيل بيتنا" (يمين/ 7 مقاعد).

وفق معطيات تشكيل الحكومة الإسرائيلية، فإنها تعد غير متجانسة، وهي الأضعف في تاريخ الكيان الإسرائيلي، لما فيها من المتناقضات الكثيرة. وقد حقّقت بعض أهمّ أهدافها المتمثّلة بإطاحة نتنياهو، وإنهاء الهيمنة والتفرد اللذين تميزت بهما حقبته في الحكم، وتغوّله على الأحزاب الحريدية بشكل غير مسبوق، لكن ثمة تساؤلات تطرح عن مدى إمكانية استمرار هذه الحكومة أو صمودها، وهل يمكن أن تغيّر سياستها تجاه الملفّ الفلسطينيّ وملفّات أخرى!

أجزم بأنّ الرهان على أيّ تحول في مواقف الحكومة الإسرائيلية الجديدة تجاه حل القضية الفلسطينية هو رهان على سراب، وأن رحيل نتنياهو لن يغير في مسار السياسة الإسرائيلية شيئاً، فهذه الحكومة سمتها البارزة التطرف، وسيكون على رأس اهتماماتها الاستيطان وعمل كل ما يتطلب للحفاظ على أمن الإسرائيليين.

التساؤل المهمّ هنا: هل يمكن أن تمضي حكومة بينيت لبيد في ملفات أخرى؟ 

أتوقع أن تعمل وفق أولوياتها على معالجة القضايا الداخلية أولاً، وتحديداً ملفات الدين و"الدولة" ويهودية "الدولة". 

أما الملفات الخارجية والشائكة، فهي تتعلق بالقضية الفلسطينية، ولا سيما ملف تبادل الأسرى والملف السياسي، أو ما يسمى بإعادة إحياء مسار المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وقد بدأت إرهاصاته تتّضح أكثر، إذ كشفت القناة العبرية الــ"12" طلب إدارة بايدن من السلطة الفلسطينية تشكيل فريق تفاوض للتعامل مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة، بهدف تعزيز دور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وهو الأمر الّذي يتّفق مع ما نقله مسؤولون في حزب "يوجد مستقبل"، بأنَّ الحكومة الجديدة ستعمل على استئناف محادثات الوضع النهائي مع السلطة الفلسطينية بمجرد أداء اليمين. وقد جاء هذا التصريح في رسالةٍ نقلت إلى واشنطن.

هذا الأمر تؤكّده مصادر في الائتلاف الحكومي الجديد لصحيفة "إسرائيل اليوم"، بأنَّ مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية يخطّطون لاستئناف محادثات الوضع النهائي مع السلطة الفلسطينية، على أساس حلّ الدولتين، بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة، لكن تبقى كلّ هذه التحضيرات في إطار الرهانات والخيارات. 

أما على صعيد ملفّ صفقة تبادل الأسرى مع حركة "حماس"، وهو الموضوع الأهم، والذي راوغ فيه نتنياهو بما فيه الكفاية، فقد أعلن مؤخراً مسؤول في اللجنة الإسرائيلية لإجراء المفاوضات في شأن الأسرى، أن الخلافات الداخلية الإسرائيلية أسهمت إلى حد كبير في عرقلة تنفيذ صفقة تبادل للأسرى، والسؤال هنا: هل يمكن أن تنجح صفقة تبادل في عهد حكومة بينيت؟ 

أرى أنَّ هناك فرصة قائمة يمكن أن تنجح بها، في حال لاقت الحكومة الإسرائيلية ضغطاً أميركياً وإقليمياً، بهدف الاستمرار والبقاء من دون الوصول إلى لحظة الانهيار أو الفشل، وهو ما سيشجّعها على إنجاز وتنفيذ "صفقة تبادل" مع حركة "حماس"، تعزّز موقفها أمام نتنياهو، لكن ذلك يبقى في سياق سيناريوهات تثبيت أركان هذه الحكومة، بعدما بات واضحاً أنّ التخلّص من نتنياهو كان قراراً أميركياً، إذ شكَّلت سياساته عبئاً كبيراً في وجه إدارة بايدن الّتي رتّبت أولوياتها تجاه ملفّات مهمّة في المنطقة.

هذا الأمر لا يعني أنَّ حكومة بينيت لابيد ستكون حكومة حمامة سلام في المنطقة، رغم رهانات إدارة بايدن على أن تمضي في المسار السياسي الَّذي يقبل بحل الدولتين، مع التذكير بأنّ السمة الطاغية على هذه الحكومة هي التطرف والعنصرية ودعم الاستيطان والكراهية ضد الشعب الفلسطيني، كما كل الحكومات الإسرائيلية السابقة التي اكتوى الشعب الفلسطيني بنارها. والأهمّ من ذلك أنّه حتى لو نجحت إدارة بايدن في فتح مسار سياسيّ بين السلطة الفلسطينية وهذه الحكومة، فإنّ المفاوضات ستدور في حلقة مفرغة، من دون نتائج حقيقية على الأرض، ما يعني "سراباً جديداً". 

ثمة سيناريوهات محتملة أمام سلوك حكومة بينيت في المرحلة المقبلة. المنقذ الوحيد لاستمرار هذه الحكومة هو الضغط الدولي أو الأميركي، كما أسلفت، ليس إلا، لكن في كلا الاتجاهات، لن تصمد هذه الحكومة كثيراً؛ ففي حال سلكت مسار الحرب على الشعب الفلسطيني وممارسة الانتهاكات والقتل والتطرف، ستنسحب القائمة العربية الموحدة منها، وستكون معرضة للسقوط حينئذ.

وفي حال اختارت خيار السلام وحلّ الدولتين الذي تراهن عليه إدارة بايدن، ستعارض أحزاب اليمين الإسرائيلي المتطرف هذا التوجه. وحينئذ، ستكون معرضة للسقوط في أي لحظة، وبالتالي السمة البارزة لهذه الحكومة التي تجمع بين التناقضات هي سمة السقوط، وهي بذلك تعد حكومة شبيهة بالجسم المصاب بالشلل، وغير القادر على اتخاذ قرارات مصيرية حاسمة. 

مهما استمرّت هذه الحكومة، فإن عمرها قصير. وكيفما تقلَّبت الأمور، فلن يطول عمرها، نظراً إلى التباينات الأيديولوجية والسياسية فيها، ناهيك بالتوترات الشخصية البارزة بين أعضائها. 

عاجلاً أم آجلاً، ستذهب "دولة" الاحتلال إلى انتخابات خامسة، ولا أستبعد أن تطول كثيراً، وربما تحصل بعد أشهر قليلة، وستعود الأزمة السياسية الإسرائيلية إلى الواجهة من جديد، وستدخل "دولة" الاحتلال مجدداً في حالة اللااستقرار. وفي نظري، هذه هي الحالة الأنسب لهذه "الدولة" العنصرية، لأنها تعزز ضرب المناعة القومية لدى كيان الاحتلال، وتشكل عاملاً أساسياً في التهديد الوجودي للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شرحبيل الغريب

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

إقرأ للكاتب

"إسرائيل" في الاتحاد الأفريقي.. أخطر من خطوة بروتوكولية

يمثّل انضمام "إسرائيل" إلى الاتحاد الأفريقي مرحلة مُغايرة لسابقتها، عنوانها أن مطامعها لم تقتصر...

وهم التسوية.. خياران أمام السلطة الفلسطينية

علينا أن نقف أمام مجريات الواقع بكلّ حكمة وتجرد، وتسجيل إجابات شافية عن أسئلة ملحة باتت مشروعة.

تموز/يوليو 2006 و"سيف القدس" 2021.. النهايات المحتومة

بين نصر تموز/يوليو عام 2006 وما شهدته فلسطين مؤخراً في معركة "سيف القدس"، ثمة عوامل ومتغيِّرات...

دعم إدارة بايدن لمسار التّطبيع.. الرّسائل والأهداف

ثمة إرهاصات قويّة تدفع سيناريو بدء تخطيط المملكة العربية السعودية للانخراط في مسلسل التطبيع في...

انتخاب رئيسي فوز ساحق لمحور المقاومة

تمثّل نتيجة الانتخابات الرئاسية في إيران رسالة تحدٍّ لأميركا مفادها أن المشروع الإيراني بانتخاب...

"سيف القدس" وهستيريا التطبيع

ما تقوم به الإمارات ليسَ تطبيعاً عادياً وإنما هرولة غير مسبوقة نحو الاندماج الكامل في مشاريع...