كما على الأرض كذلك في الفضاء

كلما كان حزب الله وحلفاؤه يتقدَّمون على الأرض، كان الردّ يأتي من الفضاء الافتراضيّ.

  • في حماستها لتلقّي التمويل، ذهبت وسائل الإعلام، المموَّلة من
    في حماستها لتلقّي التمويل، ذهبت وسائل الإعلام، المموَّلة من "أميركا" وحلفائها، بعيداً جداً في استفزاز الرأي العام.

من مرحلة استحداث الخارجية الأميركية موقعَ "ناو ليبانون"، إلى استقطاب الإعلاميين، عبر استكتابهم لقاء مبالغ مالية خيالية، إلى مرحلة "ساتشي آند ساتشي" بملياراتها الأميركية العشرة، إلى مرحلة "اللوغو" الأحمر في تلفزيون المستقبل، باستقطابه كثيراً من العاملين في الإنتاج التلفزيوني، إلى المرحلة الحالية بما تتضمَّنه من تفريخ للمنصات الذكيّة، كلما كان حزب الله وحلفاؤه يتقدَّمون على الأرض، كان الردّ يأتي من الفضاء الافتراضيّ. 

حَشدُ الفاشلين المربَكين على الأرض، قابَلَتْه أوركسترا ذكية وسريعة وغنية ومتنوعة في الفضاء. واللافت، في هذا الجيش الفضائي الإلكتروني التلفزيوني الإذاعي، أنه لم يرتَح يوماً واحداً، طوال أكثر من 15 عاماً. كان أداؤه مذهلاً حقاً، ومؤثّراً في عقول الناس وقلوبهم وخيالهم. لم يكتفِ هذا الجيش الإلكتروني بتسويق طروحاته، وإنما نشط بحماسة أكبر في شيطنة خصومه، حتى كاد يصبح ذكر بعض الأسماء والمفردات والطروحات مدعاةً إلى السخرية والاستهزاء.

الماكينة الإعلامية لمن يمكن وصفهم اليوم ببقايا 14 آذار، هي جزء من ماكينة إعلامية خليجية، والتي هي، بدورها، جزء من ماكينة إعلامية تتبَع رسمياً "الخارجيةَ الأميركية". وهم جميعاً موصولون ببعضهم البعض، في التقنيات والأفكار والشكل والمضمون: صورة- شبه- استثنائية؛ استخدام واسع للبرامج الفكاهية والترفيهية، وحتى الفنية (إذا اعتبرنا بعض المغنّين فنانين فعلاً) في القصف السياسيّ المركَّز؛ لغة مشتركة تراكمية، هدفها حفر الأفكار في نخاع المتلقّي؛ مروحة واسعة جداً من البرامج من أجل محاصَرة المتلقّي من جميع الجهات. 

هكذا، كانت انتصارات الميدان، بكل ما تكلّفه من أرواح ثمينة، تتبدَّد (شكلياً) في الفضاء. فلا يكاد هذا الفريق يُهزَم في صندوق انتخابات، أو معركة حربية، من معارك الشام الكثيرة، حتى يردّ بإنتاج أغنية، أو تسريب فيديو، أو إنتاج حلقة هزلية، يُلْهي بها الرأي العامّ عن حقيقة ما حدث، ويمنح نفسه نصراً معنوياً تافهاً.

نجحت هذه الماكينة المحلية ـ الخليجية ـ الأميركية في إيهام جزء كبير من الرأي العام بأن "شلّة" من الفاسدين والسارقين، والذين لم يقدِّموا تصوراً، أقله لحلّ الأزمات البنيوية التقليدية، تريد بناء دولة، أو أن "شلة" المستزلَمين لكل "الخِيَم" المتعاقبة، تريد حرية وسيادة واستقلالاً، أو أن شَتّامين معدودين، يتظاهرون بضعَ ساعات عند "الرينغ"، يمكنهم إسقاط نظام صنعه أمراء الحرب من جماجم آلاف اللبنانيين. وذهبت هذه الماكينة في نجاحاتها إلى حدّ إيهام جزء كبير من الرأي العام، بأن داعش و"النصرة" ما هما إلاّ زبدةُ أحلام الليبراليين العرب، وما التكفير، فكرياً وسياسياً وثقافياً ودينياً، إلاّ وجهٌ من وجوه الديمقراطية وحقوق الإنسان. 

كما ذهبت هذه الماكينة، في الوقاحة والقوة، إلى حدّ إقناع عدد لا يستهان به من الناس، بأن البلاد نفسها، التي تقتل الناشطين السياسيين علانية، ولا تُجري أيَّ انتخابات، إنّما هي واحات ديمقراطية تموِّل المحاضرة في الدول الأخرى في الشفافية والمحاسَبة والحريات وحقوق الإنسان. لكنْ، راجعوا العبارات السابقة جيداً، لتتوقّفوا تحديداً عند "جزء كبير من الرأي العام"، لكن ليس كله، لأن التطورات الميدانية تجاوزت قدرات الفضاء على تغطية "السماوات بالقَبَوات"، بينما الهوة في الفضاء أخذت تَضِيق أكثر فأكثر. فهم كانوا وحدهم هناك بعضَ الوقت فقط. وهنا تحضُر ثلاثُ ملاحظات رئيسية: 

1. مع انتقال جزء مهمّ من الصراع على التأثير في رؤوس الناس وعواطفهم، إلى مواقع التواصل، وجد المناوئون للماكينة المحلية ـ الخليجية ـ الأميركية أن لديهم فرصة حقيقية، وشبه متساوية، في الوصول إلى الناس، من دون تكلفة تُذكَر. وإذا كان حضور بعض النجوم طغى على جميع الآخرين بدايةً، فإن تغريدات هؤلاء اليومية أدّت إلى فضح الفارغ والعنصري والذكوري والمسيَّس والمأسور بأحكامه المسبَّقة وسطهم، في ظلّ تمييز الجمهور، مع الوقت، بين مَن يعيش حياة حقيقية مثل حياتهم، ومن يحاضر بهم من عليائه، بين حفلة تسوُّق وأخرى. كما يزداد تمييز الناس يومياً بين من لا يملك شيئاً حقيقياً ليقوله، غير السخافات والشتائم، مع استعلاء مقرف وتكبُّر دائم وادِّعاء فهم، وبين مَن يحاور ويناقش بكل عقلانية وأخلاق. 

وإذا كانت حرب فلسطين الأخيرة ألحقت أول هزيمة، في الفضاء الإفتراضيّ، بمحور التَّبَعية، حين طغى بوضوح صوتُ المقاومة حتى اضْطُرت الأصوات الأخرى إلى الانكفاء بالكامل، فإنَّ التمعُّن قليلاً في المشهد الافتراضيّ، وخصوصاً عبر "تويتر" و"يوتيوب" و"كلابهاوس"، يؤكد أن عدد المتابعين والمتفاعلين مع الذين لا يتلقّون التعليمات والتمويل من أيّ من السفارات الأميركية أو الفرنسية أو البريطانية، أو من السفارات الخليجية، ينمو ويتضاعف، مع ميزة هائلة لأغلبية هؤلاء تكمن في عدم لطفهم وعدم تبجّحهم في أعداد متابعيهم، مقارنة بجنون العظمة الذي تعيشه كوكبة المنبهرين بأنفسهم، من شعراء خيمة السفارة السعودية.

ويكفي هنا القول إن أحدث إعلامية في قناة "المنار" مثلاً، لديها تفاعل مع تغريداتها يوازي ضعفَي ما تلقاه أيّ إعلامية في تلفزيون رجل الأعمال ميشال المر. وما على هواة التدقيق سوى المقارنة بين قناة الإعلامي ناصر قنديل (بعد كل الشيطنة الهائلة التي لحقت به) على يوتيوب، والتي لم تكلّفه ليرة واحدة، وبين قناة "صوت بيروت"، التي تجاوزت تكلفتها حتى الآن عشرين مليون دولار (من إستديوهات وبرامج ومقدّمين وضيوف)، سواء من حيث أعداد المنتسبين إلى القناتين، أو، وهذا هو الأهم، من حيث عدد المشاهدين والمتفاعلين... في وقت، تبدو تجربة جاد غصن "اليوتيوبية" في بداياتها واعدة جداً في كسر الارتباط الأزلي بين رأس المال والإعلام.

2.  في حماستها لتلقّي التمويل، ذهبت وسائل الإعلام، المموَّلة من "أميركا" وحلفائها، بعيداً جداً في استفزاز الرأي العام، حين انتقلت من مناصرة فريق ضد فريق، إلى الانخراط في حروب ضد الشعوب، لا يدفع ثمنها زعيمٌ أو فريق أو طائفة، وإنما لبنانُ كله. ونشطت هذه الماكينات لتقول لدول لعالم كله وشعوبه: إياكُم والاقتراب من هذا البلد، أو شراء فاكهته أو خُضراواته، أو استقبال أبنائه، أو توظيفهم، أو التفكير في الاستفادة من انهيار لبنان المالي للسياحة فيه، كما سبق وفعلتم في تركيا واليونان والأرجنتين. وهو ما خسَّر وسائلَ الإعلام هذه، بداية جمهور الأحزاب الأخرى، جرّاء الاستفزاز المتواصل لمشاعره وقيَمه وانتمائه، ثم خسَّرها الجمهور غير المسيَّس، والذي يريد بعض التوازن، لا إعلاماً حربياً ينشغل بنشر الكراهيّة، ويهلّل للتجويع والإذلال وتشويه كل شيء. 

ثمة رأي عامّ وازن يعرف مشكلات بلده جيداً، ويريد محاسبة وإصلاحاً وتغييراً. لكنْ، ليست هذه هي الصورة التي يريد أن تنقلها وكالات الأنباء العالمية عن بلده، فهو يريد تنظيف هذا الغسيل ونشره محلياً، لكنه لا يوافق على أن يصبح اسم بلده مرادفاً، في العالم، للنفايات والمجارير والمخدِّرات والإرهاب. 

وفي وقت كانت هذه التلفزيونات تخسر بالمفرّق والجملة، كان الإعلام الآخر يركز على مخاطبة جمهوره أولاً، لتقوية حُجّته السياسية وتعزيزها وتثبيتها، في وجه كل ما يحيط بهذا المُشاهد الحزبي من أكاذيب، مع العلم بأن كثيراً من هذا الإعلام الحزبي لا يريد ـ حتى اليوم ـ عن سابق تصور وتصميم، توسيع رقعة انتشاره خارج البيئة الحزبية. لكن هذا الأمر سيكون ممكناً في حال قرَّر ذلك، وأمّن بعض الإمكانات المالية.

3. التدقيق الجِديّ في بنية المؤثّرين في عالم التواصل الاجتماعي، يبيّن أن جزءاً أساسياً ومهمّاً فيها يمثّل إعلاميين ونُخَباً تقليدية نجحوا في مواكبة العصر الافتراضي. وإذا كانت هذه الماكينة المحلية ـ الخليجية ـ الأميركية استقطبت عدداً كبيراً ممن كان يعمل في هذا القطاع، عبر الأجور المرتفعة وإغراءات أخرى، فإن التدقيق يبيّن أنهم قادرون على شراء نُخَب، لكن ليس تصنيعَ نُخَب. وصُرفت مبالغ خيالية في لبنان على المطبوعات التي تُطلق على نفسها وصفَ صحف ومجلات، إلاّ أنها جميعها، على الرغم من كل قدراتها، عجزت عن مزاحمة صحيفة "الأخبار"، في تقرير إخباريّ واحد، من حيث المعلومات، لا التبصير والتنجيم، أو عبر بورتريه مميّز، من حيث الأسلوب الكتابي، أو من خلال صفحة اقتصاد أو مجتمع أو سينما، أو حتى رياضة. وهذا مذهل فعلاً في كشفه أن أساس التوظيف ليس الإبداع أو الأسلوب أو المضمون، وإنّما التَّرداد الببغائي لجملة الاتهامات، مع العلم بأننا نعيش اليوم موجة جديدة من استقطاب الإعلام، تلفزيونياً وإلكترونياً، بالمال طبعاً، وهذا دليل واضح على أن كل استثمارهم الإعلامي لم يؤدِّ غايته، وأنّهم في حاجة إلى شراء ما يمكن شراؤه من إعلام الآخر. 

واللافت جداً هنا، أن الصحافيّ يبقى صحافياً حتى تتمكَّن هذه الماكينة من شرائه، فيتحوّل إلى نجم لبضعة أسابيع أو شهور أو سنوات، ثم يصبح في نظر الرأي العام مجرّد رقم آخر، بحيث يرقد في هذه الماكينة مئات (لا عشرات) المثقفين المفترَضين والكُتّاب والصحافيين، الذين لم يعد تأثيرهم يتجاوز حدود قصورهم، بمجرد أن صار المال قضيتهم.

جمهور المقاومة السياسية، والمقاومة الاقتصادية، والمقاومة العسكرية، دائمُ التذمُّر من "الضعف الإعلامي"، وهو محق في كثير مما يقوله، إلاّ أن التدقيق يؤكد أن التقدُّم الذي حدث كبيرٌ ومهمٌّ، ويُبنى عليه. ففي الصوت والصورة والمضمون وعدد الناشطين وحجم التفاعل، ثمة تقدُّم، وثمة أساس صُلب يتطوَّر يوماً بعد يوم، ويزداد تأثيراً وانتشاراً وقوةً، مع العلم بأن المنطقة شهدت واحدة من أعتى العواصف الإعلامية (التكفيرية، سياسياً واقتصادياً ودينياً). وخلال العاصفة، لم يكن مطلوباً منطقياً، غير إغلاق النوافذ والأبواب، والمحافظة على مَن هم في داخل البيت. وهو ما تحقَّق فعلاً، بنسبة نجاح كبيرة. أمّا وقد انحسرت العاصفة، فإنه يمكن فتح بعض النوافذ والأبواب، لتحقيق تطلُّعات هذا الجمهور، عبر مخاطبة عدد أكبر من الناس.

الأكيد أن المعركة على الأرض حُسمت في جميع أنحاء المنطقة، ولن يكون الفضاء الافتراضيّ، عاجلاً أو آجلاً، إلا انعكاساً لما صنعه الميدان. كانت الرسالة الفلسطينية الأخيرة واضحة، وسيتوضَّح المشهد أكثر مستقبلاً: مَن يربح الفضاء لا يربح الأرض. أمّا من يربح الأرض، فيربح الفضاء أيضاً. الموظّف لا يمكن أن يصنع رأياً عاماً، أو يقوده، وحده المناضل والمؤمن بقضيته، يبتدع الأفكار للدفاع عنها وحمايتها، وينتصر معها في النهاية. 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
غسان سعود

كاتب سياسي لبناني

إقرأ للكاتب

هل يريد الخارج حكومة في لبنان اليوم؟

المعلومات الدبلوماسية والسياسية من مصادر موثوقة متعددة تؤكد أن الفرنسيّ يريد حكومة بأسرع وقت...

جولة مع "موظّف" في جمعيّات المجتمع المدني

قد يرسل الموظّف هذا المقال إلى الممول ليطالب بعلاوة، لكونه يتعرض للانتقاد بسبب عمله، وقد يقول...

وداعاً فرنسا.. المستقبل هو روسيا

يقارب الروسي الملف الاقتصادي اللبناني كجزء من المنطقة ليكون اقتصاداً حقيقياً، لا مجرد فقاعة أخرى...

عون – الحريري: 10 – صفر

في مقابل التنازلات العشرة التي قدّمها ميشال عون، لم تكفَّ ماكينة سعد الحريري لحظةً عن رشق بعبدا...

حلّ سحري من 5 كلمات لكلّ مشاكل طرابلس في لبنان

جرت العادة في السنوات القليلة الماضية أن يتساءل المراقبون عن كيفية تفشي كل هذا الفقر في المدينة،...

مَن يمكن أن يستثمر في مصفاتَي دير عمار والزهراني؟

الواضح، من المعلومات المتوافرة في الأروقة الرسمية، أن لا وجود لأيّ حركة جدية بعدُ في اتّجاه...