سيكولوجيا الدردشة الصوتية: لماذا نحبّ "ClubHouse"؟!

ماذا لو أخبرتكم بوجود رداء سحري يتيح لكم التواري عن الأنظار والتجول في أي مكان والتنصّت من دون أن يلحظ وجودكم أحد؟

  • بما أن النفس البشرية فضولية بطبيعتها، فمن السهل تكرار اختبار كلب
    بما أن النفس البشرية فضولية بطبيعتها، فمن السهل تكرار اختبار كلب "بافلوف" في كل مرة يصادفنا عنوان غرفة دردشة مثير

ماذا لو كان ارتداء الرداء السحري يسمح لكم بالهمس والتحدّث بحميمية مع الأشخاص الآخرين من دون أن يروكم أو يعرفوا عنكم إلا ما قررتم أن تبوحوا به؟ وماذا لو كان الرداء يوفّر لكم شعوراً بالأمان، نتيجة اختياركم التواجد في غرف مغلقة تسمعون فيها صدى أوهام ووساوس تحسبونها أفكاراً، ولكنها لا تمتّ إلى التفكير بصلة؟

هذا الرداء موجود بالفعل تحت أسماء تجارية عديدة، مثل "كلوب هاوس" (Clubhouse) و"سبايسز" (Spaces) و"ديسكورد" (Discord)، وغيرها من التطبيقات والمنصات المخصّصة للدردشة الصوتية، التي أراحتنا من إجهاد "زووم" واجتماعات الفيديو عن بُعد، كما أراحت أناملنا من الكتابة، ليصبح الصوت هو السلاح الجديد للتميز، وأي إغراء أشدّ من ذلك؟ 

وكما يحثّك "فيسبوك" يومياً على إخبارنا بما يجول في ذهنك "What’s in your mind?"، صار لديك منصّة تدعوك إلى إتحافنا بأفكارك النيّرة ونظرياتك العميقة، بعيداً من أي حسيب أو رقيب، وبغض النظر عن أية معايير أخلاقية أو علمية.

"الفرادة" أو "التفرّد" هي كلمة السرّ مرّة أخرى لاقتحام أيِّ نفس بشرية ودغدغة مشاعر أيّ مستخدم للإنترنت. يوفّر "كلوب هاوس" ومثيلاته مساحة لأيٍّ كان كي يتشبّع بما شاء من رنين عاطفيّ لأصوات من أنحاء شتّى، وإن كانت النتيجة الفعلية في معظم الأحيان صفرَ تأثير أو فائدة، ومنسوباً عالياً من الكراهية والعدوانية اللفظية عند اختلاف الآراء.

وخلف كلّ هذا المشهد، هناك خوارزميات رياضية مرة أخرى تقودنا إلى عالم نتشابه فيه بأفكارنا وسلوكياتنا وهوياتنا تحت مسمّى "المواطن العالمي" (Global citizen)، ماسخين كل تفرّد وتميّز، بدعوى التقدم التكنولوجي والانفتاح على العالم.

لا فرق في تطبيقات الدردشة الصوتية بين "انطوائي" "Introvert" و"انبساطي" (Extrovert)؛ فالجميع سواسية في غرف الصدى الطرشاء! وبما أن النفس البشرية فضولية بطبيعتها، فمن السهل تكرار اختبار كلب "بافلوف" في كل مرة يصادفنا عنوان غرفة دردشة مثير، فنسارع إلى الانضمام إليها والإدلاء بدلونا. المحفّز لسلوكنا هنا هو النتيجة المتوقعة من المشاركة، سواء كنا نتوقَّع تقديراً أو مديحاً أو اكتساب معجبين، ثم إن وجود هذا العدد من مديري الغرف (Moderators) يعطينا فعلاً شعوراً بالأهمية. الكلمة لنا الآن. لقد قرر ذلك مدير الحوار، بغض النظر عن مستوى معرفته وموضوعية أسئلته. لقد قرر شخص يمتلك سلطة الإدارة أنَّ الكلمة لنا وعلى الجميع الاستماع.

وبعد ذلك كلّه، يشبه "كلوب هاوس" آلات القمار في مداعبته غرائز المكافأة لدينا. من منا لا يسعد بربح أو مكسب في كل مرة يدخل فيها إلى التطبيق، فيُفاجأ بالمواضيع والشخصيات المشاركة والنتائج. أيّ إغراء أشدّ من مكافأة غير متوقّعة؟ إيلون ماسك بنفسه قد يكون حاضراً في إحدى الغرف!

وكي يكتمل سحر المشهد، فإنّك تستطيع أن تمارس فضولك بلا انقطاع، من دون أن تقلق بشأن ما ترتديه ومكان تواجدك. أعطِنا أذنين ولساناً فقط، ولا داعيَ لعقلك. نحن لا نحتاجه أبداً لإشباع حاجتك إلى التفرّد!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي شهاب

صانع محتوى، وله العديد من الأفلام الوثائقية، سفير منظمة Hostwriter في المشرق العربي

إقرأ للكاتب

هل تفسّر الفيزياء الكموميّة الوعي البشريّ؟

يُعد "الوعي" أبرز تحدٍ أمام العلم، لكون التوصل إلى فهم تركيبته وكيفية نشوئه لا يزالان أمراً...

التكنولوجيا تجعلنا أغبياء.. حقاً؟!

لا تعني الفرضية الجديدة إغفال مشاكل الإدمان على التكنولوجيا والاعتلال في الذاكرة القصيرة المدى...

السبيل إلى إنقاذ عقلك في أزمان التحوُّلات الكبرى.. والإعلام!

المشكلة تبدأ مع تسارع الأخبار وكثرتها، على نحو يضع الجسد أمام حالة إفراز مستمرّة لا نلتفت إليها...

ما تأثير "كوفيد 19" في سلوكياتنا؟

المؤكّد أن ما نشهده ليس مجرد مرض ينتهي مع العثور على لقاح له، نحن نقف أمام الباب الذي يقودنا إلى...

لمصلحة من تهديم سمعة الجامعة اللبنانية؟

هل من المصلحة والعقلانية تلطيخ سمعة الجامعة اللبنانية؟ أم أن الواجب دعمها والوقوف وراء أساتذتها...

أهمّ من كتاب بولتون: اختصاصيَّة نفسيَّة قريبة لترامب تكشف أسرار العائلة

يمثّل الكتاب ذروة نزاع قضائيّ قديم بين دونالد ترامب وأولاد شقيقه، بعدما استبعدهم ومنعهم من حقّهم...