إردوغان في قبرص... تأديبُ الولد العاصي

خلال سنة واحدة فقط، نفّذ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تهديده ووعيده لمصطفى اكينجي، ودخل قبرص من جديد، فاتحاً، معلناً الموت السياسي لخصمه الصغير ومعلناً معه موت فكرة توحيد الجزيرة القبرصية.

  • إردوغان في قبرص التركية (أ ف ب)
    إردوغان في قبرص التركية (أ ف ب)

تشرين الأول/ أكتوبر 2019، طفح الكيل! لم يعد إردوغان قادراً على تحمّل مصطفى اكينجي أكثر من ذلك. قال إردوغان إن الزعيم القبرصي التركي "تجاوز الحدود تماماً"، مضيفاً "في الوقت المناسب سنردّ عليه بالشكل الملائم".

كانت هذه الكلمات هي الردّ الإردوغاني المباشر على التصريحات التي أطلقها اكينجي بشأن العملية العسكرية التركية في شمال سوريا والتي أسمتها "نبع السلام". "هناك دمٌ يُراق، وليس ماءً" قال اكينجي، وأضاف داعياً الى الحوار والدبلوماسية: "الوقت قد حان لوضع حدّ للحروب التي تشهدها سوريا منذ نحو عشر سنوات".   

لم يكن إردوغان يتصور أنه يمكن أن تصل الجرأة برئيس الدويلة التركية في شمال قبرص، والتي تعتمد على أنقره في كل شيء، إلى حدّ التعبير العلني عن معارضةٍ صريحةٍ لسياسات تركيا في المنطقة. والواقع أن هذا الكلام لمصطفى اكينجي كان تتويجاً لسلسلةٍ طويلةٍ متدرّجةٍ من مواقف التمايز والاختلاف إلى حد التباعد عن تركيا على مدار خمسة عشر عاماً، اتخذها الزعيم الذي ينتمي إلى تيار يسار الوسط في شمال قبرص.

بدأ الأمر مع انزعاج الأوساط العلمانية في شمال قبرص من التوجّهات الدينية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ورغبته المتزايدة في فرض نموذجه على أتراك شمال قبرص وزيادة المظاهر الإسلامية لديهم كتعبيرٍ عن التمسك بالهوية التركية، مما دفعهم إلى المزيد من التباعد مع شركائهم الحتميين في الجزيرة، القبارصة اليونانيين.

كانت تركيا قد بدأت عام 2013 بإعادة بناء مسجد "هاله سلطان" التاريخي في لارنكا لتجعله رمزاً جديداً لقبرص الشمالية بمآذنه الشاهقة التي تصل إلـى 60 متراً وبنائه الضخم (تصل سعته إلى ثلاثة آلاف مصلٍّ بالداخل، فضلًا عن العدد الذي ستؤويه الباحة الخارجية). واستغرقت أعمال التشييد حوالى خمس سنوات بميزانية بلغت 30 مليون دولار دفعتها تركيا بالكامل. وبالقرب منه شُيّد "معهد الشريعة" الذي يتسع لقرابة 15 ألف طالب. كما أرسلت تركيا 400 شيخ مسلم إلى الشطر الشمالي من قبرص ليعملوا كأئمّة ودعاة في المجتمع التركي هناك (الذي تسوده، بشكل عام، نسخةً معتدلةً من الإسلام بدون مظاهر تديّن تُذكر). ولدى بدء عمليات الإنشاء في "هاله سلطان"، قال إردوغان بأنّ "قبرص الشمالية هي دولة تركية ومسلمة، يتعيّن علينا أن نشعر بالفخر حيال ذلك، مثلما يُظهر القبارصة اليونانيون تقديسهم للكنيسة، ينبغي علينا أيضاً أن ندافع عن هويتنا الثقافية ببناء المزيد من المساجد، ونزيدَ من جرعة التعليم الديني". 

إنّ الهدف النهائي لهذه السياسة التركية كان واضحاً أمام مصطفى اكينجي والتيار الذي يمثّله: تكريس الانفصال التام بين شطري قبرص بشكلٍ لا رجعة عنه. كان اكينجي وطوال تاريخه السياسي يؤمن ويدعو إلى ربط مصير القبارصة الأتراك بنظرائهم من القبارصة اليونانيين، عبر تقديم تنازلاتٍ متبادلةٍ لبناء قبرص الواحدة الحديثة التي ستكون جزءاً من أوروبا. لم يكن أكينجي في الواقع مناهضاً للقومية أو للدولة التركية، بل كان ينطلق من رؤيةٍ وطنيةٍ ترى بأن أفضل العلاقات بين أبناء الأصل واللّغة والدين الواحد، من أتراك تركيا وأتراك شمال قبرص، يمكن أن تنتج فقط عن حرية واستقلال كلا الكيانين عن بعضهما البعض، وليس عبر الهيمنة والسيطرة العسكرية والسياسية التي تمارسها تركيا، فيجعل من بلده مجرد كيانٍ تابعٍ لا يملك من أمره شيئا. وقد تطلّب الأمر الكثير الكثير من الشجاعة من جانب اكينجي لكي يعبّر عن نزعته الاستقلالية تجاه تركيا وإردوغان. شجاعةٌ تصل إلى حدّ الانتحار السياسي وهو ما حصل بالفعل أخيراً.

في انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2020 في شمال قبرص، دخلت تركيا الميدان بكل ثقلها خلف منافس اكينجي، المطيع لنظام إردوغان، ارسين تاتار. كانت المعركة محسومةً سلفاً إذ لن يتمكّن مرشحٌ مخالفٌ لإرادة أنقرة وسياستها من الفوز في جمهوريةٍ تعتمد في ميزانيتها ودفاعها وإدارة كل شؤونها على تركيا. ومع ذلك فإن اكينجي أبلى بلاءً حسناً في الانتخابات مما اقتضى التحضير لدورةٍ ثانيةٍ من التصويت. انتهت الانتخابات بفوز تاتار رجل إردوغان، بنسبة 51% متفوقاً على اكينجي الذي خاطب جمهوره بقوله "تعلمون ما حصل في هذه الانتخابات" ثم لاذ بالصمت.  

وهكذا فإن إردوغان، وخلال سنة واحدة فقط، نفّذ تهديده ووعيده لمصطفى اكينجي "سنردّ عليه في الوقت المناسب وبالشكل الملائم" كما قال في تشرين الأول/أكتوبر 2019. وهكذا، دخل إردوغان قبرص من جديد، فاتحاً، معلناً الموت السياسي لخصمه الصغير ومعلناً معه موت فكرة توحيد الجزيرة القبرصية. قال إردوغان "يوجد اليوم شعبان ودولتان منفصلتان في جزيرة قبرص، ويجب التفاوض على حلّ الدولتين على أساس المساواة في السيادة". 

والقولُ للسلطان يا اكينجي، وليس لك.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام عبد الكريم

كاتب وباحث من الأردن

إقرأ للكاتب

فوز كاستيو في البيرو: هزيمة جديدة لأميركا

إننا نشهد اليوم موجة صعود ثانية وقوية لقوى اليسار والاشتراكية في مختلف أنحاء أميركا الوسطى...

الانتخابات في نظام الجمهورية الإسلامية

شهدت إيران 12 انتخابات رئاسية منذ العام 1979، أسفرت عن 7 رؤساء جمهورية، و11 انتخابات لمجلس...

من أيار 2000 إلى أيار 2021: ذلّ "إسرائيل"

ها نحن في أيار/مايو 2021، نرى ذلّ "إسرائيل" يتكرّر أمام أعيننا. نجحت غزة المحاصرة والمعزولة في...

تطوّر مقولات المستسلمين العرب عن مقاومة العدو الإسرائيلي

التطوّر في خطاب المستسلمين العرب، من "الصواريخ العبثية"، إلى "استفزاز إسرائيل"، إلى "العدوان على...

خجلاً من تراثها الفاشيّ: "الكتائب" اللبنانية تغير اسمها!

بغضّ النظر عن الاسم، سواء كان "الفلانجة" أو "الكتائب" أو "الديمقراطي الاجتماعي"، فإن فاشية ذلك...

الحنين إلى الملَكيّات البائدة

حين قاد المرحوم جمال عبد الناصر بنجاح ثورة الضباط الأحرار في مصر في العام 1952، كان يُطلق في...