الحاج قاسم الذي عرفت..

بعد حرب الفرقان على غزة عام 2008 لم يشغل بال الشهيد سليماني سوى همّ واحد، كيف نرمّم ما تهدّم، ونبني ما دُمِّر من قدرات المقاومة، فالحرب سجال بينها وبين هذا العدو الذي لن يصمت عن هذا الإذلال.

  • بعد الحرب على غزة 2008 لم يشغله سوى ترميم ما تهدّم وبناء ما دُمِّر من قدرات المقاومة

نحن في محضر الشهادة والشهداء، وكل ما يُكتب في محضر هؤلاء العظماء لا يفي بقطرة دم من دمائهم التي سُفكت، أو شِلْوٍ من أشلائهم التي قُطِّعت، ولكن الوفاء لهذه الدماء هو الدافع إلى الكتابة، فهم – الشهداء - صانعو الأحداث، وهم من كُتب عن آثار أعمالهم وهم أحياء، ليتركوا لمن خلفهم بعد شهادتهم غصة في الحلق وألماً في الروح، لا يعوّضهما إلا الكتابة عنهم بعد شهادتهم، ليعرف الناس قدرهم وينزلوهم منازلهم وتكون سِيَرُهم منارة للمقاومين، بعد أن أذن لهم ربهم بالهدوء والخلود فاصطفاهم وآثرهم، وأنزلهم خير المنازل.

إنه العام 1998 بعد أن تسلّم الحاج قاسم قيادة قوات القدس من سلفه العميد وحيدي، فكانت الزيارة الأولى للتعرف إلى هذا القادم الجديد، مثقلين بكمّ من الأسئلة والتخيّلات لمعرفة أين تقع فلسطين في خريطة ذهن هذا القائد الجديد؛ فكان اللقاء في مكان أبعد ما يكون عن بهرجة القادة والمديرين.

مكتب صغير لا تعلوه الملفات والأوراق. في إشارة إلى هذا السمت المتواضع لرجل سيصبح مع قادم الأيام مالئ الدنيا وشاغلها. يأسرك بدماثة خلقه وانخفاض صوته إلى درجة أنك تريد أن تلصق أذنك بفمه لتسمع ما يقول، هذا الهدوء يصاحبه بال مشغول وفكر لا يتوقف عن التفكير في فلسطين، وكيف يمكن خدمتها ودعم أهلها.

هو قائد قوّة سُمِّيت على اسم عاصمة فلسطين، وفي ذلك عبرة ودلالة كبيرة ومختصرة، كان يكفينا مؤونة السؤال فيبادر بالقول: "هذه هي إيران وهذا هو الحرس وهذه هي قوات القدس، مائدة مفتوحة على مصراعيها، فخذوا منها ما تشاؤون ودعوا ما لا يناسبكم، سنقتسم اللقمة معكم ونطوّع كل قدراتنا لخدمتكم".

تمر السنون وها نحن في عام 2000. أخذتنا الطريق إليه مرة ثانية، طلباً للمشورة والرأي وما يصلح ــ وكله صالح ــ من تلك المائدة العامرة، فنجلس ويجلس، ويكرر ما قال، فما بدّل وما تحوّل، يردّد القول: "خذوا من المائدة أمامكم ما تريدون ولا تستأذنوا، ولكنه في هذه المرة، ومن فم لأذن وثالثهما عالم السر وما يخفى".

يمضي في حديثه مستذكراً رفاق دربه من الذين استشهدوا من قادة الحرس؛ الحاج همت، وبروجردي، وفلان وفلان، فيقول وبعين ملؤها الدموع: "هم ذهبوا وتركونا خلفهم، أنا أعيش في الوقت الضائع من الحياة، لذلك ليس هناك ما أخشاه أو أخشى عليه، ونسأل الله حسن الختام".

مع مرور الوقت، وبمواكبة المجاهدين في الحرس، وعلى رأسهم الشهيد سليماني، لإخوانهم المقاومين في فلسطين، تبدأ الخطط الدفاعية بالتبلور أكثر، ويشتد عضد المقاومة، وتصبح المقاومة فعلياً تهدّد الكيان الغاصب.

لم يبخل الشهيد سليماني بتقديم الفكرة والمشورة والتدريب والسلاح والمال. وضع كامل قدرات قواته بشرياً ومادياً، تحت تصرف فلسطين وأهلها، بل كانت في صدارة الأولويات.

مضت فلسطين ومضى شهيدها، ليكونا على موعد مع حرب الفرقان عام 2008. على عجل، يترك مقر قيادته في طهران ويرابط في دمشق، لتأمين مقومات صمود المقاومة في غزة، من لقاءات سياسية مكثفة، إلى اجتماعات تخصصية، ناظراً في الخرائط، ومسار الجبهات، مواكباً سير المقاومين، ومقدّماً كل الدعم لهم، ومهوِّناً من هَول خرق العدو لغزة ودخوله إلى بعض أرضها، ومؤكداً في الوقت نفسه أن المقاومة قادرة على تحويل تهديد العدو إلى فرصة.

حمل فلسطين معه في الأروقة السياسية الخاصة قائلاً لأحمد داود أوغلو، وهو في مقام المستشار للرئيس التركي رجب طيب إردوغان في ذلك الزمان: "أنتم وسوريا عليكم الجهد الدبلوماسي الناعم، واتركوا الجهد العسكري الخشن لنا، فنحن أقدر منكم عليه".

في نهاية المطاف، صمدت غزة وانتصرت المقاومة. نظرت إليه، وإذا بالفرحة تغمر وجهه، والابتسامة لا تفارق محيّاه. وبتواضع الكبار يُرجِع فضل الانتصار إلى فلسطين وأهلها، غاضّاً الطرف عما قدّمت بلاده وقدّمه هو.

لا يشغله سوى همّ واحد، كيف نرمّم ما تهدّم، ونبني ما دُمِّر من قدرات المقاومة، فالحرب سجال بينها وبين هذا العدو الذي لن يصمت عن هذا الإذلال.

يأتي عام 2009، نجتمع مجدداً معه ومع رفاقه من القادة الكبار. نتحاور ونتناقش ونقيّم التجربة. وفي ختام الحديث، يطلب توفير كل ما تحتاج إليه المقاومة، فلا محظور ولا ممنوع، وما لا يوجد في لبنان فليُجلب من إيران، وليُنقل إلى سوريا ومنها إلى السودان، ومن ثم يعرف طريقه إلى أيدي الشجعان في غزة هاشم، حيث ضنَّ القريب والبعيد عليها بما يحميها ويحمي أهلها.

عام 2011 تفترق الدروب وندخل زمن الفتنة في سوريا، فلكل رأيه ولكل تحليله، وما جمعه الميدان فرّقته السياسة، ولكنه، رحمه الله، بقي على عهده ووعده للقدس وفلسطين، فوسِع من خالفوه الرأي بحلمه وبصيرته، وكان يقول "إن فرّقتنا سوريا، ففلسطين تجمعنا، وإن اختلفنا على دمشق فمتفقون على القدس". شعاره في ذلك "دعوا الناس تذهب حيث تشاء وتجلس مع من تشاء، ففي النهاية سيعودون؛ وسيعودون وهم بالعلاقة معنا أكثر اقتناعاً منهم بها، مما كانوا عليه عندما ذهبوا". وصدق رحمه الله، فجاب الناس الأرض طولاً وعرضاً، فما وجدوا أجرأ ولا أشجع في الدعم وتحمّل المسؤولية منه رحمه الله.

استفقنا بالأمس على نبأ الشهادة التي تأخرت على هذا الرجل الرجل، والقائد القائد، فقد بحث عنها في كل مكان، وتواجه معها في أكثر من موقعة، ولكنها كانت تدّخره ليوم من أحبّ أيام الله إلى الله، يوم الجمعة، فضمّخها بدمائه الطاهرة، مصطحباً معه رفيق دربه المهندس، ليلتقيا بمن سبقهما من الشهداء؛ همت، وبروجردي، والسيد عباس، وعماد وذو الفقار... وكثير كثير لا نعلمهم الله يعلمهم، نحسبهم وحسيبهم الله.. ولا نامت أعين الجبناء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً