عن الذين جربوا الحصار: إنهم لا يصرخون بسهولة

في زمن كورونا، وبعد أن قرر الكائن غير المرئي وغير الحي أن يطفئ بنفسه زر العمليات الاقتصادية من حق جميع المشاركين في مشروع العولمة المعطل التساؤل: ماذا استفدنا منه في الأزمات؟

  • عن الذين جربوا الحصار: إنهم لا يصرخون بسهولة
    تعلَّم الإيرانيون من الحصار ضرورة العودة إلى الأصول للاستمرار في الحياة

في واحدة من أقسى جولات الليبرالية العالمية التي حاصرت كل أشكال الضمان الاجتماعي للبشر، وفي ظل واحدة من موجات الاحتجاج العنيفة التي عمّت المملكة المتحدة، فضّلت مارغريت تاتشر إدانة "كسل" الفرد بدلاً عن وحشية النظام، ورفعت حكومتها شعار "اركب دراجتك". 

لم يكن ذلك محاكاة لنموذج الدراجة النارية لتشي جيفارا، وإنما دراجة جديدة كانت تمثل انتصار الطرف الآخر آنذاك. إنها دراجة البحث عن فرصة عمل!

كان ذلك بمثابة الإعلان عن نهاية نموذج دولة الرعاية، وتحويلها إلى دولة محدودة المهمات في إطار الأمن وجني الضرائب، وانتصار "العالم المفتوح والمتنوع" الذي تديره الشركات، والذي أعلن بوضوح عن شروط الانضمام إليه وعقوبات الانفصال عنه.

 أما عن شروط الانضمام ومواصفاته، فأربعة منها كافية (وليس بالضرورة أن تجتمع دائماً)، الأول: تسليم البنية التحتية وإدارة الموارد الطبيعية واستخراج السلع الاستراتيجية للاستثمار الأجنبي. الثاني: الاستدانة لتأمين نفقات الاستهلاك الحكومي المتبقي، الثالث: تصدير القوى العاملة لجلب المزيد من الحوالات المالية والعملة الصعبة، والرابع: فرض التبادل التجاري بالدولار الأميركي.

إن الفارق في معامل الاستثمار الخارجي (FDI) بين السعودية وإيران كبير. ويعود السبب ببساطة إلى العضوية الكاملة للأولى، ورفض الثانية شروط العضوية – التي تمتلك أكثر من ضعف عدد السكان، ومستوى أعلى من الثروات الطبيعية (وهذه نتيجة طبيعية للتباين في تبني الشرط الأول).

وصل مجموع الديون في العالم - بحسب صندوق النقد الدولي - إلى 188 تريليون دولار، وهو ما يوصل معدل النسبة مع الناتج الإجمالي إلى 226%، الأمر الذي يعني أننا نكدح من أجل سداد دين ما، فائض ما، وقيمة ورقية معينة لحساب جهة واحدة. 

لقد انزاح الاقتصاد بشكل حاد لصالح قيم التبادل على حساب قيم الاستعمال. إننا باختصار لم نعد نعرف لماذا نعمل، ولصالح من، وماذا بالضبط (نتيحة طبيعية لتبني الشرط الثاني).

بحسب تقديرات الأمم المتحدة في تقريرها في العام 2019، فإن عدد الأشخاص الذين غادروا حدود بلادهمـ على دراجة تاتشر وصل إلى 273 مليون شخص. (نتيجة طبيعية لتبني الشرط الثالث).

ولكي تشتد قسوة العقوبات على "الخارجين عن النظام"، ثمة وحدة معيارية للتبادل التجاري في العالم. إنها الدولار، وهي ببساطة تمنع "الخارجين عن القانون" من شراء احتياجاتهم التي لا يتمكنون من تصنيعها، أو من شراء المواد الخام اللازمة لصناعاتهم، أو من تصدير بضائعهم، لأن تبادل كل ذلك، ببساطة، لا يتم إلا بعملة واحدة، وهي الدولار، ومن لا يصدّر سينتظر المساعدات المالية أو الموافقة على الديون للحصول على العملة الصعبة. (نتيجة طبيعية للشرط الرابع).

لم يكن أحد ليصدّق أن هذه الدورة قد تتوقف للحظة (الاستثمار، الاستدانة والاستيراد والإنفاق، التغريب المتطرف للقوى العاملة والحوالات والاستهلاك والعودة إلى الوطن في الشيخوخة، وسلطة الدولار). هي بمثابة دوران الأرض حول الشمس؛ قانون الناموس الذي لا يمكن خرقه، ولا يسمح له بالاستراحة ولو للحظة. 

ورغم ذلك، نمت احتجاجات في أماكن عدة لإعاقتها، أو على الأقل لرفض هيمنتها المطلقة، ابتداءً من مغامرة أفراد في خيال سينمائي (fight club, la casa de papel وغيرها)، وعلى هيئة أدبيات ثقافية (ما بعد الحداثة ومدرسة فرانكفورت)، وعلى هيئة أمم وشعوب (إيران وكوريا الشمالية وسوريا وقطاع غزة وفنزويلا وجنوب لبنان). وقد جربت تلكم النماذج معنى الخروج من النظام، جزئياً أو كلياً، وتجريب عقوباته المتمثلة، قبل كل شيء، بالحصار.

تعتبر إيران من أقل دول العالم استخداماً للقوى العاملة الأجنبية مقارنة بحجم اقتصادها، كما أن قطاعاتها الحيوية في الطاقة والبنية التحتية لا تخضع لسيطرة الشركات العالمية.

 إن دين حكومةٍ (الذي في أغلبه داخلي) لم يتجاوز في أعلى قفزاته حاجز 35% من الناتج المحلي الإجمالي، لا يثير دافعية كافية للخوف. ولذلك، كان الحصار هو النتيجة الطبيعية للحالة الإيرانية. 

هذا الحصار الذي بدأ منذ الأيام الأولى لانتصار الثورة، علَّم الإيرانيين ضرورة العودة إلى الأصول للاستمرار في الحياة. لقد كانت معادلة الحصار بسيطة. الإيرانيون محرومون من الاستفادة من الكثير من منجزات البشرية إلى حين تبني الشروط الأربعة للعضوية. 

ففي الوقت الذي فكّر الجيش والحرس الثوري الإيراني في كيفية صناعة الهاون، كان الآخرون مرتاحين تماماً لاستيراده بأسعار منافسة. وفي الوقت الذي وضع الإيرانيون خطة استمرت أكثر من 8 سنوات لتخصيب اليورانيوم، في ظل امتناع العالم عن تزويدهم بوقود المحطات النووية، كانت بقية الدول تستورد طاقتها عبر أنابيب الغاز وبواخر النفط وتقنيات الكهرباء. 

 في زمن كورونا، وبعد أن قرر الكائن غير المرئي وغير الحي أن يطفئ بنفسه زر العمليات الاقتصادية (ما يجري ليس انقلاباً على العولمة، وإنما استراحة لها قبل ظهورها بثوبها الجديد)، من حق جميع المشاركين في مشروع العولمة المعطل التساؤل: ماذا استفدنا منه في الأزمات؟ وما الذي كان يجري بالضبط أثناء حركته المجنونة هذه؟ وماذا كانت تعني نسب النمو على صفحات تقرير المؤسسات المالية؛ تلك التي ساهمت الشركات العالمية في تشكيل أرقامها؟ 

اليوم، تتساءل الدول الأعضاء في تبني الشروط حول إمكانياتها في تشغيل منشآتها الحيوية من دون المساعدة الخارجية، وتتساءل عن القوى العاملة المدربة المحلية، وعن إمكانية سداد ديونها في ظل ركود اقتصادي عالمي، وإمكانية استيراد السلاح في ظل العجز عن تصنيعه، وإمكانية استيراد الدواء في ظل العجز عن إنتاجه، وإمكانية الزراعة من دون استيراد البذور. 

بسبب هذه الأسئلة بالذات، تمنى طيف واسع فشل الاتفاق النووي الإيراني، إذ رأوا إيران المحاصرة أقوى بكثير من إيران المنفتحة على النظام العالمي القائم!

اليوم، وبعد قرصنة الكمامات باتجاه الولايات المتحدة، وحرق إيطاليا علم الاتحاد الأوروبي، وتصريحات رئيس الوزراء الصربي الحادة ضد الاتحاد، وإصرار الغرب على استمرار العقوبات على إيران، واستمرار الحصار على غزة، يكتشف العالم أنه عاش السنوات الماضية بلا راعٍ حقيقي. وما كان يحدث هو اقتصاد للمافيا بحث عن عنوان دولي يغطيه، وكانت الشروط الأربعة أهم بنود ذلك العنوان.

 واليوم، تندم الأطراف التي قبلت بتبني كل شرط من الشروط الأربعة، فهي اليوم بأمس الحاجة إلى قواها العاملة المدربة، وبأمس الحاجة إلى كيفية الاستفادة من مواردها، وإلى العلم الذي يطوّر صناعاتها الداخلية، بدلاً من الاعتماد الكامل على استيرادها المعلّب لكل شيء. 

إن الأطراف التي جربت حصار الاقتصاد، عندما اعتقد الجميع أنه دورة لن يتمكن أحد من العثور على زر توقيفها، هي الأطراف نفسها التي لا تصرخ عندما حاصرها الوباء وأوقف الحركة فيها.

لقد ولّدت المقاومة أجساماً مضادة أعانت أهلها على الحصار. إنها ذاتها التي تعينهم اليوم على جائحة الفيروس. ليس ذلك فذلكة للربط بين البيولوجيا والسياسة، ولكن أبقوا العيون مفتوحة على إيران وغزة وسوريا وجنوب لبنان. لقد اعتادوا على مواجهة إجرام العولمة. إنهم لا يصرخون بسهولة!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

إقرأ للكاتب

الشهيد فخري زاده وحلّ الاغتيالات الذي لا ينفع

الإسرائيلي يعتبر أن عتبته العالية في المنطقة تنطلق من التفوّق العلمي، ويعتقد واهماً أن التخلّص...

دييغو.. صديق المعنى والجنوب والموت

هل أبصر مارادونا في كلّ كأس يرفعه انتصاراً طبقياً، كما في كل جولة ناجحة لكاسترو في صدّ حصار...

وليد المعلّم.. صياغة الخطاب الهادئ

الصورة الفريدة التي قدَّمها المعلّم تكثّفت في الخطاب الذي لم يكن شعبوياً، ولم يكن غرائزياً،...

التحوّل الصّينيّ وتحوّل العالم

يمكن القول إنَّ برنامج التحديثات الأربعة المطروح في العام 1978م، زرع الأعمدة الأربعة الأهم في...

أمن الخليج.. نظام ما بعد الأسرلة

يقف أمن الخليج اليوم أمام مرحلة رابعة هي الإعلان الرسمي عن مشروع الأسرلة، والحماس الخليجيّ...

من يخشى نهاية البنوك؟

تجد البنوك نفسها في مواجهة طموحات شاب مثل مارك زوكربيرغ في رؤية فايسبوك يوماً بمثابة بنك مركزي...

إقرأ أيضاً