إقليم الموصل.. تركيا أو الحبيب الأول

تراجع العراقيون خطوة جديدة، وأعطوا للأتراك هدية لم تحلم بها أنقرة، من باب دبلوماسية أو من غيره، وأحرجوا الروس من حيث يعلمون ويعلمون، ذلك أن العراقيين يعتقدون أن السياسة عقد وفق شروط، ولم يتعلموا من الدرس الأول.

ماذا بعد تواجد القوات التركية في العراق؟
تقدم بغداد أوراقاً تثبت برائتها مما تعتقده تهمة، كان آخرها، إنه ما من اتفاقية أمنية تجمع بغداد بأنقرة، سوى محضر جلسة اتفاق أمني، الغي في العام 2009 بعدما وقعه طارق عزيز وزير الخارجية العراقي الأسبق في العام 1983، لذا فإن التدخل التركي بعمق 110 كيلومترات إلى الأرض العراقية، انتهاك.

تعاود بغداد وتكرر ما تريده لأن يكون وضع علاقاتها مع أنقرة، ومررت موقفها في أكثر من مناسبة، في إطار أن الأمور ستعود لمجاريها بمجرد الانسحاب التركي من العراق، لا عقوبات اقتصادية يتخوف منها التركي، ولا إغلاق الممثلية التجارية العراقية سيكون طويل الأمد، ولا مشاغبة رسمية متوقعة، ولا نريد إلا الانسحاب بهدوء كما دخلتموها أول مرة.

بغداد عاجزة حتى الآن عن الحسم وغلق الملف، وخطواتها بردت، ومجلس الأمن لم يحدد لها موعداً لمناقشة شكواها، فاضحت تنتظر موقفا امميا الزمت نفسها به، وأوصدت الباب بوجه خطواتها، في وقت كان لها أن تبادر لغير المتوقع، على اعتبار أنه فعل الاعتداء وقع، والفاعل معروف، وهي الضحية، في غضون ذلك لم يحرك الأتراك ساكناً، وواضح أن فرائصهم لم ترتعد، لتبدأ علامات استفهام تتراصف، ثمة رائحة تشي بفعل أمام الكواليس هذه المرة ونحن خلفها.

أما في شمال العراق الغربي، فلا تزال الخارطة سياسياً وميدانياً في المنطقة الرمادية، تركيا لا تريد الانسحاب من العراق قبل أن تشارك فيما اصطلح عليه "بالطبخة السياسية العراقية وبدور حماية سنة بلاد الرافدين"، أو الذهاب إلى أبعد من مديات تغيير الشخوص الممثلين لابراز ائتلاف عربي سني يراد له أن يكون ممثلاً وحيداً للعرب السنة العراقيين، هذا في السياسة، وفي الاقتصاد، فثمة حقل يتجشأ لغاز الطبيعي في عكاس غرب الأنبار، والطريق إليه ليس سهلاً أو بلا ثمن.

سيناريوهان يشغلان بال تركيا في العراق بحجم انشغالها بتبعات تقلص دورها في سوريا، وتريد لأحدهما أن يوصلها إلى نتيجة واحدة تدور في فلك الإقليم:

الأول التدخل العسكري في الموصل وكيف سينتهي؟، والى ما سيستمر التغاضي الأميركي، وضعف الإرادة العراقية، والنفاق الغربي؟، والثاني حراك سياسي في الداخل العراقي يناغم الموقف التركي ويريد له أن يكون فاعلاً، على أمل موعد، زمانه بعد تحرير الموصل، ومكانه إقليم إن لم يكن رسمياً أو تحت يافطة الأمر الواقع، فإنه كيان إداري بأظافر تنهش المركز والحكومة الاتحادية، ولتكن البداية من نينوى.

بين هذا وذاك، تراجع العراقيون خطوة جديدة، وأعطوا للأتراك هدية لم تحلم بها أنقرة، من باب دبلوماسية أو من غيره، وأحرجوا الروس من حيث يعلمون ويعلمون، ذلك أن العراقيين يعتقدون أن السياسة عقد وفق شروط، ولم يتعلموا من الدرس الأول، عندما وثِقوا بكلمة من الوفد التركي باتفاق مبدئي على سحب القوات التركية، فكانت الهدية أن أطلق ممثل العراق في الأمم المتحدة تصريحاً جديداً في غير محله من أي زاوية نظرت إليه، لم ننسق مع الروس ولم نخولهم الحديث في مجلس الأمن عن أزمتنا مع تركيا.

كل التطورات السابقة يزامنها تطور حول نية أميركية لتسليح العشائر السنية غرب العراق، فكانت الرسالة الأميركية الثانية بوجود حراك لا تعلمه بغداد، بعد الانتشار العسكري بحجة التدريب في الحبانية وعين الأسد واليعربية وبلد، وهلم جراً في انتشار غير متوقع على التراب العراقي.

الورقة الأبرز الآن، والتي لم تكن متوقعة، دعوات من داخل البيت الكردي، باعتبار حزب العمال الكردستاني أحد الفصائل التي شاركت العراقيين في حربهم داعش، وساهمت في مواجهته في العراق، ورقة جديدة، أحرجت رئاسة إقليم كردستان، فيما اعتبر طعنة غير متوقعة لحلفاء انقرة في بغداد الذين ذكّروا أن البككة مصنف على أنه ارهابي، وأنه ينفذ اعتداءات في تركيا انطلاقاً من الأرض العراقية، وهكذا شاء التنسيق وليس الصدف، أن يكون لتركيا من يحمي ظهرها في تحركها.

كيفما انتهت الأزمة، لا يمكن لفصيل أو حزب أو فعالية سياسية، استثمرت ودافعت عن الوجود العسكري التركي أن تمثل طائفة أو إثنية في العراق بشكل مطلق، ويبقى للاعبين بالورقة التركية استثماراً، إن لم ينجحوا بالتقسيم أو تكوين الأقاليم في العراق، فإنهم نجحوا في تعميق أزمة شرخها ومدياتها تركت أثراً في البنية المجتمعية العراقية، وأن كتب لبغداد أن تنجح، إن نجحت في كسب المعركة مع الأتراك، فقد تتعالى أصوات موصليّة طالبت بدخول الجيش التركي أول مرة، لتذكر واشنطن بالحبيب الأول، وليبدأ معها فصل جديد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً