الإعلام العربي وشيطنة المقاومة

الاستمرار في المقاومة وإبداع وسائل جديدة لها، يُعدّ في تقديرنا، أحد أهم جبهات تغيّر الوضع العربي، الإعلامي والسياسي، وأحد أبرز وسائل وقف عمليات الشَّيطَنَة المستمرّة للمقاومة وللشعب الفلسطيني، ومن هنا نبدأ.

بعد بدء إضراب الكرامة دأبت بعض وسائل الإعلام العربية على شيطَنة المقاومة
بعد بدء إضراب الكرامة دأبت بعض وسائل الإعلام العربية على شيطَنة المقاومة
بعد بدء إضراب الكرامة المُبهِر للأسرى الفلسطينيين، دأبت بعض وسائل الإعلام العربية على شيطَنة المقاومة العربية عموماً و(المقاومة الفلسطينية) بخاصة، وجعلها أساساً لكل الشرور والإحباطات والفشل الذي لازم سياسات الحكومات الفاشلة المهزومة في صراعها مع العدو الصهيوني، أو تلك المُتحالفة معه، الكارِهة بطبيعتها ودورها لقِيَم المقاومة ومراميها.

وهذا الإعلام المُشيطِن للمقاومة امتدت وسائله وتنوّعت أفقياً ورأسياً في أغلب البلاد العربية، فلماذا ؟ ولمصلحة مَن ؟ وكيف نواجه تلك (الشيطَنَة) وهذا الخَلَل في الضمير وليس في الفهم فحسب؟ للإجابة عن هذه الأسئلة دعونا نسجّل ما يلي:

أولاً: مما لاشكّ فيه أن (الإعلام) خاصة في بلاد مركزية القيادة والدور مثل مصر، يُمثّل أداةً للدولة في مجال تحقيق السياسات، وإن لم يصبح كله (أداة) فإن أغلبه فى أحسن الأحوال يُمثّل (مرآة) لأوضاع الدولة وأهدافها، هذا يسري على مُجمل القضايا المركزية والتي تأتي (فلسطين) في مقدّمتها، وهذا هو ما جرى في غالب البلاد العربية منذ النكبة (1948) وحتى اليوم (2017) ، ويبدو واضحاً وجلياً في بلاد المواجهة المحيطة بالكيان الصهيوني أكثر من تلك التي تتباعد جغرافياً عنه، وهنا يمكننا أن نؤكّد أن الإعلام في بلاد مثل لبنان وسوريا والأردن ومصر خلال السنوات السبعين الماضية من عمر الصراع؛ كان أكثر تماساً وتواصلاً مع القضية الفلسطينية، منه في بلاد عربية أخرى، وكان مؤشر صعوده الإيجابى المُساند للقضية وللمقاومة يتفاوت من زمن إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.

ثانياً : اليوم (2017) وبعد ست سنوات مما سُمّي بالربيع العربي الذي اندلع في (2011)، نلحظ زيادة وتيرة شيطَنَة وكراهية (المقاومة الفلسطينية) مع الترحيب بثقافة وخيارات (أوسلو)، وكأن هذا الربيع جاء لكي يضخّ فيها الحياة من جديد بعد أن ماتت وتحوّلت إلى جيفة سياسية يكره حتى أهلها الاقتراب منها، وواكب ذلك انحراف واسع النطاق للبوصلة بعيداً عن فلسطين، انحراف تسبّب فيه هذا الإرهاب الديني والسياسي الأعمى، الذي أسمته دول الخليج بقيادة السعودية وقطر ومعها منظومة غربية وتركية باتت معلومة الآن لكل ذي بصيرة، أسمته بـ(الثورة)، أمام هذين المُتغيّرين؛ مُتغيّر ضخّ الحياة في اتفاقات التسوية ولغتها وسياساتها وعلى رأسها أوسلو، ومُتغيّر الاهتمام بشؤون الربيع والإرهاب والثورات المُصنّعة في معامل المخابرات، بعيداً عن جوهر مُعاناة الشعب الفلسطيني ولبّ مقاومته الباسلة، أمام هذين المُتغيّرين، تاه الإعلام العربي، وانحرف هو أيضاً، ولم يكن من سبيل أمامه لمُداراة فشله وانحرافه القِيَمي والأخلاقي سوى أن يزيد من كيل الاتّهامات والافتراءات على المقاومة العربية، وفي مقدّمتها مقاومة حزب الله التاريخية ومقاومة (سوريا الأسد) الحاضِنة الكبرى لكل المقاومات العربية طيلة (40 عاماً)، وبيوت دمشق التي عاش فيها هؤلاء المقاومون تشهد على ذلك، وأخيراً وبالأساس (المقاومة الفلسطينية).

ثالثاً: للبحث في إصلاح الخلل القائم على (شيطًنًة المقاومة) يطرح السؤال: ما العمل؟ إنه يطرح وبقوة الآن أمام حملات التشويه المُنظّم من قِبَل العديد من وسائل الإعلام العربي ضدّ المقاومة الفلسطينية، خاصة قوى الجهاد المُسلّح، بعد أن استقالت تلك الحكومات والأنظمة من دورها القومي المقاوِم أو انحرفت به ناحية دعم الإرهاب الذي أسمته (ثورة) وربيعاً، فما العمل؟

إن البداية الصحيحة لتصويب المسار وإزالة الخلل تبدأ من الواقع، والذي إن تغيّر سيفرض بدوره شروطه القوية على الإعلام المُضلل، والواقع الذي نقصده هنا هو ضرورة الإحياء العملي لقِيَم ومسارات الانتفاضة والمقاومة في فلسطين وخارجها من خلال القوى الحيّة والمُناضِلة، ولعلّ الإضراب الأخير للأسرى الفلسطينيين هو أحد أعظم أساليب إحياء المقاومة. إن هذه المقاومة مُتعدّدة الوسائل عليها ألا تستسلم لشروط اللحظة التاريخية المؤلمة التي تمر بها المنطقة، عليها أن تستمر في مقاومتها على الصُعُد المختلفة، وأولها الصعيد الفلسطيني المُكبّل بسلطة أوسلو وحصار عرب أميركا والنفط المُسمّم؛ والصعيد العروبي حيث ينبغي لها ألا تتهرّب من مسؤوليتها التاريخية أو تدّعي النأي بالنفس تجاه مقاومة (الإرهاب الديني والسياسي) الذى أسموه بالثورة، والذي يتواجد الآن في (سوريا) و(سيناء) في مصر.

إن تغيير الواقع يتطلّب اشتباك المقاومة الفلسطينية في ثلاث معارك مُتداخِلة، المعركة الأولى على جبهة الموقف الحاسم والجديد ضدّ الإرهاب خاصة في (سوريا ومصر) دولتىي المواجهة الأكبر وصاحبتي التضحيات الجِسام في تاريخ الصراع وأيضاً صاحبتي الإعلام المؤثّر في هذا الصراع، والاشتباك أو المعركة الثانية مع بقايا اتفاقات أوسلو وحتميّة الإجهاز عليها بالوسائل السياسية والوطنية المُتاحة والتي لا ينبغى أن تتسبّب في قتال داخلي، أو تفكيك وطني بل تكون دافعاً للتماسُك والوحدة الوطنية، إنها قصة مُعقدّة وحسّاسة وتتطلّب عملاً مُعمّقاً مُخلصاً قوياً، أما الإشتباك الثالث وهو في الواقع الأساس الذي تُبنى عليه كافة الجبهات الأخرى، بل ومعه سيتغيّر واقع السياسة والإعلام في المحيط العربي، وسيُجبَر الإعلام المُشيطِن للمقاومة على تغيير قناعاته فهو " الاشتباك المستمر عبر الانتفاضة والمقاومة الدائمة في مواجهة العدو الصهيوني"، ولعلّ فصل (انتفاضة السكاكين والدهس) فى قصة الصراع العربى الصهيونى على بساطته وتباعد عملياته وربما ضعفها، أثبت أن هذا الشعب الفلسطيني ومقاومته الوطنية ، عصيّ على الهزيمة وأنه شعب مُعلّم وقادر على الإنجاز المستمر في طريق الثورة والنضال.

إن الاستمرار في المقاومة وإبداع وسائل جديدة لها، يُعدّ في تقديرنا، أحد أهم جبهات تغيّر الوضع العربي، الإعلامي والسياسي، وأحد أبرز وسائل وقف عمليات الشَّيطَنَة المستمرّة للمقاومة وللشعب الفلسطيني، ومن هنا نبدأ.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

إقرأ للكاتب

لا قيمة لأمّتنا بغير الوحدة

الأمّة الإسلامية كلما كانت موحَّدة، كانت قوية قادرة على تحقيق رسالتها، وقادرة على حماية نفسها من...

أول مَن يقاوِم .. وآخر مَن ينكسِر

وفي واقعنا المُعاصِر صارت المقاومة للمشروع الأميركي الصهيوني المُعتدي على أمّتنا ، فَرْضَ عين...

كيف اخترق التكفيريون مصر ؟

إن ما نودّ أن نلفت الأنظار إليه أن هذا الفكر الداعشي التكفيري له حوامل ومنصّات وبيئة حاضنة، إذا...

في الذكرى الثانية لحصارها:ألا يوجد (ميدان للتحرير) فى قطر ؟!

بعد أكثر من ثماني سنوات على اندلاع ثورات ماسمّي بالربيع العربي؛ الزائف منها والأصيل ،ها هي...

في أجواء رمضان: حين يقاوِم التصوّف شذوذ التكفيريين

في أجواء رمضان شهر الصيام والرحمة، يقف العالم الإسلامي مُنزعِجاً أمام ذلك النموذج من الدين الذي...

الذكرى التاسعة عشر لانتصار لبنان

إن أبلغ دروس الانتصار اللبناني الذي نحتفل اليوم بذكراه وعيده التاسع عشر هو تطبيقه العملي لمقولة...