آية حجازي

الدروس المُستفادة من هذه القصة أن على كل مصري السعي حثيثاً لنيل أية جنسية أخرى لأيّ بلد آخر يتكون فيه أية منظمات أو صحف من أي نوع يمكن أن تمارس أي ضغوط على السلطات، وإذا كانت الجنسيات الغربية أصبحت بعيدة المنال بسبب العمليات الإرهابية، فيُمكن البحث عن جنسية الفلبين مثلاً، أذكر أن رئيسة الفلبين قد تدخّلت لإنقاذ مواطنة فلبينية من سجون المملكة العربية السعودية.. أي حد ينقذنا والنبي.

كانت الأدلّة ضدّ آية حجازي واهية
كانت الأدلّة ضدّ آية حجازي واهية
هي آية محمّد نبيل حجازي، تبلغ من العمر حوالى 29 عاماً، متزوّجة من محمّد حسانين، درست القانون في كل من جامعة أنتونين سكاليا في الولايات المتحدة وكلية الحقوق جامعة القاهرة، كما أكملت دراستها في جامعة جورج ماسون.

في العام 2013 أنشأت هي وزوجها محمّد حسانين جمعية خيرية لتأهيل ورعاية أطفال الشوارع، وأطلقت عليها مؤسسة بلادي، بالطبع، من يعلم قانون الجمعيات في مصر، يعلم أن الإجراءات تأخذ وقتاً كبيراً، ومن ثم، فقد شرعت آية حجازي وزوجها محمّد حسانين بأخذ التراخيص اللازمة بالتزامن مع عمل الجميعة وتأسيس المقرّ ودراسة الحالات وما إلى ذلك.

اتّخذت مؤسّسة بلادي مقرّاً في شارع محمّد محمود (وما أدراك ما شارع محمّد محمود).

في أيار/مايو 2014 هجمت قوة من الشرطة على مقرّ المؤسّسة وألقت القبض على آية حجازي وخمسة آخرين من دون إذن من النيابة العامة.

تمّت إحالة حجازي ومن معها وآخر كان يُحاكم غيابياً إلى النيابة التي وجّهت لهم تهم: استغلال الأطفال للإتّجار بأعضائهم وهتك أعراضهم واستغلالهم جنسياً و..... تأجيرهم للمشاركة في التظاهرات!

تحمل آية حجازي الجنسية الأميركية، ومن ثم كان يمكنها إسقاط الجنسية المصرية عنها على الفور والتوجّه إلى سفارتها، لكنها رفضت ذلك الحل لإنها ترغب في البراءة لا الهروب، وتريد إنقاذ مَن معها في القضية.

كانت الأدلّة ضدّ آية واهية، بعض من شهود الزور الذين قالوا بأنهم تقاضوا أجراً للمشاركة في التظاهرات! ومن يدرينا أنهم لم يتقاضوا أجراً للإدلاء بهذه الشهادة طالما اعترفوا على نفسهم بأنهم يتم استئجارهم؟

ظلّت آية حجازي ومَن معها تحت الحبس الاحتياطي لمدة ثلاث سنوات وهي مدة تتجاوز المدة المنصوص عليها في الدستور، ألا وهي عامان.

طالبت الحكومة الأميركية  مرات عدّة بالإفراج عن المواطنة الأميركية آية حجازي وكانت الخارجية المصرية تردّ بأن على الولايات المتحدة الأميركية احترام استقلال القضاء.

اعتمدت السلطة على تأجيل قضية آية حجازي عدّة مرات، ذلك لأن القضية في الحقيقة لا تتجاوز عمل جمعية خيرية من دون استيفاء التصاريح اللازمة وهي جنحة تستوجب الغرامة، لا الحبس، أما التّهم الأخرى فليس عليها أية أدلّة تعتبر.

أخيراً، وبعد تدخّل صريح من الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، صدر فوراً حُكم ببراءة آية حجازي ومن معها، وحضرت إلى الأجواء المصرية طائرة أميركية حربية تنقذ "الرهينة" الأميركية التي كانت مُختطفة، ولأن ترامب يريد أن يحقّق إنجازاً في مجال حقوق الإنسان لأنه مُتّهم بتجاهله لتلك الحقوق، قرّر أن يقابل آية حجازي وزوجها مرحّباً بهما، وقام بإبراز إنجازه العظيم في إطلاق سراح آية، وصرّح البيت الأبيض أكثر من مرة ما معناه: ولا براءة ولا حاجة.. احنا اللي طلعناها.

الثابت بالتحقيقات أن "جمعية بلادي" لم تتلقَ أية تمويلات أجنبية، وأنها تعتمد على التبرّعات.

لا أعلم بالتحديد لماذا قرّرت السلطات المصرية التنكيل بآية حجازي ومَن معها؟ هل لأنها مواطنة أميركية وتريد التفاوض عليها؟ أم لأن شعار جمعية بلادي كان "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"؟ أم أننا يجب أن نضع السببين في الاعتبار؟

الخلاصة أن الدولة المصرية بعد أن احتجزت مواطنين تحت الحُكم الاحتياطي بشكل غير قانوني لمدة متجاوزة المدة الدستورية أقرت ببرائتهم في عُجالة، وأطلقت سراحهم فجأة، وسمحت لطائرة حربية أميركية أن تدخل الأجواء المصرية وتهبط على الأراضي المصرية وتنقل مواطنة مصرية أميركية إلى الولايات المتحدة وكأنه إقرار بأنهم كانوا يتّخذون آية رهينة حتى تصل السلطات المصرية إلى غايتها من احتجاز آية!

الأغرب في كل ذلك أنه تم اتّهام آية بالجاسوسية والعمالة من قِبَل طبّالي السيسي وما يُطلق عليهم الآن في مصر "الدولجية"! لماذا؟ لأنها "قبلت" أن تخرج بوساطة الرئيس الأميركي، و"قبلت" أن تستقل طائرة حربية أميركية، و"قبلت" أن تقابل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي طلب مُقابلتها ولم تطلب هي مُقابلته!

حقيقة لا أفهم، لقد كانت لجان النظام الإلكترونية تحتفل وتشرب الأنخاب فرحاً بترحيب ترامب بالسيسي وسعادته لأنه قال له وهو يغادر أميركا: ابقى تعالى تاني! وبلغ الهذيان ببعض لجان النظام الإلكترونية أنهم قرّروا بأن نجاح ترامب في الانتخابات الأميركية ضربة مُعّلم من المخابرات المصرية! (أنا عايزة أعمل إيموشن بيرفص ع الأرض من الضحك)، بل واتهموا كل من يصف ترامب بالعنصرية بأنه خائن، لأنه كان يريد لهيلاري كلينتون أن تنجح في الانتخابات، وهيلاري كلينتون تنتمي إلى جماعة الأخوان، (أيوه قالوا كده)، وأن الأخوان يتحّسرون الآن لأن عميلتهم الأميركية لم تنجح، وأن من يدّعون الإنسانية والحقوقية هم أخوان متخفّون، ولله الحمد والمنّة قد أحبط الله مخططاتهم ونجح سيف الله المسلول عبد الله دونالد بن ترامب المُلقّب بالمُظفّر، وتحيا مصر، تحيا مصر، تحيا مصر.

في ذات الوقت، تحتجز السلطات المصرية مواطنة بشكل تعسفي – شأنها في ذلك شأن آلاف المساكين الذين لم يتمكّنوا من الحصول على جنسية تنقذهم – وتُلفّق لها التّهم – مثل المساكين الذين أشرنا إليهم آنفاً – وما أن طالب سيف الله المسلول دونالد بن الحاج ترامب بإطلاق سراح الرهينة حتى استجابت السلطة المصرية. جميل.

يبدو أن المفاوضات قد نجحت، وما كانت ترغب فيه السلطة المصرية من خلف احتجاز آية قد تحقّق، ونحن لا ندري تحديداً ماذا كان الهدف، لكن يبدو أنه تم إحرازه، طب مش يقولوا لنا إيه الهدف طيّب؟ واحنا مالنا هي كانت بلدنا؟

طيّب إذا قرّرت الدولة المصرية التعامل مع البشر بوصفهم رهائن واختطافهم للتفاوض عليهم فيمكننا أن نتجاوز عن ذلك على مضض. لكن، لماذا تخلع بُرقع الحياء أمامنا؟

يعني.. هو مش ترامب ده بيحب الرئيس والرئيس بيحب ترامب وبينهما صداقة؟

لماذا يسمح لترامب بإرسالة طائرة حربية؟ يعني الليلة كان ينفع تمشي كده: بص يا دونالد.. أنا حاطلع لك آية تكسب بيها بونط.. بس ما تصغرنيش بقى.. لازمتها إيه الطيارة الحربية؟ أنا حاركبها مصر للطيران درجة أولى وأبعت لها ناس يحضروا لها الشنطة كمان وأجيب لها هدوم جديدة من الموسكي.. ما هو مش معقول تحسّن منظرك وتبوّظ منظري أنا.

ولا إيه؟

ولا مش مهم؟

مش مهم... صح؟

نحن لا نهم، رأينا لا يهم، اندهاشنا لا يهم، وحتى إحراج لجان النظام الإلكترونية التي وقعت في حيص بيص ولم تجد سوى أن تصبّ جام غضبها على مسكينة مقهورة مظلومة أخرجها الله من غيابات الجبّ بمعجزة، واتهامها بالعمالة! العمالة لمن؟ لترامب... طب مش ترامب ده كويس وضربة كانت من معلم خلّت الاستعمار يسلّم؟

كل ما فعله ترامب أنه أظهر للرأي العام الأميركي أنه حريص على حياة وحرية مواطنيه، وذلك لأن الصحافة ومؤسسات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة قد سلخت وجهه بسبب قانون الحظر الذي فرضه على مواطنين من دول ذات أغلبية إسلامية، فأراد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي يسعى خلف مواطنيه، من دون أن يفرّق في ذلك بين مسلم وغير مسلم، وكانت قضية آية طوق نجاة له، حيث أنها مسلمة الحمد لله وموحّدة بالله أهي، وأنا بعت لها طيارة حربية أهو.. وقعدت معاها وشرّبتها عصير من الغالي.. عشان ماحدش يقول عليا عنصري!

غلطان الراجل؟

أبداً مش غلطان.. صح كده. ما فعله عين الصواب.

ما فعلته آية حجازي هو أنها لم تفعل شيئاً، لم تفعل شيئاً البتّة، لم ترتكب جرماً، وتحمّلت إلصاق تُهم ملفّقة ومُشينة مثل هتك أعراض الأطفال واستغلالهم جنسياً، ولم تتخلّ عن جنسيتها المصرية حرصاً على زملائها الأبرياء، ثم جاء الفرج من الله، فهل من المتوقّع أن تقول: لا مش خارجة.. أنا حرّة.. مش خارجة.. حبيّت الموضوع؟ ثم اصطحبتها السلطات المصرية بذاتها، وأخذتها لتركب الطائرة الحربية الأميركية، فهل من المتوقّع أن تنظر إلى الضابط المصري وتقول له: الطيارة دي هنا بتعمل إيه؟ إجري هات لي ميكروباص؟ ثم طلب رئيس الولايات المتحدة الأميركية الذي أخرجها من السجن مقابلتها، فبالطبع، من المتوقّع أن تقول له: لا معلش مش فاضية.. عندي غسيل.

آه... طيّب، فلنفترض أنه، لا سمح الله، تدخّل الرئيس المصري، وهو الآن في السعودية، لينقذ المواطن المصري أحمد الجيزاوي، وأنه، لا قدّر الله، تمكّن من إطلاق سراحه، مثلاً مثلاً يعني، وبعد أن حضر أحمد الجيزاوي إلى أراضي الوطن مجبوراً منصوفاً، والعياذ بالله، طلب الرئيس السيسي مقابلته، فهل هناك أي مُختل يتوقّع أن الجيزاوي سيرفض مقابلته؟ تحرم عليه عيشته لو رفض، ده أنا أعمل عليه حملة والله.

لكن طبعاً ما ذكرته أعلاه هو مجرّد هلاوس سمعية وبصرية لن تحدث، أحلام وأوهام صوّرها لي خيالي المريض. لن يتوسّط الرئيس السيسي لإطلاق سراح أحمد الجيزاوي، وبالطبع لن يُرسل توك توكا لاصطحابه، ولن يطلب مقابلته.

لماذا؟

لإننا لا نهم. ليس في مصر صحافة حرّة تتحدّث عن الرئيس، بل ليس هناك صحافة تتحدّث عن وزير، أما عن منظمات حقوق الإنسان التي أثرّ خطابها في الولايات المتحدة على سلوك ترامب، فهي في مصر يتم القبض على "عناصرها"، بل إن مصطلح "حقوق الإنسان" في حد ذاته أصبح إشارة يندى لها الجبين، "ده بتاع حقوق إنسان" = “ده بتاع مخدّرات/دعارة" وربما أسوأ.

الدروس المُستفادة من هذه القصة أن على كل مصري السعي حثيثاً لنيل أية جنسية أخرى لأيّ بلد آخر يتكون فيه أية منظمات أو صحف من أي نوع يمكن أن تمارس أي ضغوط على السلطات، وإذا كانت الجنسيات الغربية أصبحت بعيدة المنال بسبب العمليات الإرهابية، فيُمكن البحث عن جنسية الفلبين مثلاً، أذكر أن رئيسة الفلبين قد تدخّلت لإنقاذ مواطنة فلبينية من سجون المملكة العربية السعودية.. أي حد ينقذنا والنبي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نوارة نجم

كاتبة وناشطة مصرية

إقرأ للكاتب

اللّي بنى مصر، كان في الأصل..سائق توك توك

تتغيّر الطبيعة الاجتماعية والديموغرافية، بل والأنثروبولوجية، وفقاً للتغيرات الاقتصادية. السلوك...

بريق العشوائية

في كل دول العالم يقوم الإرهابي بتفجير نفسه، أو القيام بإطلاق الرصاص على المارة ثم يحاول الهرب،...

النيل نجاشي

وسط انشغال العالم بتفسير التعبير الذي سكّه رئيس الوزراء اللبناني الذي خرج ولم يعد، السيّد سعد...

هيّا بنا نلعب

يبدو أن الحملة اعتمدت على المُخبر الإرهابي الذي تم تجنيده كما اعتادوا الاعتماد على المرشدين، لكن...

صوت يعلو فوق صوت المدعكة

لم يكن جميلاً أبداً أن تشيّع جنازات بعض الشهداء في تكتم وهدوء، ولم يكن جميلاً بالمرة أن يترك...

المظاليم والعدل

الحقيقة أن الحديث عن علاء أمر مُربك للغاية. لست متأكّدة تماماً من أية زاوية أدخل للحديث عن علاء...