مجتمع عربي بوليسي بامتياز، فأين الرواية البوليسية؟

أميلُ بشدّة إلى نوع الرواية البوليسية بسبب ذلك التدبير المُعجز للكاتب في منحنا وقتاً تشويقياً، كما ويدخلنا في حالة دهليزية حيث كثافة الألغاز ونظام الإشارات، وحيث الغموض يُلهينا قليلاً عن جرائم فعلية واضحة وضوح الشمس على مستوى النظمة ومستوى الأفراد – تُرتكب بحقنا وبحق بلداننا وأعمارنا ومشاعرنا كل يوم - تُلهينا جميعها، تُلهينا عن بلاوينا، وتُدغدغ قليلاً طعم اليأس الكابوسي لأرواحنا.

  • مجتمع عربي بوليسي بامتياز، فأين الرواية البوليسية؟
    ثمة في كتابة الرواية البوليسية تلك الأسرار كغواية لاستدعاء العقل وتنشيطه
رحتُ أفكرّ وقد خلا الشارع إلا منيّ، في إحدى جولاتنا الأمنية الزفت عندنا، بأن عالمنا العربي بوليسي بامتياز، فلماذا لانقع على روايات بوليسية لكتّاب عرب؟ طبعاً هناك من اقترب من أسلوب الرواية البوليسية، غير أن اقترابه لم يأتِ غاية في حدّ ذاتها، بل وسيلة، وأداة مُزينّة بأحداث خارجة عن وظيفتها ومُستعارة لخدمة قصة حب أو سوى ذلك من المواضيع.

في عالمنا العربي عمليات قتل وجرائم وإبادات بالجملة والمفرّق، وبقدر يتفوّق على ما عند العالم كلهُ. لا ينقصنا شيء في هذا المجال، فأين كاتب أو كاتبة الرواية البوليسية ورواية الجريمة، ثم المزاج الريبي الرائق والمدقق للكاتب الذي يجهد إلى ربط الشواهد والأحداث للخروج باسم القاتل على النحو المُباغت والمُثير للقارىء البسيط والآدمي. رواية تصنع من الجريمة مصيراً، ومن فكّ ألغازها فعلاً مفيداً، ومن قراءتها مُتعة موجّهة ودّالة.

أميلُ بشدّة إلى نوع الرواية البوليسية بسبب ذلك التدبير المُعجز للكاتب في منحنا وقتاً تشويقياً، كما ويدخلنا في حالة دهليزية حيث كثافة الألغاز ونظام الإشارات، وحيث الغموض يُلهينا قليلاً عن جرائم فعلية واضحة وضوح الشمس على مستوى النظمة ومستوى الأفراد – تُرتكب بحقنا وبحق بلداننا وأعمارنا ومشاعرنا كل يوم - تُلهينا جميعها، تُلهينا عن بلاوينا، وتُدغدغ قليلاً طعم اليأس الكابوسي لأرواحنا.

عقلانية وواقعية الرواية البوليسية تقوم على السببية، حيث وراء كل حدث سبب. مادامت الدوافع موجودة، قابلة للتفسير، إذن يمكن التنبّؤ بالجريمة وبمُرتكبها.

أحبّ الروايات التي تعرض إلى الحياة كمسار مُضيء من المؤثّرات والأسباب والإحباطات والنجاحات، حيث يترّيث الكاتب حيال السلسلة السببية لأفعال القاتل، الذي يُسرع بجنسه المجنون تجاه الموت.

ليست تحديداً روايات أغاتا كريستي ما أقصد، ولا هيركيل بوارو (رغم إعجابي برشاقتها) بل تلك التي تولد على أيدي كتّاب أجانب كبار، وتتمتّع بشكلها الخاص، وتؤكّد على أن القتل لايقع في الفعل، بل في انهيار الجسر بين السبب وأثره، وحيث يتجوّل الفكر الشيطاني في حرية لاهثة غير كسولة. وهكذا فإن روح هذا العصر على وجه التحديد، لايمكن تسطيرها من خلال روح العصر الذي سبق، وبمعنى آخر، لايمكننا التعامي ككتّاب ومُبدعين عن الشرخ الحاصل في أخلاقيات الوقت، لمّا أن الجريمة فيه فعلاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفنياً وسوى ذلك، إذ أن الجريمة لاتتراجع بتقدّم العلم والتكنولوجيا والانتصارات الحداثوية، بل هي على العكس، تزدهر على ما نرى، مع التقدّم وشيوع الاختراعات.

أشير هنا إلى الرواية البوليسية التي نفتقد وإلى جنس الكتابة الصعب، ويتبدّى سهلاً في الشكل. ذلك الجنس الرشيق، القابل للقطيعة مع الرواية الاجتماعية أو الغرامية أو التاريخية، الأمر الذي لم يعتدهُ القارىء العربي من قبل، حيث يطبع كتّابنا بإشارات مُحدّدة عن الإبداع، كفيلة بجرّهم إلى عملية استلاب كبرى على حساب موهبتهم ربما، أو ميلهم الدفين إلى كتابتها وتمنعهم عنها أسباب شتى، منها القمع او الخوف من عدم جماهيريّتها. ولعلّها مع ذلك، صعوبة كتابة هذا الصنف من الروايات، ما تحول بيننا وبين كتّاب الرواية البوليسية العرب، حين تحتاج هذه إلى مهارات لغة خاصة تمنح نفسها للحدث، وتقدّم رشاقتها خدمة لتقنية الحبكة أو بؤرة الجريمة، في سردٍ متأنٍ ومُفردات حاسِمة غير شعرية تنقل تصاعُد الأحداث باضطراد جميل في سلاسته، مطواع وغائيّ.

في فضاء الرواية البوليسية، ثمة الفضاء الذي ليس فضاءنا، والجريمة التي لاتُرتكب بحقنا، والمسافة عنها التي تُلّطف عيشنا، والفرجة عليها من خلال الورق والإمكانية وإن مؤقتة للنأيّ بذواتنا عن الدم والقتل، وعمّا هو أدهى وأمرّ من واقعنا العربي، ومساحة اللعب البعيدة عنّا، والسماح بتحرير الفكر، وبذل الفرضيات، والشهوة إلى استنهاض الأسئلة، وإلى سكينة الرضى بأن الدم يُراق والجريمة تحصل على الورق فحسب وليس بيننا وفي بيوتنا وأوطاننا.

جرائم لا تُحصى في عالمنا العربي، والعالم بالطبع، وتبدو هذه عميقة الجذور ضاربة في بداية البدايات لإنسانيتنا، حتى أننا لنتساءل هل تعوّدنا العيش معها؟ تأتي هكذا وتمضي من دون أن نُحرّك ساكناً ولا قلماً، كما لو الجريمة عقاب لنا لا نملك رفضه أو البحث فيه، ولا حتى كتابته والسعي إلى نبش حقيقته من دون خوف. إن الإرتقاء العلمي سيّر الإنسان العربي خصوصاً، في أنفاق الأنظمة المُتخصّصة في فنون تعذيب البشر، وكلما ازداد تقدّمه في وحشية الإختراعات العسكرية، أصبحت رؤيته أقلّ وضوحاً للعالم وارتكاباته المُعيبة ككل، ولذاته الخاصة، وانغمس أكثر في انصياعه في ما يُسمّيه "هيدغر" نسيان الوجود، بالبراءة اللازمة . 

ثمة في كتابة الرواية البوليسية تلك الأسرار كغواية لاستدعاء العقل وتنشيطه، والامتياز للقتل بالكلمات فحسب، والدعوة إلى استنفار حدسنا ومن ثم وعينا وقوتنا الداخلية التي أصابها الوقت العربي بالدوار، وانتهت إلى أن تبدو متبلّدة، أقلّ حياة من صخرة.

مجتمع عربي غني بالإيماءات، والتداخُلات، واللعب تحت الطاولات، وسوء الفهم وتعمّد سوء الفهم، والنأيّ بالنفس عن كل شيء ما عدا عن مُفتعل الشيء، فلنشرّع أقلامنا للخوض والتقصّي في غرائب وأسرار هذا العالم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

إقرأ للكاتب

مصطلحات سادت ثم بادت

كانت اللغة تتحدّث عن احتلال الصهيونية لأرض فلسطين، فصارت تتقبّل مصطلح العودة. حقوقياً الفارق...

عندما لا تعتقد بجدوى الاحتجاج

أن نتجمهر، أن نحتشد وندعو إلى التظاهر والمسيرات لغرض ما ، فليس هذا بالضرورة كل ما يجب علينا...

مهرجاناتنا الصيفية والسؤال القديم

بيروت الجميلة أصبحت تُشعرنا رغم مهرجاناتها وكل الأشكال البرّانية الآتية من خارجها، أننا في...

فلسطين وسيرتها التاريخية والراهنة

لكل بلد في العالم سيرتان: تاريخية وحاضرة، والحديث في الغالب عن فلسطين (على الشاشات أعني) لا يجري...

المونديال بعيونِ امرأةٍ تعشق الجمال

ثمة من يقول بزمن المواهب الكروية الذي لا بّد ولىّ وانتابهُ الهمود. تحوّل من إعصار فنيّ إلى نبضِ...

الذاكرة العربية المنخورة

ما نحملهُ من تاريخ والتاريخ ذاكرة، لا يعدو أن يكون قبوراً كثيرة، وكلاماً مبحوحاً وذكريات...