الخيط الخفيّ بين محمّد عبد المطلب ونيل أرمسترونغ

من الواضح والجليّ، أن انكساراتنا وهزائمنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ترتبط ارتباطاً لا جدال فيه بانكساراتنا الفنية والثقافية . ولعلّ هذه الأخيرة تتهاوى كأحجار البازل، كما يتهاوى أيّ أمر عندنا. بل إن تهاويها السريع على النحو الذي نرى ونسمع، تجتهد إلى العمل عليه قوى استعمارية (أياً كانت مسمّياتها) وتتوخّى تفريغ محطاتنا وعصورنا الفنية القديمة من مضامينها النهضوية الذهبية، بضربات متلاحقة قاصمة، تقضي على كل تراكم وتفاعل تاريخي مع الخلق والجمال والفن.

.
.
أحاول من جهتي  القفز فوق هذه الرثاثة الفنية والقبح المستشريين على صعيد الموسيقى والغناء بالإيغال في نَبش القديم الجميل منه بالطبع، والتماهي مع تلاوينه المُضيئة التي مازالت.
عندي، على الصعيد الشخصي حِيَلي التي أبتدعها في محاولات مني في القفز عن الراهن الموحِل، ومنها الارتماء في إحدى غوايات سماع القديم الجميل، حفظه واكتشاف أسراره، لمّا أن محاولات كثيرة لم تنجح في ثنيي عنه، كما لو رسالة أريد إيصالها إلى الجيل الجديد المُتخبّط في سماعه وهويته.
من حِيَلي، ضدّ التصحّر الفني، ولكي لا يأكلني الصدأ أنا نفسي، الذهاب ولو لمرّة واحدة في الأسبوع إلى المعهد الموسيقي العالي (الكونسرفاتوار) قرب القصر الحكومي، في النزلة المُشرفة على ما يسمّونه عندنا ال داون تاون، أو قلب البلد . غالباً ما أتردّد على المعهد  وأنا إحدى تلميذاته القديمات بغرض سماع التلامذة الجُدد في تمارينهم على غناء الموشّحات، نواة الغناء الشرقي وتحدّيه الأبرز .
على الرغم من التكييف الذي يصيب قاعة الموسيقى، (في فصل الصيف) كما المعهد بأسره، فيضّر بحال جسدي الحسّاس، الهواء البارد المُصطنع، وينالني منه وجع رأس فوري إلى مهالك بدنية اخرى، سوى أن فكرتي التي كنت حملتها ذات يوم إلى أستاذي (أستاذ الغناء الشرقي والعزف على العود ) تستأهل احتمال بعض وجع الرأس، خاصة وأن أحوالنا السياسية خارج المعهد  لا تكفّ تمدّنا بوجع دائم يهون معه أيّ وجع.
الحقيقة أن الفكرة لم تكن بنت لحظتها، فهي تسكنني منذ فترة، خصوصاً عند سماعي نيل أرمسترونغ في روائعه وخديّه المُنتفختين، لمّا يحضر في ذهني فوراً، صوت محمّد عبد المطلب، كرديف لصوت أرمسترونغ، لمزاجه وارتجالاته، وقد سبق أن رأيت وسمعت هذا الانصهار الجميل في أحد الأفلام المصرية من بطولة عبلة كامل.
سألت الأستاذ أن أستعيد بصوتي إحدى أغنيات محمّد عبد المطلب، من دون مصاحبة التخت الشرقي المُعتاد، ومصحوباً غنائي بآلة الساكسفون فحسب، مع مُداعبات ظليّة وخلفية لآلة التشيللو التي يسعها ضبط إيقاع الجُمل الزمني، كموسيقى ونص.
لم يستغرق الأستاذ زمناً لهضم الفكرة، هو العارف لمزايا صوت الساكسفون الأجشّ، القادر على الغناء وحده . كما وأحسب حماس أستاذي إذعاناً رقيقاً للهفتي إلى هذه المحاولة، واستسلاماً لطيفاً لعنادي، أنا التي إن رغبتُ أمراً أناله. سألني الأستاذ أن أبدأ بدندنة خفيفة بكل ولهي مع عازف الساكسفون لأغنية عبد المطلب "ما بيسألش عليّا أبداً/ ولا بتشوفو عينيّ أبداً/ ياما ناديتو/ واترجيتو/ إنو يرّق شويّا .. أبداً/. بدا الارتياح على قَسَمَات الأستاذ، لكنه سألني إعادة الغناء بصوت أكثر قوة، صوتاً داخلياً على ما قال لي، لكن أكثر قوة.
غنيّت بكل الشجَن الذي يسكنني، لكن بنزق وأكثر قوة. إن شدو الساكسفون المرافق الذي تتوارى من أمامه كل الكلمات، هو شدو متعدّد اللغات، يُدوّي في القلب مباشرة، ويناسب طبيعة أغنيات محمّد عبد المطلب، بينما بقي التشيللو يؤلف خلفية هذه الأغنية التي أحبها جداً. لم نغيّر في اللحن، بل غذيّناه بتخاريم جازية (من جاز) جعلت من الحزن الكامن في النصّ، ملكاً متوّجاً وحده، ومنحته صبغة سامية، وقعّتها بصوتي المتواضع، ومنحتها أعمق تأملاتي في غناء عبد المطلب. أعدنا المحاولة مع أغنية " شفت حبيبي وفرحت معاه/ كان وصل جميل حلو يا محلاه/ ". التوليفة ناجحة وشجية  وتألقت أكثر مع "الناس المُغرمين"  و"ساكن في حيّ السيّدة/ وحبيبي ساكن في الحسين/ وعشان أنول كل الرضى/ يوماتي أروحلو مرتين/ من السيّدة لسيّدنا الحسين" .
باختصار ، إن صمتنا حيال الهراء الذي نسمعهُ الآن، صمتنا عن الجمال الذي يتوارى من أمامنا في الفن وفي كل شيء، هو إشهار لعداوتنا للحياة. الغناء الجيّد من مُتع الحياة، أعني متعة تتجاوز تزجية الوقت، إلى تذخيره العارم بسلطنة لا نظير لها. إن محاولات موتوري الغناء – مع بعض الاستثناءات – في ما يسمّونه بالغناء الحديث، لإلهائنا عن كنوزنا القديمة، هي محاولات جديّة وغير اعتباطية، وتأخذ في حسبانها تصفية فكرتنا عن الجمال الحقيقي، حيث تبدأ بانتزاع ذاكرته من أذهاننا، وإتلاف نبضه، والأصوات التي غنّتهُ غير اعتباطية بالمرّة، بل مدروسة جيّداً، إذ تمنح الجمال إسماً آخر عبر زعيقهم، وتبتكر له أبطالاً جدداً، لكي يحّل النسيان، ونسقط في فخ القُبح والتعوّد عليه، وبالتالي ضياع الهوية. هذه مقالة سياسية لمن يحب السياسة، وهي في آن مقالة غير سياسية لمن لايحب السياسة، لكنني أجزم أنني كتبتها لغاية سياسية بامتياز. أتكون في هذه الكلمات مبالغة ناجمة عن يأس وكآبة شديدين، نتيجة فَقد أشياء جوهرية؟ كآبة أجل، لكن حقيقة، ذلك أن موت الجمال هو موت لغته، دفنها معه  والشروع بلغة جديدة غير مفهومة نفقد معها النطق، نفقده فعلاً شيئاً فشيئاً. الكلمات الجيّدة هي الجمال. الموسيقى الجيّدة هي الجمال،  لغتنا تنقص، وننتهي قريباً إلى تساؤل وحيد وأخير : غريب ! كيف انتهى كل ذلك. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

إقرأ للكاتب

مصطلحات سادت ثم بادت

كانت اللغة تتحدّث عن احتلال الصهيونية لأرض فلسطين، فصارت تتقبّل مصطلح العودة. حقوقياً الفارق...

عندما لا تعتقد بجدوى الاحتجاج

أن نتجمهر، أن نحتشد وندعو إلى التظاهر والمسيرات لغرض ما ، فليس هذا بالضرورة كل ما يجب علينا...

مهرجاناتنا الصيفية والسؤال القديم

بيروت الجميلة أصبحت تُشعرنا رغم مهرجاناتها وكل الأشكال البرّانية الآتية من خارجها، أننا في...

فلسطين وسيرتها التاريخية والراهنة

لكل بلد في العالم سيرتان: تاريخية وحاضرة، والحديث في الغالب عن فلسطين (على الشاشات أعني) لا يجري...

المونديال بعيونِ امرأةٍ تعشق الجمال

ثمة من يقول بزمن المواهب الكروية الذي لا بّد ولىّ وانتابهُ الهمود. تحوّل من إعصار فنيّ إلى نبضِ...

الذاكرة العربية المنخورة

ما نحملهُ من تاريخ والتاريخ ذاكرة، لا يعدو أن يكون قبوراً كثيرة، وكلاماً مبحوحاً وذكريات...