ترامب يعود بسوريا إلى نقطة الصفر؟

فصل جديد من التصعيد لفتح المنطقة على التحوّلات الآتية من العراق إلى شمال سوريا. وليست إسرائيل ببعيدة عن كل ما يجري إن لم تكن هي المُحرّك الرئيسي نحو مُعادلات جديدة في المنطقة تذّر بقرنها من لقاءات ترامب مع زعماء عرب في البيت الأبيض وصولاً إلى تعزيز الانتشار العسكري الأميركي في العراق وسوريا.

وجد ترامب في هجوم خان شيخون ضالّته
وجد ترامب في هجوم خان شيخون ضالّته
وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هجوم خان شيخون ضالّته التي يبحث عنها كي يتراجع عن موقف أطلقه قبل أيام يقول فيه إن إسقاط الرئيس السوري بشّار الأسد لم يعد أولوية بالنسبة إلى البيت الأبيض. وها هو يقول الآن أنه غيّر رأيه وأنه لا يمكن تجاهل ما جرى وأن الأسد تجاهل الكثير من "الخطوط الحمر".

لا أحد يمكن أن لا يُسلّم بفظاعة الهجوم في خان شيخون، لكن المشكلة هي أنه قبل أن تنجلي المُلابسات وتتحدّد الأسباب، كان ترامب ومساعدوه يوجّهون أصابع الاتّهام إلى النظام في سوريا ويرفضون الاستماع إلى وجهة النظر الروسية التي تقول بأن تخزين المعارضة السورية، )وأي معارضة "جبهة فتح الشام" التي هي الفرع السوري لتنظيم "القاعدة"(، لمواد سامّة في الموقع الذي استهدفه القصف هو الذي تسبّب بالمجزرة. ثمة شيء من الغرابة في أن يُجَرّم النظام وتُبرّأ ساحة "القاعدة".  

هذا يؤكّد أن ثمة أمراً كان مُبيّتاً قبل خان شيخون. يدلّ على ذلك سرعة التراجع الأميركي عن الموقف "الإيجابي" من الأسد، ويكفي النظر إلى المُسارعة الغربية في إلقاء اللّوم على الحكومة السورية. ولا بدّ من أن الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان قد تنفّس الصُعداء بعدما كان أول من اطّلع من وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون على التبدّل الحاصل في الموقف الأميركي من الأسد.

أتت خان شيخون في سياق الاستعدادات الأميركية لتحوّلات أكبر في المنطقة. من القواعد العسكرية التي بدأت القوات الأميركية بإنشائها في شمال سوريا من مدينة عين العرب (كوباني) إلى الرميلان وإلى الطبقة، كل ذلك يُشير إلى أن واشنطن عازِمة على إقامة طويلة الأمد في سوريا وبأنها ستكون الضامِنة لفيديرالية كردية في الشمال السوري كما هي ضامِنة للفيديرالية الكردية في الشمال العراقي(وهنا يجب ألا يشعر أردوغان بكثير من الارتياح)، فضلاً عن التأسيس لمرحلة لا تعود فيها سوريا دولة مركزية.  

ولا يقتصر الأمر على ذلك. فمن سوريا أيضاً يجري التصويب على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعلى إيران. ويجري استغلال مجزرة خان شيخون للغمز من قناة موسكو وطهران باعتبارهما الأكثر قرباً من دمشق وتحميلهما "بعض المسؤولية" عن المجزرة على حد تعبير ناطقة باسم الحكومة الألمانية. وفي ظلّ أجواء العداء المُتجدّدة في الولايات المتحدة لروسيا بما يذكّر بمكارثية الخمسينات من القرن الماضي، والضغط الذي يُمارس على موسكو منذ الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني الماضي وتحميل بوتين مسؤولية هزيمة هيلاري كلينتون، هناك في أميركا مَن يريد أن ينتقم من روسيا ويجعلها تدفع ثمن طموحها إلى استعادة مكانتها على الساحة الدولية التي تبدّدت عقب انتهاء الحرب الباردة وسني حكم بوريس يلتسين. ثمة الكثير من المسؤولين الأميركيين وبينهم عسكريون يذكَرون يومياً بأن روسيا عادت العدو الرقم واحد للولايات المتحدة وليس الإرهاب. وها هو قائد القوات النووية الأميركية الجنرال جون هايتن يقول أمام الكونغرس قبل أيام إن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين لا يملكون دفاعاً ضدّ صواريخ كروز الروسية البرية، وإن موسكو تنتهك معاهدة 1987 للصواريخ المتوسّطة المدى. وهكذا يثير مُبرّراً  لتطويق روسيا بنظام الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا أو في المحيط الهاديء بنشر منظومة "ثاد" في كوريا الجنوبية ولو كانت الحجّة التصدي لصواريخ كوريا الشمالية.

ولا بدّ من التوقّف عند التظاهرات المُتجدّدة للمعارضة الروسية قبل عام من الانتخابات الرئاسية التي على الغالب سيترشّح فيها بوتين لولاية رابعة، الأمر الذي يُقلق الولايات المتحدة والغرب عموماً.  وروسيا التي تدرك ما يُحاك لها في أميركا وبعض دول أوروبا، تتمسّك بموقعها السوري. وهي على يقين بأن المطلوب أميركياً منذ 2011 هو إحداث تغيير جيوسياسي في سوريا، ينقل هذا البلد الأساسي في الشرق الأوسط من محور إلى محور بما يُضعِف روسيا ويُنهي آخر مواقعها في المنطقة. وبالقدر نفسه يوجّه تبدّل النظام في سوريا ضربة استراتيجية إلى الدور الإيراني في المنطقة.   

ولذلك يفتّش الغرب عن الذرائع للتدخّل العسكري في سوريا منذ 2011. وبعدما أحجم أوباما عن التدخّل عام 2013 إثر الاتفاق على تفكيك الأسلحة الكيميائية السورية، ها هي الأمور تعود إلى نقطة الصفر في هذا الملف. وكثيرة هي الأطراف التي تدفع نحو تدخّل عسكري غربي يُعيد ترجيح كفّة المعارضة السورية في الميدان أو على الأقل يدفع سوريا نحو التفكّك أكثر كما حصل في ليبيا. وبالتصعيد الغربي اليوم المُستهدَف روسيا وإيران كما هي مُستهدَفة دمشق. فصل جديد من التصعيد لفتح المنطقة على التحوّلات الآتية من العراق إلى شمال سوريا. وليست إسرائيل ببعيدة عن كل ما يجري إن لم تكن هي المُحرّك الرئيسي نحو مُعادلات جديدة في المنطقة تذّر بقرنها من لقاءات ترامب مع زعماء عرب في البيت الأبيض وصولاً إلى تعزيز الانتشار العسكري الأميركي في العراق وسوريا.   

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سميح صعب

صحافي لبناني متخصص بالشؤون العربية والدولية

إقرأ للكاتب

تعثُّر تأليف الحكومة اللبنانية... يُبرِز أزمة النظام السياسي   

من دون خطوات إصلاحية جذرية لبُنية النظام السياسي، ستبقى الأزمات الحكومية تتناسل وستبقى...

قمة التفاهم على سوريا بين بوتين وترامب؟

أخشى ما تخشاه الدول الأوروبية أن يقدم ترامب على الإعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم. ففي هذه...

إردوغان...السلطان في متاهته

بعد أيام يمر إردوغان في الإختبار الأصعب، ألا وهو الحصول على تفويض شعبي بالحكم المطلق. ولا يبدو...

أزمة اللاجئين السوريين... السياسة تتفوّق على البُعد الإنساني

في انتظار حل يُنصف اللاجئين والدول المُضيفة، تعمل الحكومة اللبنانية مع الجهات المانِحة للحصول...

انتخابات لبنان تحمي الخيار الاستراتيجي لـ"حزب الله"

الحاصل السياسي الذي رسا عليه المشهد الإنتخابي اللبناني، استفز إسرائيل التي سارع وزير التعليم...

منتدى يالطا.."مارشال روسي" لإعادة إعمار سوريا

لا يقلّ تحدّي إعادة إعمار سوريا، عن الصِراع لكسب الحرب التي دخلت عامها الثامن. ومنذ بدأت الدولة...