حماس والإخوان المسلمون: وثيقة جديدة وفك ارتباط

إذا ما كانت الحركة تشهد تحولات حقيقية مراميها إعادة النظر في تعريف الذات والقضية بالنسبة لها، فنرجو ألا تكون معايير إعادة تعريف الذات والآخر الاستسلام لحروب يشنّها الآخرون عليها لأسباب أيديولوجية أو تلافياً لحسابات حزبية ضيقة يراد تصفيتها، أو لهثاً خلف اعتراف رسمي بها هو أقرب إلى السراب منه إلى الحقيقية، أو قفزاً غير مدروس في الفراغ قد يطيح بها وبما تمثله من حيثية داخل الشارع الفلسطيني.

عزاؤنا أن القضية الفلسطينية ستبقى حيّة في الوعي العربي
عزاؤنا أن القضية الفلسطينية ستبقى حيّة في الوعي العربي
نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" في 8 آذار/مارس الجاري عن مصادر في حركة حماس أن وثيقة بصدد إقرارها من المكتب السياسي ومجلس الشورى الجديدين الشهر المقبل، ستعيد الحركة بموجبها تعريف نفسها من جديد باعتبارها تنظيماً فلسطينياً إسلامياً وطنياً مستقل القرار، تسعى لإقامة دولة على حدود 1967 من غير التفريط بالأرض أو الاعتراف بإسرائيل، كما لا تتدخل في أي شأن داخلي لأي دولة أو جهة أو جماعة، ومهمتها محصورة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل المشروعة. الوثيقة المطروحة للتصويت والتي أعدت بمشاركة مؤسسات الحركة السياسية والدعوية والعسكرية ستعلن انسلاخ الحركة من أي ارتباط تنظيمي بأي جهة أو جماعة خارجية وعلى رأسها جماعة الإخوان.

قد لا نكون مبالغين أو مجافين للدقة إذا قلنا: لا جديد في ما تورده الوثيقة من مضامين باستثناء أمرين: الأول التفريق في أدبيات الحركة بين اليهودية كدين وبين المحتل الإسرائيلي حتى لو كان عربياً غير يهودياً ضمن جيش الاحتلال. والثاني: الإعلان الرسمي بشأن "الانفصال التنظيمي" عن حركة الإخوان المسلمين، علما أن ما يتم تداوله، بين العارفين بأحوال الإخوان المسلمين فكرياً وتنظيميا، أن حماس استقلّت تنظيميا وإداريا مع الاحتفاظ بالقواسم الفكرية، عن الإخوان المسلمين في الأردن أولاً ثم عن إخوان مصر تالياً بهدوء وصمت قبل انطلاق الانتفاضات العربية بسنة أو سنتين. وتم ذلك كله بتنسيق ودعم من قبل التنظيمين في عمان والقاهرة.

من هنا لا يمكن فهم صدور وثيقة سياسية جديدة بعد ثلاثين عاماً تقريبا على وضع الميثاق للحركة، إلاّ ضمن سياق تخفيف الضغوط المتزايدة على الحركة محلياً وإقليمياً ودولياً في إطار تأكيد على بعض المؤكد، وكشف بعض مما كان مُخبّأ، أملاً في ترميم العلاقات المخرّبة مع عواصم عربية فاعلة من ناحية، وتنقية العلاقات القائمة مع دول أخرى من بعض الشوائب من ناحية أخرى، على قاعدة "أفضل طريق للخروج من المأزق هو إعادة اللعب وفق قواعد جديدة".

مع ما سبق، لا يمكن استبعاد فرضية التحول إذ أن من الخطأ التنبؤ بمسارات ومآلات التحولات التي هي سُنّة ماضية في أي أيديولوجيا وحزب، وتجارب الحياة وتعاقب القادة والزعماء وتغير الظروف والأحوال القريبة والبعيدة تجعل من التحولات الأيديولوجية وتطورها أمرا طبيعيا في صيرورة دؤوبة غير منتهية. فحماس وفق المعطيات الداخلية والخارجية ليست على خير ما يرام. أمامها قائمة من الأسئلة التي تتنظر إجابات واضحة ودقيقة وسريعة.. الخيارات عندها ضاقت عما كانت عليه من قبل.
القضية الفلسطينية التي كانت ملء سمع العالم وبصره حلّت تالياً في الهمّ العربي بعد الهمّ الداخلي.. الانقسام الفلسطيني المستمر منذ عشر سنوات تقريبا أساء للقضية أكثر مما أساءت إليها مغامرات بعض الفصائل الفلسطينية في العالم العربي منذ السبعينات وحتى يومنا هذا. كما أن الحصار غير المفهوم عروبة ودينا على قطاع استحالت معه غزة سجنا كبيراً إرضاء للعنجهية والنزق الإسرائيلي وغطرسته اللامحدودة أمام شعب يناضل بصدوره العارية يحدّ من خيارات الحركة على المناورة. وتهم الإرهاب و"الدعشنة" والانتماء للإخوان المسلمين تنظيمياً وفكرياً أصبحت هي الأخرى سُبّة جديدة تُساق للنيل من حماس وغمز قناتها والتحريض ضدّها بعفوية وسلامة صدر أو بغل دفين مغطى بقماشة النصح المبين. 
حتى التصنيف الإرهابي للحركة الذي كان ماركة مسجلة وحكرا خاصاً على حلفاء إسرائيل، يتبارى حوله اليوم بعض من كتّاب العرب لوسم حماس به في مسرحية لا تكاد تنتهي فصولها تساوقا مع فصول القضية الفلسطينية المستمرة.

أخطأت حماس في ملفات كثيرة ولا شك، وقد راهن كثيرون على هزيمتها وهزيمة من يساندها في مشروع التحرر الوطني.. حزن آخرون على خروجها أو ابتعادها عما يرونه عمقها الفكري والسياسي والنضالي، كما تريث البعض في الحكم لها وعليها. لكن لا شيء يبرر الحملات العنيفة المركزة عليها.

الثابت الذي تعرفه حماس جيداً ويعرفه الآخرون عنها أنها فصيل كبير من الفصائل التي حملت همّ القضية، وليست الممثل الوحيد أو صاحبة الحقّ الحصري للنطق باسمها. حماس وان كانت ابنة شرعية لأم تتسمى ب "الإخوان المسلمين" إلا أنها بذرة فلسطينية عربية إسلامية تكونت نواتها في التربة الفلسطينية، وعجنت بقضيتها وتجلياتها النضالية.. تخسر حماس حين تكون في هذا المربع او ذاك خارج فلسطين.
تخسر حماس حين تكون في حلف أجندته خارج فلسطين.. لا بأس ان تلتقي مع من يخاطب ودّ القضية ويعمل لها بدافع إنساني أو قومي أو ديني. لا بأس أن تعزز حماس، وغيرها من الفصائل، المشترك مع الآخر حول القضية وفيها، لكن من الخطأ غير المغفور أن تجد نفسها أسيرة أجندات بعيدة عن قداسة القضية.. فقد سبق لفصائل فلسطينية أن غرقت في مشاكل العالم العربي المتكاثرة. تحول بعضها إلى عنصر صعب في معادلات داخلية غير فلسطينية أو حتى جهة وظيفية في لعبة إقليمية أكبر.. كانت النتيجة أن الحساب المتوجب دفعه غالبا ما يسحب من رصيد القضية، ويمضي فصيل ويأت آخر وتتكرر الحوادث والظروف ويعود الدفع من رصيد القضية.

لا شك أن حركة حماس رغم أنها حركة تحرر وطني في الدرجة الأولى، وهي إلى جانب أخوات لها في البيئة الفلسطينية، تتحمل عبء قضية لا يختلف اثنان على عدالة إنسانيتها وحجم ثقلها ووطأتها على المنافح عنها لا سيما مع ما لابسها من ظروف وتحديات وعوائق ومؤامرات لإجهاضها وتقزيمها وتوظيفها لصالح أجندات نظم ومخابرات، قضية قمعت بسببها شعوب، وتحت بيارق شعاراتها احتلت بلدان وقامت انقلابات، كان لجميعها في نهاية المطاف آثارا سلبية على الصمود الفلسطيني.

ستدرك حماس عاجلاً أم آجلاً أنّها ليست إلا فصيلاً جديداً في كتاب النضال الفلسطيني، وأن قيمتها من قيمة القضية التي تحملها وأنها ليست بأفضل من مثيلاتها في الفصائل، ومعيار التفاضل يكون على قدر بذل المال والدماء في خدمة هذه القضية دون كثير أو قليل. فلا ميزة لأيدولوجية على أيديولوجية، ولا منشأ على منشأ، ولا لحلف على حلف، طالما أن المعيار هو عدالة القضية وحجم خدمتها. وفي تقديري انه لم يعد للحركة من أولوية بعد اليوم إلا لجم الانقسام الداخلي لجسر الصف الفلسطيني وتوحيده، فهل قادتها الجدد يمتلكون العزيمة والقدرة على إعادة بوصلة الحراك.

وإذا ما كانت الحركة تشهد تحولات حقيقية مراميها إعادة النظر في تعريف الذات والقضية بالنسبة لها، فنرجو ألا تكون معايير إعادة تعريف الذات والآخر الاستسلام لحروب يشنّها الآخرون عليها لأسباب أيديولوجية أو تلافياً لحسابات حزبية ضيقة يراد تصفيتها، أو لهثاً خلف اعتراف رسمي بها هو أقرب إلى السراب منه إلى الحقيقية، أو قفزاً غير مدروس في الفراغ قد يطيح بها وبما تمثله من حيثية داخل الشارع الفلسطيني. وعزاؤنا أن القضية الفلسطينية ستبقى حيّة في الوعي العربي، وسيبقى الرّحم الفلسطيني ولّاداً لأيدولوجيات وطروحات ومقاربات جديدة على طريق تحرير التاريخ والجغرافية والديمغرافية شارعا شارع، وقرية قرية، ومدينة مدينة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد علوش

معد ومقدم برامج في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

عن التحوّل الأبرز في تاريخ الإخوان المسلمين

لما جاء سيّد قطب إلى ساحة الحركة الإسلامية، أحدث تحولاً كبيراً ما كان لحسن البنّا أن يحدثه على...

مُنَظّرٌ إسلامي في رئاسة الحكومة

أطروحة الطبيب النفسي سعد الدين العثماني الذي شغل منصب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي...

منطلقات عميقة في سياسات تركيا الحديثة

لا تنظر تركيا إلى نفسها في عهد إردوغان على أنها مجرد دولة قومية للأتراك بل هي أمة تضم بين...

نجح سعيد.. فما هي أولى تحديات عهده؟

أولى العقبات التي تواجه سعيد أن الأحزاب التي تلت حركة النهضة (52 مقعداً من أصل 217) في عدد...

هل تتَّجه الولايات المتحدة إلى حربٍ أهلية؟

لم تكن زلّة قدَم حين غرَّد الرئيس الأميركي بما قاله القسّ الإنجيلي روبرت جيفرس لقناة "فوكس...

لماذا تخلَّت واشنطن عن حلفائها الكرد في سوريا؟

نجحت الاستراتيجية الأميركية في توظيف وكلاء محلّيين في القضاء على "داعش" واعتقال الآلاف من عناصره...