لا عسكرة للحراك البحريني.. سحب جنسية الشيخ قاسم إعلان قطيعة مع المعارضة

اليوم يأتي القرار بسحب جنسية الشيخ عيسى قاسم ليكون إسفيناً جديداً يضرب العلاقة بين المعارضة الاسلامية الشيعية والسلطة في انسداد واضح لأفق تسوية قريب. هو باختصار إعلان قطيعة مع المعارضة وتحديداً الشيعية منها.

سحب جنسية الشيخ قاسم فرض وضعاً جديداً وعاد الناس للشوارع للاحتجاج وإن داخل قراهم

صادمة أتت سلسلة الاجراءات التي اتخذتها السلطات في البحرين مؤخرا بحق المعارضين ومؤسساتهم السياسية.

وجاءت الصدمة أكبر عندما أنسحبت هذه الاجراءات لتطال أكبر مرجع دين شيعي في البلاد الشيخ عيسى قاسم، هذا الرجل ذو الشخصية الكارزماتية القوية والعنيدة، قوته ونفوذه في الشارع كانا محط استياء وامتعاض لدى السلطات حتى ما قبل 14 فبراير 2011.

برز الشيخ قاسم كقائد بعد وفاة الشيخ عبدالأمير الجمري –رحمه الله- الأب الروحي لما عرف بانتفاضة التسعينيات، وليس مبالغ القول إن البحرين منذ عام 2002 سادتها خصومة مستترة تصاعدت تدريجيا، حكم فيها اثنان، ملك البلاد من جهة والشيخ قاسم من جهة أخرى، الأول حكم بالسلطة ومؤسساتها والثاني حكم بالكارزما وموج بشري من ابناء الطائفة الشيعية عبرت عنهم تنظيميا وسياسيا جمعية الوفاق الاسلامية المعارضة التي رأت في الدستور الذي طرحه الملك آنذاك دستورا منقوصا.

وعلى الرغم من مشاركتها في الانتخابات عامي 2006 و2010 إلا انها ما فتأت تطالب بتغير دستوري في سبيل تحقيق شراكة سياسية كاملة في الحكم وانهاء سياسية التمييز. سياسية ولدت احتقان – كما يقول المعارضون- انفجر في دوار اللؤلؤة عام 2011.

اليوم يأتي القرار بسحب جنسية الشيخ عيسى قاسم ليكون اسفينا جديدا يضرب العلاقة بين المعارضة الاسلامية الشيعية والسلطة في انسداد واضح لافق تسوية قريب. هو باختصار اعلان قطيعة مع المعارضة وتحديدا الشيعية منها.

واقعا، لم يكن هناك ما يشير سياسيا للاجراءات التصعيدية الاخيرة، سواء ازاء الوفاق وأمينها العام أو الشيخ قاسم، فالاخير توقف عن الخطابة منذ سنتين، والوفاق اقتصر نشاطها على بيانات شبه يومية، أما المسيرات التي كانت تخرج في القرى فقد بدأت تضمحل وتتلاشى ونقاط التفتيش وصلت إلى حدودها الدنيا وفي بعض المناطق ازيحت. لماذا أعيد صب الزيت على نار لم تنطفئ ولكنها أضحت اكثر هدوءا! يبدو أن في الأمر عدة اعتبارات.

أولها أن الحليفان الاميركي والبريطاني – الاكثر نفوذا وتأثيرا- في حالة انشغال نحو الداخل، الاميركيون منشغلون بالانتخابات الرئاسية، والبريطانيون أمام تحول تاريخي بالبقاء او الخروج من الاتحاد الاوروبي وما سيستتبع ذلك من تحولات وارهاصات. 

وللاشارة، فأن هذين الحليفيين لم يمارسا من الاساس ضغوطا حقيقة من أجل إجراء إصلاحيات سياسية، وإنما انصبت ضغوطهما على ضبط إيقاع الواقع الحقوقي قدر الامكان منعا لتفاقم الأزمة. ما يجعل استثمار هذا الانشغال فرصة لاتخاذ اجراءات قد لا تتيحها ظروف اخرى، استعدادا لمرحلة ما بعد الانتخابات الاميركية.

يساعد السلطة في ذلك الاقليم الذي وفر غطاءا خليجيا وعربيا منذ اندلاع الازمة تحت عنوان التدخلات الايرانية في البحرين والخليج، كما أن المنامة كانت ومازالت تدور في فلك الرياض التي اتخذ صقورها قرارا بمواجهة ما يسمونه بالمشروع الايراني في المنطقة. والمناطق التي تقع ضمن المحيط الحيوي السعودي قبل غيرها.

ولسوء حظ البحرينيين الذين تعود مطالبهم إلى عشرينيات القرن المنصرم تأتي تطلعاتهم في ظروف إقليمية تشهد توترا طائفيا ما يسهل تصنيفهم ضمن دائرة النفوذ الايراني على اعتبار أن غالبيهم من الشيعة، وما الإجراءات الاخيرة الا  رقما يضاف آخِرا على قائمة تصفية الحسابات الاقليمية مع ايران بعد حرب اليمن، واعدام الشيخ النمر.

ردود الفعل الايرانية جاءت سريعة وقاطعة باعتبار الشيخ قاسم خطا احمر، وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني خرج عن صمته مهددا بعسكرة الحراك، ولكن في الحقيقة أنه في بلد مثل البحرين لا امكانية ولا مكان أو توجه لعسكرة الحراك منذ اندلاعه وحتى هذه اللحظة.

بمنطق الجغرافيا هذا غير ممكن، البحرين جزيرة لا تتجاوز مساحتها 765 كيلومترا ترتبط بمنفذ بري واحد، هو جسر الملك فهد مع المملكة العربية السعودية. لا ممرات للسلاح وخطوط امداد، كما أنه بصعوبة بمكان أن يتم تهريب الاسلحة عبر البحر، البحرين بلد يسهل تطويقه وحصاره برا وبحرا وجوًا، كما ان القرى ذات الثقل المعارض عبارة عن مناطق متداخلة وصغيرة جدا يسهل محاصرتها، وما حدث في فترة السلامة الوطنية اثبت ذلك.

من جانب آخر، لا يوجد سوق سلاح في البحرين، الشعب أعزل، ومن يملك السلاح هي الدولة، وبطبيعة الحال لا يوجد شيعة في المؤسسات الأمنية والعسكرية.

الأمر الآخر هو أنه لا مصلحة في عسكرة الأزمة التي ستتحول تلقائيا إلى حرب طائفية مكشوفة يسيل الدم فيها من طرف واحد، نتيجة لغياب توازن القوى بين طرفي الصراع.

هذا يرجعنا إلى ما كشفته وثائق ويكليكس عن ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة الذي قال خلال لقاءه بالسفير الاميركي إن معظم المنظمات السياسية والاجتماعية مذهبية في البحرين، واضاف:" لا نريد أن يكون لدينا نموذجا سياسيا مثل لبنان قائم على اساس المحاصصة الطائفية، واذا كان الشيعة يملكون الغالبية فإن السنة لديهم السلاح".

اذا لا مصلحة ولا امكانية تسمح للبحرينين بحمل السلاح وعسكرة حراكهم كما تذهب بعض التصريحات الايرانية التي أثارت امتعاضا واستنكارا كبيرين في الداخل.

وفي هذا الصدد يقول معارض فضل عدم الكشف عن اسمه تعليقا على موقف الجنرال سليماني:" لا نريد من ايران ولا السعودية أن تتدخلا لا مصلحة في ذلك، لانه يعرضنا لتجاذب غير محمود النتائج، وكلما صرح الايرانيون بهكذا مواقف كلما خدموا رواية السلطة، لا مجال للسلاح، والمصلحة الوطنية تقتضي معالجة الأزمة بالحوار".

ويضيف:" الايرانيون حذروا من اعدام الشهيد النمر ولم يحدث شي، ولم يقدموا دعما حقيقيا لليمنيين في حربهم مع السعودية، على البحرينيين ان يستقرأوا الواقع بشكل جيد وأن يستمروا في سلميتهم كخيار للمطالبة بحقوقهم، الأزمة داخلية ويجب ان تبقى داخلية، لن يتحمل أحد تكلفة الصدام، والحاصل في الاقليم يشير بقوة إلى عدم جدوى المواجهة".

لقد فرض سحب جنسية الشيخ قاسم وضعا جديدا، عاد الناس للشوارع للاحتجاج وإنْ داخل قراهم، تجمع المئات أمام منزل الشيخ عيسى قاسم للاعتصام، تجمع لا يبدو أنه سينفك قريبا، دون ضحايا. أمر تدركه السلطة.

قبل أيام اجتمع الملك بكبار القادة الامنيين والعسكريين في وزارة الداخلية والدفاع والحرس الوطني تحسبا لما قد يجري، ولا ننسى أن قوات درع الجزيرة مازالت موجودة اذا ما تطلب الأمر تدخلهم واعلان حالة السلامة الوطنية. رغم اني لا أعتقد أن السلطة ترجح سيناريو المواجهة على غرار 2011.

على الارجح أنه سيتم المراهنة على الوقت، حصار منطقة الدراز كما يجري حاليا، وعدم السماح بالدخول إلا لمن يقطن المنطقة ومن ثم فض الاعتصام بأقل الخسائر.

أما السيناريو الآخر، فهو الانتظار إلى أن يفض المعتصمون تجمعهم على اعتبار ان الموجودين فقط هم من ابناء المنطقة ومن ثم اتخاذ اجراء الترحيل. وقد تكتفي السلطة باسقاط الجنسية دون المضي قدما في اجراء الترحيل. كل شيء وارد.

ولكن الاكيد أنها ماضية في تعطيل الحياة السياسية، واغلاق ابواب الحوار إلى اجل غير مسمى، مستفيدة من ظروف اقليمية ودولية مواتية، هذا التراجع لنقطة الصفر يسمح لها مستقبلا بالقفز إلى المربع الأول والثاني دون تخطي سقف ما كان قبل فبراير 2011.

بمعنى آخر، تجمع السلطة اواراقا تضعها على الطاولة في المستقبل للتفاوض، وكل تنازل على صعيد الحقوق سيعد انجازا، ما يحيل التسوية من سياسية إلى حقوقية، وأي تفاوض سياسي لن يخرج في حده الاقصى عن تعديلات دستورية ضمن قواعد السلطة والاقليم.

ختاما، الرهان الاول والاخير الآن على عقلانية المعارضة بعدم الذهاب نحو خيار المواجهة، فالظروف الاقليمية تضع البحرين والبحرينيين في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، هذا البلد الصغير اشبه ببيت نمل في أرض تتصارع فيها الفيلة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وفاء العم

إعلامية بحرينية عملت مذيعة في تلفزيون الميادين، كتبت مقالات عدة في الشؤون الخليجية.

إقرأ للكاتب

التطبيع الخليجي مع "إسرائيل".. عوائد غير مضمونة

من الضروري في هذه المرحلة العودة إلى إحدى المبادرات التي أطلقت أواخر العام 2019، لفهم حدود هذا...

الاستدارة الكاملة لأبو ظبي نحو دمشق

مسألة الانفتاح الخليجيّ على دمشق لن تطول، ولا شك في أن الإمارات ستقودها.

كورونا يكشف مستور العمالة الآسيوية في الخليج

ربما تتباين الأوضاع بين الأفضل قليلاً والأسوأ قليلاً، ولكن الحقيقة أن العمالة الآسيوية في الخليج...

كواليس البحرينيين العالقين في إيران

في الحقيقة، تتداخل المعطيات وتتناقض المعلومات بشأن ما يجري. ما يقوله المعارضون يختلف عما تقوله...

البحرين.. إفراجات أمنية بلا انفراج سياسي

لماذا الآن؟ وهل تفتح السلطة في البحرين ثقباً في جدار الأزمة السياسية التي تواجهها البلاد أو هي...

تنافُس سعودي قَطري على باكستان.. مَن الرابِح؟

لا يمكن قراءة السياسة القَطرية بمُعزَل عن تحالفها الاستراتيجي مع أنقرة والرامي إلى مدّ النفوذ في...