الغيرة الوطنية على الفلوجة!

اللافت أن تياراَ من شخصيات لا غبار على انتمائها الوطني، تدفعها خشيتها من الأعظم إلى قبول التعايش مع همجية "داعش" بانتظار أن تعود الانقسامات السياسية إلى ما رسمته مسبقاً في رؤاها قبل حوالى دهر. وفي هذا السياق تبخس المقاتلين في معركة عادلة القدرة، الإفادة من الدروس والارتقاء بين تجربة وأخرى.

بعض الشخصيات الوطنية والقومية أخذت بمنهج "شيطنة" إيران وحلفائها
أثار التحضير لمعركة تحرير الفلوجة موجة هلع اعتادت أن تشتد نبرتها كلما بدت هزيمة "داعش" ممكنة. فالتنظيم يتبرّأ من ناتىء "تشدّده" قاصي سلطات الحكم وداني النُخب ووسائل الإعلام. لكن هزيمته في العراق وسوريا تعزّز إيران وحلفاءها في قتال "داعش"، كتهديد وجودي في المنطقة حاضرها ومستقبلها. وتلك معضلة أحلاها أهون الشرين في التقاطع مع "داعش" لمواجهة إيران وحلفائها.

بينما كانت خطة "داعش" في الفلوجة تعتمد على "نشر فرق الموت" كما وصفتها صحيفة "اندبندت" البريطانية في إشارة إلى اصطياد الناجين من أهل الفلوجة، أعلنت بعض وسائل الإعلام العربية النفير العام للتطوّع في قتال العراقيين إلى جانب "داعش". فأخذ الجيش العراقي والحشد الشعبي والعشائر بخطة عمل لتحرير المدينة، أخذها المتخوّفون على "داعش" غزوة إيرانية بيد الحشد الشعبي "لتدمير المدينة وتغيير الديمغرافيا السكانية الطائفية"، على ما ذهبت بعض التوقعات المغالية بادعاء المعرفة.

هذا المألوف الذي بات منهج عمل في "شيطنة" إيران وحلفائها، أخذ في سياقه بعض الشخصيات الوطنية والقومية الخارجة عن مألوف الاصطفافات الطائفية. ربما دفعها حرصها على عدم تسعير الانقسام الطائفي، إلى التخوّف من بعض التجاوزات في صب الزيت على النار. لكنها لم تجمع أصواتها وجهودها إلى باقي الأصوات والجهود في العمل على منع التجاوزات قبل حصولها، بل قطعت إلى الضفة الأخرى في الدعوة إلى وقف معركة التحرير سبيلاً لما تراه حماية أهل الفلوجة تحت ربقة همجية "داعش".

اللافت أن تياراَ من شخصيات لا غبار على انتمائها الوطني، تدفعها خشيتها من الأعظم إلى قبول التعايش مع همجية "داعش" بانتظار أن تعود الانقسامات السياسية إلى ما رسمته مسبقاً في رؤاها قبل حوالى دهر. وفي هذا السياق تبخس المقاتلين في معركة عادلة القدرة، الإفادة من الدروس والارتقاء بين تجربة وأخرى. فما كشفه تحرير الفلوجة هو أن المخاطر بأشكالها كافة، قد تكون حافزاً لتغليب الجامع المشترك على الانقسامات الفرعية، كما رسى التوافق بين العشائر والحشد والقوات الأمنية العراقية. ولا ريب أن الهاجس المشترك في حماية ما سماه المتحدث باسم الأمم المتحدة "قرابين تحرير الفلوجة"، أفضى إلى خطة عسكرية ناجحة أنقذت 50 ألفاً من الأهالي وفق "ستيفان دوجاريك". وفي هذه الملحمة لم يتجاوز الدمار بين 5 و10 % من الفلوجة بحسب تقديرات عضو مجلس حكومة محافظة الأنبار يحي الحمودي، بينما تجاوز التدمير في الرمادي نسبة ثمانين في المئة.

تحرير الفلوجة أثبت أن القوى المحلية يمكنها هزيمة "داعش" إذا تجاوزت السدود التي ترفعها الإدارة الأميركية، بذريعة فحص دم المقاتلين وهوياتهم. لكن التحرير أثبت أن أولوية القتال لهزيمة "داعش" هو السبيل الأمثل لتخفيف حدّة الانقسامات الطائفية، خلافاً للظن من تسعير هذه الانقسامات في مواجهة أولوية الأولويات. فأهالي الفلوجة المحررون من سجون "داعش" وهمجية القتل والاغتصاب يروون أهوالاَ قد لا تغيّر من عزيمة المعادين لإيران في "الدفاع عن الفلوجة"، لكنها يمكن أن تؤثر في مراجعة أحكام شخصيات وطنية لا تكبو إن سهت.