لماذا انتصرت السلفيات الدينية على التنويرين والقوميين؟

تعتبر الحركة التي أسسها وقادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد في القرن الثامن عشر الميلادي اللبنة الأولى في بناء الفكر السلفي المعروف حالياً، على الرغم أن سلفيات أخرى نشأت بعيدا عن مركز الولادة في نجد. كان من شأن سلفية الشيخ عبد الوهاب أنها تداخلت مع "الإسلام السياسي" في أكثر من محطة سياسية ومصيرية.

العالم العربي يشهد صعوداً ملحوظاً للسفليات الجهادية
شهد العالم العربي بعيد الانتفاضات الشعبية وانتكاساتها صعودا ملحوظاً للسلفيات الجهادية وتراجعاً ملحوظاً لما عداها من سلفيات مثل "السلفية العلمية" و"السلفية الجامية" و"السلفية السرورية"، في حين انكفأت تيارات الإسلام السياسي التي جسّدته جماعة الاخوان المسلمين في مصر وغيرها الى السجون والمنافي والانقسامات الداخلية أو محاولة الخروج من عباءة الإسلام السياسي اتقاءاً للضربات التي يتلقاها كما هو حال حركة النهضة التونسية حالياً، وقد ذبل غرس التنويريين العرب واقتصرت نوادي "القومية العربية" على نخب، رجالاتها فوق الخمسين أو الستين من العمر وهي في شبه انقطاع مع شرائح المجتمع الحديث الذي شكلت ثقافة مواقع التواصل الإجتماعي ومنصّات التراسل الفوري بنيته الفكرية والنفسية.  

تعتبر الحركة التي أسسها وقادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد في القرن الثامن عشر الميلادي اللبنة الأولى في بناء الفكر السلفي المعروف حالياً، على الرغم أن سلفيات أخرى نشأت بعيدا عن مركز الولادة في نجد. مثل حركة "عثمان دانفو ديو" في غرب أفريقيا في القرن الثامن عشر، وكانت دعوة إصلاحية في اطار صوفي. في الهند برزت السلفية بقوة مع رجالات كثر، مثل الشيخ أحمد الباريلي في القرن التاسع عشر، ثم الشيخ محمد يوسف الكندهلوي. كما ظهرت دعوة الشيخ محمد بن علي السنوسي في ليبيا والسودان في القرن التاسع عشر وكانت دعوة إصلاحية تقوم على التجديد ورفض التقليد ومقاومة الاحتلال. وقد زاحمت في ولادتها حركة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في مصر التي عرفت بـ "السلفية الإصلاحية". كما برزت في الشام سلفية الشيخ ناصر الدين الألباني، وكانت تختلف في بعض طروحاتها عن المدرسة النجدية.

جاءت سلفية الشيخ محمد بن عبد الوهاب تركز على إعادة قراءة الموروث الديني الذي طُبع في آخر سنينه – وفقا لرؤية الشيخ - بكمّ هائل من التفسيرات والتأويلات والتطبيقات البعيدة عن روحه الأصلية، لذا فهي نشدت هزيمة التصوف كفكر وطريقة عيش عبر ما رأته ضرورة لتأصيل "التوحيد"، معتمدة تقسيم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (عاش في القرن الثالث عشر الميلادي) له الى ثلاث أقسام، "توحيد الالوهية"، و"توحيد الربوبية"، و"توحيد الأسماء والصفات". فتشددت في "توحيد الألوهية"، ورأت أن المشركين كانوا موحّدين في الربوبية، مشركين في الألوهية في حالات الرخاء، خلافا لحالات العسرة، حيث يظهر التوحيد الخالص. واسقطت هذا على واقعها، فقالت: إن الفكر الصوفي المغالي وسلوك معتنقيه أشبه بفكر وسلوك مشركي العرب زمن النبوة.

تمكنت "السلفية النجدية" من هزيمة "السلفية الإصلاحية" التي بشّر بها المفكر جمال الدين الأفغاني، ونظّر لها الشيخ محمد عبده في القرن التاسع عشر من خلال مجلة "العروة الوثقى" حاثاً على تحرير العقل الديني من قيوده، وذاماً التقليد الذي استقرت عليه الأمة في عصره. كان همّه تحقيق التوافق بين الإيمان والعلم وبين النص والتاريخ.

 ما طرحه الشيخ عبده الملقب بـ "الشيخ الإمام" جاء بعد عودته الى مصر، وكان حاكم مصر عاقبه يومها بالسجن ثم النفي الى فرنسا لأنه شارك في الثورة التي قادها أحمد عرابي في فترة 1879-1882 ضد الخديوي توفيق الذي فتح البلاد على مصراعيها للتدخل الأجنبي. خلال نفيه في فرنسا صُدم الشيخ عبده بما رآه في الغرب، فانكفأ رافضا لكل ما يدعو للثورات، محاولا جهده التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية. وقد سار على منوال الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي كان محمد علي قد أرسله قبل قرن من ذلك الوقت الى فرنسا لدارسة أسباب تقدمها.

السيد محمد رشيد رضا والسلفية النجدية

السيد محمد رشيد رضا انحاز للسلفية بنسختها النجدية في أواخر عمره
خلال فترة الشيخ الإمام وبعده ظهرت في العالم العربي تيارات تنادي بالإصلاح انقسمت لاحقاً الى تيارات أساسية تمثلت في التيار الإسلامي المحافظ، التيار القومي العلماني، التيار القومي الإسلامي ، التيار العثماني الذي نادى ببقاء الدولة العثمانية، وقد انقرضت أغلب هذه التيارات أو ضمُرت لصالح التيار الديني المحافظ الذي ارتد الى التاريخ بقدّه وقديده، محاولاً جرّ الحاضر إلى الماضي حيث ينتهي التاريخ عند أعتاب القرن الذي ظهر فيه ابن تيمية.  

كان التحول بادياً بقوة في خطاب تلميذ الشيخ محمد عبده، السيد محمد رشيد رضا ( لبناني من بلدة القلمون جنوب مدينة طرابلس) الذي كان أباً ملهما لحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928. انحاز السيد رضا للسلفية بنسختها النجدية في أواخر عمره، وتخلى عن طروحات أستاذه عبده بشكل تدريجي في تفسيره المنشور على مجلة "المنار". وكان من عوامل هزيمة "السلفية الإصلاحية" على يد "السلفية النجدية" أن الأولى ذابت في طروحات "التنويريين" الذين برزوا فيما بعد، وتخلوا رويدا رويدا عن المرجعية الدينية في التأصيل للنهضة في حين نجحت الأخرى من خلال تحالفها مع الملك محمد بن سعود في تأسيس الدولة السعودية. يقال إن زوجة محمد بن سعود لما عرفت بأمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قالت لزوجها: "هذا الرجل ساقه الله إليك وهو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به".

كان من شأن سلفية الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنها تداخلت مع "الإسلام السياسي" في أكثر من محطة سياسية ومصيرية. بل كانت رافداً من روافد تكوينه وإن بشكل خجول ودقيق جداً عند حسن البنا. ثم تعمق الإسلام السياسي واتسع مع مقولات أخرى مثل "الحاكمية" و"الجاهلية" لكل من المودودي وقطب. وكان للعنف المفرط بحق الإسلاميين داخل السجون في الستينيات أثرٌ في نشأة التكفير في مصر قبل أن يتمّ التزواج الفكري بين "تنظيم الجهاد" المصري وسلفية أسامة بن لادن عبر مولودهما "تنظيم القاعدة" نهاية الثمانينيات.

نجد أن طروحات التنويريين اقتصرت منذ نشأتها على نخب فكرية وظلت حبيسة الصالونات الراقية في الوقت الذي عجزت فيه عن تسويق مشروعها بين الجماهير العربية لضعف ثقافتها الإسلامية في المحاججة أو لزهدها في بناء مرجعيتها الفكرية على روح التراث الإسلامي، ما سهّل الأمر أمام التيار الديني وبتواطئ مباشر أحياناً وغير مباشر في غالب الأحيان مع السلطة السياسية في تشويه صورة التنويريين ووصمهم بالعمالة للمستعمر الصليبي أو التغريب المعادي لروح الإسلام والأصالة العربية.

ما سبق لا يكفي وحده لتفسير ظاهرة عجز النخب التنويرية من الوصول للجماهير، كما لا يجوز نزع الحالة التي ظهرت فيها الطروحات التنويرية عن سياقها الاجتماعي والتاريخي. ففي الوقت الذي اعتبرت فيه الطروحات التنويرية جسماً غريباً دخيلاً على الإسلام ومفروضا عليه من فضاءات أوروبية مسيحية معادية تاريخياً للنهضة العربية والإسلامية، كانت السلفيات الدينية تطرح نفسها مجدّدة للنهضة وحامية للهوية العربية التي لا يمكن فكاكها عن الإسلام بحال من الأحوال. بل طرحت نفسها كامتداد لمدارس الإصلاح الديني التي لم تنقطع في تاريخ الإسلام منذ ظهوره في جزيرة العرب. وهكذا سوقت السلفيات المعاصرة نفسها حارساً صلداً للهوية الخالصة للأمة المسلمة المتمايزة عن ثقافات الشعوب الأخرى والمهددة في مشروعها الحضاري. فسَلفيّة الإمام أحمد بن حنبل (عاش في القرن التاسع الميلادي) كانت في مواجهة إهمال النص لصالح العقل الإغريفي، وتغوّل المعتزلة، وبروز الشعبوية في الدولة العباسية، فجاء نهجه الفكري طرحاً طهوريا يلتمس الأثر، مقدماً الحديث النبوي الضعيف السند على القياس العقلي المحض. ثم جاءت سلفية ابن تيمية في مواجهة التتار الذين اوشكوا على القضاء على الإسلام بعد اجتياح حاضرته بغداد، وذبحهم الخلفية العباسي رمز سيادة الدّين الإسلامي على الأرض، وتهديدهم لما تبقّى من أرض المسلمين في سوريا ومصر، فكان طرح ابن تيمية فكراً يؤصل للهوية الإسلامية الخالصة، وينافح عنها، معلياً من شأن الجهاد في وجه الغزو الخارجي. أما سلفية محمد بن عبد الوهاب فجاءت رداً على هيمنة التصوف على العقل المسلم، وكانت طرحاً نصياً طهورياً خالصاً في زمن أوشك الرجل المريض (الدولة العثمانية) على الموت قبل أن ينحرف تماماً في آخر حياته وينحاز لصالح الطورانيين الترك، معلياً من شأن القومية التركية على ما عداها من قوميات منتظمة ضمن الأمة الإسلامية الواحدة. فكان العداء للقومية متأصلاً عند العقل الديني الذي حمل شعلة مواجهة المؤامرة الغربية ورافضاً كل منتجات الحداثة وافرازاتها. ومع تأزم الظاهرة وتعثر النهضة وانسداد الأفق أمام البعث الإسلامي واشتداد الهزيمة الحضارية أكثر مما كانت عليه منتصف القرن الماضي امتشقت السلفيات الحالية السيوف، معلنة حرباً لا هوادة فيها على كل مخالف لها من داخل الأمة أو خارجها. وما نلحظه اليوم من تفشي سلفيات جهادية شديدة التزمت والراديكالية ليس إلا انعكاساً صريحاً لأزمة الهوية أو غياب محدداتها عند العرب ومعهم سائر المسلمين.

تبقى الإشكالية المعلقة من دون حلّ ذلك أن ثورة تكنولوجيا الاتصالات التي فجرت الانتفاضات في العالم العربي، وخلقت فراغا واسعا بعد تراخي قبضة السلطات، ملأها الفكر الجهادي الذي يتغذى على الاضطراب السياسي والمجتمعي، في حين ظلت المقاربات التي تُقدم لدراسة الظاهرة والتعامل معها تكاد تنحصر في الجانب الأمني فقط، الأمر الذي عزز الظاهرة وفاقمها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد علوش

معد ومقدم برامج في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

نجح سعيد.. فما هي أولى تحديات عهده؟

أولى العقبات التي تواجه سعيد أن الأحزاب التي تلت حركة النهضة (52 مقعداً من أصل 217) في عدد...

هل تتَّجه الولايات المتحدة إلى حربٍ أهلية؟

لم تكن زلّة قدَم حين غرَّد الرئيس الأميركي بما قاله القسّ الإنجيلي روبرت جيفرس لقناة "فوكس...

لماذا تخلَّت واشنطن عن حلفائها الكرد في سوريا؟

نجحت الاستراتيجية الأميركية في توظيف وكلاء محلّيين في القضاء على "داعش" واعتقال الآلاف من عناصره...

السعودية وإيران: هل آن أوان التفاوض والحوار؟

مرارة ترامب لاذِعة جداً، لكن ما الذي يمكن فعله، وقد سبق للسعودية أن وضعت كلّ بيضها في سلَّة...

عن الأداء السعودي الملتبس

لا شيء ينال من قدرة الدولة وهيبتها، ويجعلها أقل فعالية وأكثر هدراً للطاقات والموارد، من غياب...

انتخابات تونس: قراءة في تراجُع "النهضة" وتقدّم آخرين

الناخِب التونسي عبر عزوفه النسبي عن الاقتراع، واقتراع أغلب شريحته الشابّة لقيس سعيد الذي اتّخذ...