عائد من فنزويلا

الرئيس الفنزيولي نيكولاس مادورو يعتبر نفسه أول رئيس تشافيزي متمسك بحماية الفقراء وحماية الاستقلال في أفق استكمال المهمات لترسيخ الثورة البوليفارية على الظلم وليس اشتراكية ديمقراطية تابعة للغرب واقتصاد سوقه كما يتم دفعه إلى نمط البرازيل

مادورو يعتبر نفسه أول رئيس تشافيزي متمسك بحماية الفقراء

في القمّة العالمية للتضامن مع جمهورية فنزويلا البوليفارية التي انتظمت في العاصمة كاراكاس ما بين 17و20 من سبتمبر/ أيلول الماضي، هبّ مؤيدون كثر للخط الثوري البوليفاري من أكثر من 65 دولة للدعم والتضامن ولكن للاطلاع والاستكشاف.أعربوا عن المساندة حتى مقبض السيف وكانت كلمات الكومندو المسؤول عن مرقد الزعيم الثوري هوغو تشافيز الذي تحيطه الجبال وأحياء الفقراء، في آخر أيام القمّة. فهو رفيق دربه ومن أقرب من في حلقته الضيّقة منذ أيام الثورة الأولى، مكثّفة مُعمّقة لروح،"الشعب المتّحد لا يُهزم". وكانت كلمات عن معنى "فنزويلا هزمت حتى الآن صقور الحرب على الصعيد المحلي والعالمي وهزمت العنف في الشوارع" على لسان المدّعي العام للدولة الفنزويلية المكلّف حديثاً من طرف الجمعية الوطنية التأسيسية، السيّد طارق وليام صعب وهو من أصل لبناني، في قاعة خوسيه فيلكس ريباس في مسرح تيريزا كارينو في لقاء الوفود المتضامنة معه، تعبيرة واقعية إلى حد بعيد عن حقيقة ما يجري. سنتجلّى تباعاً مستوياتها واحدة واحدة.

الرئيس مادورو يعتبر نفسه أول رئيس تشافيزي متمسك بحماية الفقراء وحماية الاستقلال في أفق استكمال المهمات لترسيخ الثورة البوليفارية على الظلم وليس اشتراكية ديمقراطية تابعة للغرب واقتصاد سوقه كما يتم دفعه إلى نمط البرازيل. كان الراحل كاسترو قد قال يوماً في حضور هوغو شافيز "إن مصير الثورة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك مصير كوبا، يعتمد من هنا فصاعداً على فنزويلا". ويا لها من مهمة ثقيلة على مادورو تحمّلها والنجاح فيها. يتّجه الرئيس على ما يبدو، بما مهّد له في اجتماع الحديقة الوطنية واراريا ريبانو (على علو 2300 م فوق سطح البحر) بحضور الرئيس البوليفي أيفو موراليس والوفود الزائرة يوم 17 المنقضي نحو محاربة الفساد. وهو ما أكّد عليه بشكل خاص في اجتماع شعبي أمام القصر الجمهوري الأسبوع الفارط بحضور من جاؤوا من العالم للتضامن، حيث أكّد على مقاومة البيروقراطية وانعدام النجاعة والفعالية والتصدّي للفساد، ما أدخل ارتياحاً عميقاً في الجماهير الحاضرة. فالفساد يحول دون وصول الدولة إلى أهدافها ويحول دون الحكومة والجماهير. وهو على ما فهمنا، أي الفساد، قابل للفهم على النحو التالي: هو آلية معارضة وهو أسلوب تخريب وهو أداة إسقاط للأنظمة الوطنية في ظل النظام الرأسمالي المتخلّف الذي ينخر برامجها.
ربما يكون شعاراً "وحدة نضال انتصار" يعبّر عن الخط السياسي العام الذي تسير عليه التشافيزية المادورية. فهو يراهن على وعي الشعب ويؤسّس لدولة الشعب ويعتبر أن المستهدف هو الشعب. لقد برهن الفنزويليون على إيمانهم بديمقراطية صناديق الاقتراع إذ وقعت 21 انتاخابات في 18 سنة. ونزعوا نحو الحوار مع ما يُسّمى طاولة الاتحاد الديمقراطي المعارضة ويواصلون التأكيد على الحوار الذي ترعاه الدومينيك. ورغم كل ما يقوم به اليمين العالمي لتدمير المسار الثوري الفنزولاني. لكن تبقى أسس المشاريع التشافيزية ثابتة ولا يدل شيء على ما يمكن أن يتفوق عليها. مشاريع مثل اتحاد شعوب أميركا اللاتينية ومجلس دفاع جنوب أميركا وجامعة أميركا الجنوبية وبيترو أميركا لاستثمار عائدات النفط وبنك أميركا الجنوبية وتلفزيون الجنوب (تيليسور). كل ذلك تعتبره أميركا تهديداً كبيراً لها بل وتهديداً للأمن القومي كما قال ترامب في الأسابيع الماضية بل ويذهب هذه الأيام إلى الدفع لإقرار عقوبات اقتصادية أخرى ضد فنزويلا. لن يتوانى مكتب واشنطن لأميركا اللاتينية حسب تقديرنا عن مواصلة دعم خطط الانقلاب بالأسلحة والمخابرات وربما فرق الموت. يكفي أن نذكر هنا بما وقع في تشيلي قبل عقود وما وقع في هندوراس سنة 2009 وانقلاب الباراغواي سنة 2012 وما وقع في الأرجنتين والبرازيل سنة 2016 وأمثلة أخرى عديدة في دول الكاريبي وأميركا الوسطى. أما حادثة ثكنة باراماكاي التي أصيب فيها 7 اأفار فتبقى في البال حيث يحتمل ان الاستهداف كان لسرقة السلاح.

البعد الدستوري في اللحظة الفنزويلية الراهنة هو من أهم المراهنات على إعادة الأمن والاستقرار. وتبقى مسألة "إبداع نموذج اقتصادي جديد" الصلب والمدار الأساسي المأمول من الجمعية الوطنية التأسيسية على نحو يجسّد حق الشعوب في اختيار نظامها الاقتصادي وبالتالي الاجتماعي والسياسي. قالت السيّدة دالسي رودريغاس رئيسة الجمعية الوطنية التأسيسية ذلك يوم الثلاثاء 19 سبتمبر/ أيلول الماضي بلهجة حاسمة وبتأكيد فريد في لقاء الوفد التضامني العالمي، موضحة أن النموذج الجديد المطلوب هو بتوصية مباشرة من الرئيس نيكولاس مادورو. وللإشارة هو الاستفتاء الأول على الدستور. وشدّدت على فرادة المسار التأسيسي في بلدها على أنه يتيح ممارسة شعبية للديمقراطية بوصفها ديمقراطية ثورية شعبية، وبوصفها شاملة للجميع ومطورة لحقوق الجميع وعلى رأسهم الأهالي الأصليين والنساء اللاتي سيحضين بفصل جديد يضيف إلى حقوقهن. ورغم تعطيل الانتخابات من طرف المعارضة ومحاولات إكراه الناس على عدم التصويت ما حدا بالسلطات تغيير بعض أماكن التصويت، ورغم عزل قضاة المحكمة الدستورية العليا من طرف الأغلبية البرلمانية اليمينية التي تسيطر على ثلثي البرلمان ووضع كل الإجراءات في خدمة الانقلاب لتنفيذ أوامر منظمة الدول الأميركية المعادية لنظام فنزويلا، فإن ما وقع من تصعيد في شارع ليبارتاريو مثلاً وغيره لم يشكّل إعاقة للمخرج الدستوري الذي برهن على وجاهته حتى الآن. وهو الذي سوف يحمي حسب تقديرنا الجانب الاجتماعي من المسألة باعتبار 6 ملايين عائلة تتمتّع بالتموين حسب وزير التموين عن طريق البطاقة الوطنية. وباعتبار ان 8 ملايين عائلة تحظى إلى جانب التوزيع المباشر للخدمات بالضمان الاجتماعي. ويساند هذه الإجراءات 50 بالمائة من الفنزويليين حسب الإحصاءات. وصوت للجمعية الوطنية التأسيسية 82 بالمائة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
صلاح الداودي

كاتب وأستاذ جامعي تونسي، منسق شبكة باب المغاربة للدراسات الإستراتيجية.

إقرأ للكاتب

من ليبيا إلى تونس: المقاومة الجيوسياسية بديلاً من الحدائق الخلفية

تونس وشعب تونس في مرحلة تهديد استراتيجي دقيق جداً، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن تهديد...

في الكاريبي التقى المُحرّرون العالميون.. من سليماني إلى بوليفار

مقاومة ميدانها العالم، منظورها التحرّر العالمي ونهجها عالمية المقاومة.

ما بعد التطبيع.. خطّة صناعة الحكم العربي مستقبلاً

تعتبر الوثيقة التي نحن بصددها، الأقرب إلى خطة "صفقة القرن"، والأكثر إدماجاً فيها وعكساً لروحها...

السّلام البيولوجيّ مقابل ديكتاتورية كورونا والذهنية الفيروسية

توجد نوازع شتى وفوضى عارمة تحاول أن تفرض نسقاً من الانطباع العالمي العام حول "COVID-19"، كفكر...

كورونا.. حرب إرهابية معولمة أو فيروس للانتحار الجماعي؟

يسود شعور بأن هذا الفيروس بشري أيضاً، ففضلاً عن كونه ينتقل بين البشر، ترى الناس والدول في شبه...

التكفير والديمقراطية في تونس اليوم

ما من شكٍّ أن التكفير الذي نحن بصَدَده هو تكفير سياسي وأن الديمقراطية التي نُشير إليها هي...