الخطاب الوهابي الذي يؤدي إلى جرائم بحق الأقباط

جريمة في مصر تعيد إلى ساحة الجدل مسألة الخطاب الديني والتحريض الطائفي.

 الحادث جدّد الحديث عن كيفية تجديد الخطاب الديني

يوم الجمعة 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2017 وفي منطقة مدينة السلام بالعاصمة القاهرة ،جريمة جديدة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، قام بها أحد أتباع الفكر الوهابي، بطعنه الكاهن القمّص سمعان شحاتة كاهن كنيسة"يوليوس الأقفهصي" بعزبة جرجس في محافظة بني سويف. ألقي القبض على الشاب وحُبس على ذمة التحقيق. التحريات كشفت أن الشاب معروف بميوله المتطرّفة التكفيرية، وظهر هذا واضحاً، لأنه بعد أن قتل الكاهن، قام برسم علامة الصليب على مقدمة رأسه باستخدام السلاح الأبيض، نكاية في المسيحيين.

هذا الحادث جدّد الحديث عن كيفية تجديد الخطاب الديني، وخطب الجمعة والجماعات، وكثير من المساجد في شرق مصر وغربها لا تنهي خطبها إلا بالدعاء على النصارى واليهود. وقد شاعت في مصر أحداث طائفية منذ دخول الوهّابية في السبعينيات، فيما غُلّت يد الأزهر من محاربة هذا الفكر، وقامت السعودية باستضافة كثير من شيوخ الأزهر، فتوهبنوا، وعادوا ونشروا الوهّابية داخل أروقة الأزهر.

واليوم يحاول الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية منع شيوخ الوهّابية من الخطابة وصعود المنابر وتجديد الخطب المنبرية، ولكن وخلال حوالى ثلث قرن من الزمان، انتشر الفكر التكفيري بصورة عامة، وأصبح القضاء عليه يحتاج إلى ملاحقته فكرياً ومعنوياً ودينياً ... فلقد تعودنا جميعاً على الدعاء على غير المسلمين ونردّد كلمة آمين خلف كل داع، وخلف كل خطيب. فكلّ خطباء المساجد من فوق ملايين المنابر يدعون بهذه الأدعية الغليظة الفكر، الكريهة الإيمان، ولا يشعرون للحظة أنهم يزدرون الأديان وغير المسلمين جميعاً، بل إن بعض الأدعية تدعو على المسلم المخالف في المذهب.

تلك الأدعية وردت في كتب السيرة، وهي نفس الكتب التي روت وشهدت للنبي أنه لم يحدث منه عليه السلام أن دعى على يهودي أو مسيحي، في تناقض وازدواج صارخ في الإيمان، ولكن المسلمين يعيشون في متناقضات لا يمكن جبرها إلا بتجريد كتب التراث بما فيها من فكر أعوج، أو قصْر الدين على القرآن الكريم والسنّة العملية، ومن دون ذلك بقاء التطرّف والإرهاب المتسربل باسم الدين.

على كل حال، قالوا إن هذه أدعية مأثورة عن السلف الصالح عن النبي عليه السلام، أدعية يرددها بعض المسلمين كل يوم جمعة تقول "اللّهم أعمِ أبصار المشركين واليهود والنصارى، اللّهم صم أذانهم، وأفقر غنيهم، واجعل الدائرة عليهم، ورمّل نساءهم، ويتّم أطفالهم.."

في هذا الكلام ما يرسّخ في أذهان وضمائر الناس وضمائرهم ووجدانهم الجمْعي كراهية غير المسلم واحتقاره ودونيّته، وخطباء الوهّابية يضيفون الدعاء على أهل التصوّف والروافض أي الشيعة والعلمانيين والقوميين والبعثيين إلى اليهود والنصاري، ليتيتّم أطفالهم وتترّمل نساؤهم، أي قتل الرجال جميعاً.

المفترض أن يدعو الخطباء لغير المسلم بالهداية والنجاح والفلاح، كما جاء بالآية الكريمة رقم 8 من سورة الممتحنة التي تنص "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"، فالله لم ينه، وبالتالي يحب البِرَ لغير المسلم الذي لم يخض حرباً هجومية ضد المسلمين، ومن ضمن البِر الدعاء له بالخير في الرزق والعافية، فضلاً منع الدعاء عليه بيُتم الأطفال وثكل النساء، والله يحب المقسطين، القسط  بين كل الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم ومذاهبهم. مثل هذه الأدعية تخالف جوهر الرسالة الإسلامية مخالفة فجّة وصريحة، فالدين محبة وسلام وإخاء، وليس واستكباراً في فترات القوة، والنبي الكريم عليه السلام لم يدعُ على أحد إلا بالهداية. فقد ذكرت كتب السيرة أن النبي دعا لأهل الطائف فقال "اللّهم أهد ثقيفاً وأت بهم"، وكذلك "اللّهم أهد دوساً (قبيلة دوس) وأت بهم"، وهكذا، وفي خطبة الوداع جاء فيها "أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى ... ألا هل بلغت...اللّهم فاشهد". فالنبي لم يذكر غير المسلم بسوء، والله قال لنا إن أهل الديانات الأخرى إذا فعلوا خيراً، فالله يذكره لهم. "لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ . يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ" (سورة آل عمران ).

ولذلك لا يمكن أن يطلب الله من المسلمين الدعاء عليهم بأن يتشتّت شملهم ويتفرّق جمعهم، أي تطهير عرقي عند القدرة، ويكونوا لقمة سائغة للمسلم حتى لو كان المسلم ظالماً. نرى أن داعش لا يفعل سوى هذا التطهير العرقي كما نراه في الأدعية،ويستند في ذلك على كتب تراث تهدم أسس الإيمان والتصديق، وهم لا يدركون.

لا يمكن أن يحضّ الله في القرآن الكريم على كراهية البشر المخالفين في الرأي، فضلاً عن قتلهم، تماماً مثلما تم اغتيال الكاهن الأرثوذكسي سمعان شحاتة، لا لشيء سوى لأنه مسيحي الديانة، ولذلك فلن تكون الجريمة الأخيرة للفكر الدموي القاتل، فالتكفيريون يريدون تفجير الفتنة الطائفية، أو على الأقل استباحة دماء الأقباط اعتقاداً منهم أنهم يتقربون بها إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي أبو الخير

كاتب مصري

إقرأ للكاتب

ثورة عبد الناصر الوحدوية

لم تكن الثورة المصرية التي حدثت في 23 تمّوز/ يوليو عام 1952، مُجرَّد حركة انقلابية من داخل الجيش...

انتصار المقاومة ومُغامرة المُعتدلين

قبل 13 عاماً، عاش العرب والمسلمون أيّاماً مجيدة، بشَّرت المظلومين والمُستضعفين في كل مكان بالخير...

دول الخليج المُهدّدة

في غمرة الحملات العسكرية والإعلامية بين الدولة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تبدو...

"الممر".. رؤية مصرية تدعم المقاومة في عملٍ سينمائي حربي درامي

تظل نكسة حزيران/يونيو 1967، أكبر مأساة في التاريخ العربي الحديث، وبسبب عار الهزيمة، ظلّت أحداثها...

المُصالحة الجغرافية والتاريخية بين حماس ومصر

وهي مصالحة ضرورية بحُكم التاريخ المشترك والجغرافيا الموحّدة بين الشعبين المصري والفلسطيني، مصر...

دلالات الاحتفال باليوم العالمي للقدس في القاهرة

ولو نظرنا لسبب موافقة الدولة المصرية على احتفالية السفارة الإيرانية، نجدها في السياسة الخارجية...