نظرات حول مؤتمر دور الفتوى في استقرار المجتمعات

كان الأفضل لمؤتمر الفتوى أن يقوم بمهمتين، الأولى أن يبحث بجدية عن سبب انتشار الفكر الإرهابي التكفيري، وأن يذكر بالإسم صراحة وعلى الملأ علانية أن الوهّابية هي السبب الأول.

نظرات حول مؤتمر دور الفتوى في استقرار المجتمعات

إنعقد في القاهرة على مدار ثلاثة أيام من 17 إلى 19 تشرين أول/ أكتوبر 2017، المؤتمر العالمي الثاني للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تحت عنوان "دور الفتوى في استقرار المجتمعات"، شارك في المؤتمر علماء من كافة دول العالم الإسلامي، فالفتوى في العالم الإسلامي تدخّلت في كل شيء، في المُباح والمُنكر، في الطب والمحاسبة والهندسة والزراعة، في كل شيء، وأضحى وأمسى على المسلم واجبات أذكار الصباح وأذكار المساء، صلاة الضحى وصلوات النوافل، ومن ثم لا يُوجد وقت للعمل، فالمسلمون يأكلون ويتنفسّون ويتزوّجون ويطلّقون ويتوارثون بكلام شيوخ أكثرهم لا ينفعون للفتوى، فترك المسلمون العمل للكسل العقلي، وهو ما نكتب فيه وعنه..

مؤتمر الفتوى فكرة جيّدة ونافعة، وكتابتنا عنه ليست للتقليل من الجهد المبذول ولا من النوايا الحسنة، ولكن للتذكير بالأفضل، ربما ما نكتبه يجد في المستقبل صدى لحوارات جديدة قادمة، فنقدنا ينفع ولا يمكن أن يضرّ أبداً.

جاءت محاور المؤتمر وتوصياته في دور الفتوى في تحقيق الاستقرار، والفتوى في مواجهة الإفساد والتخريب، والفتوى ودورها في دعم البناء والعمران، واستخدام الجماعات المتطرّفة للفضاء الإلكتروني، وتجربة دار الإفتاء المصرية في التعامل مع الفتاوى الشاذّة، وفوضى الإفتاء ووسائل الإعلام، ومشروع ميثاق شرف للفتاوى الإعلامية، والإفتاء والاستقرار الأسرى، وتهيأة المفتي ووضع مادة للإفتاء في المناهج الجامعية الدراسية، والتأكيد على ضرورة التجديد في قضايا الإفتاء شكلاً وموضوعاً واستحداث آليات معاصرة للتعامل مع النوازل والمستجدات، وأن الفتوى الجماعية تعاون علمي راقٍ، وهي أمان من الفتاوى الشاذّة، وغيرها من التوصيات وعددها 19 توصية التي يمكن الرجوع لموقع دار الإفتاء للتعرّف عليها.

وهنا نكتب عن ملاحظتين، الملاحظة الأولى هي غياب عُلماء قطر وتركيا وإيران وعُمان، ونفهم أسباب عدم وجود عُلماء من قطر، ففيها يوسف القرضاوي رأس التكفيريين ومعه ما يُسمّى اتحاد عُلماء المسلمين المتطرّف، ولا نفهم أسباب عدم وجود عُلماء من إيران التي يحكمها المذهب الجعفري الإمامي ومعه المذهب الشيعي، فهو إذن مؤتمر ضد التقريب بين المسلمين، كما لا نفهم عدم وجود عُلماء دين من تركيا، وهي الدولة السنّية الكبرى، فعُلماء تركيا ليسوا جميعاً في صف الإخواني رجب طيّب أردوغان، وكان يمكن الاستفادة من وجودهم، وإلا تكون السياسة هي التي تتحكّم في الفتوى، والتي كان من المفترض أن تبتعد عن تلك العلاقة الشائكة بين الدين والسياسة في بلاد المسلمين،، أيضاً لم يدع المؤتمر عُلماء من سلطنة عُمان، وهم إباضيون قريبون من فكر أهل السنّة والجماعة، لأن المذهب الإباضي من الممكن اعتباره فعلاً من مذاهب أهل السنّة، والمؤتمر إذن يُعتبر مؤتمر الفتوى عند أهل السنّة وحدهم، كذلك لاحظنا حضور الدكتور الشيخ محمّد عبد الكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وهو سعودي وعضو في هيئة عُلماء السعودية، حيث يوجد المذهب الوهّابي المؤثّر الأول في انتشار حركات التكفير والإرهاب، وقد طلب الدكتور العيسى بوجود عالم دين واحد يكون مرجعية وحيدة لكل المسلمين، وهي فكرة خيالية وسط الضباب الديني الذي فرّق أبناء الأمّة، وهذا يذكّرنا بمؤتمر جروزني في الشيشان العام الماضي عندما تم استبعاد الوهّابية من مذاهب أهل السنّة والجماعة، الأمر الذي جعل عُلماء الوهّابية في السعودية وغيرها يستنكرونه، فتراجع إمام الأزهر الأكبر الدكتور أحمد الطيب، فأرضى الشيوخ الوهّابيين واعتبرهم أهل سنّة وجماعة، حتى قلنا لعنَ الله السياسة.

أما الملاحظة الثانية على المؤتمر، أن حواراته وجلساته دارت حول تأهيل المفتين في العالم السنّي الواسع، واجتماع عُلماء الأمّة في الاجتهاد الجماعي، وهي أمور حميدة ولكنها غير رشيدة، حيث لم تحدث في تاريخ المسلمين أية فتوى جماعية، وإلا ما رأينا الشوافع والحنابلة والأحناف والمالكية والزيدية والجعفرية وغيرها، ونتذكّر هنا عندما أفتى الدكتور المرحوم محمّد حسين طنطاوي بتحليل فوائد البنوك، وأرسل فتواه إلى كل سفارات مصر في البلاد الإسلامية، التي سلّمتها للجهات الدينية في تلك البلاد، فماذا حدث؟!، الذي حدث هو أن فتوى تحريم فوائد البنوك ازدادت، وتفرّق الشيوخ من حولها حتى داخل مصر نفسها، ونقيس على ذلك باقي الفتاوى حتى تلك التي تخصّ المسلم في حياته اليومية وعلاقاته الأسرية، من فتاوى الطلاق والزواج والمواريث وغيرها من الفتاوى التي يختلف من حولها المسلمون، شيوخ وعامة، مثقّفون  وجهلة، لأننا ندرك أن عوام المسلمين يأخذون دينهم وفتاواهم من شيوخ المنابر وصبيان الوهّابية، لقد انتشر النقاب وإطلاق اللحى وحلق الشوارب وتقصير الثياب، وحرق الكنائس، كلها بسبب فتاوى هؤلاء الصبيان الوهّابيين، رغم أنف الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، وهي المؤسسات الوسطية التي تريد نشرها بين المسلمين.

كان الأفضل لمؤتمر الفتوى أن يقوم بمهمتين، الأولى أن يبحث بجدية عن سبب  انتشار الفكر الإرهابي التكفيري، وأن يذكر بالإسم صراحة وعلى الملأ علانية أن الوهّابية هي السبب الأول، التي انتشرت في العالم بأسره من خلال المال النفطي والكتاب السعودي، وأن المناهج الدراسية في المملكة الوهّابية فيها فتاوى القتل وسفك الدماء وتحريم السلام على غير المسلم، وتحريم الموسيقى والغناء والتسامح، وتحليل قتل الغير، مسلم أو غير مسلم، وكانت الفرصة متاحة للعُلماء بعد أن بدأت المملكة السعودية بالتجديد البطيء في الفكر الديني، فكان عليهم أن يساعدوا المملكة في تجديدها للخطاب الديني من جهة، فيخدمون الإسلام والمسلمين من جهة أخرى، أما المهمة الثانية، فهي أنه كان من المفترض تشكيل لجنة من كافة عُلماء المسلمين لتنقية كتب التراث التي يأخذ منها الإرهابيون فتاواهم، التي تقتل المسيحيين واليزيديين والشيعة والمتصوّفة، فليس من المقبول أن تبقى روايات نكاح لزوج لزوجته المتوفية، أو نكاح البهائم وإرضاع الكبير، أو روايات هدم الكنائس والتضييق على المسيحيين تُدرّس في المناهج الدراسية في كل الجامعات والمراكز الإسلامية، هذا خطأ، أما الخطأ الأكبر فكان في عدم وجود كتّاب وفلاسفة في المؤتمر، فهم الأقدر على التقريب ونشْر التسامح بين أبناء الأمّة الواحدة، هذا بالطبع لو رغب رجال الدين، ولا نراهم راغبين أبداً، لأنهم في النهاية يعيشون على جهد كُتب الأسلاف، تعلّموا علومهم صغاراً ويعلّموه كباراً، وهو مصدر دخلهم... فلا جديد تحت الشمس..

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي أبو الخير

كاتب مصري

إقرأ للكاتب

ثورة عبد الناصر الوحدوية

لم تكن الثورة المصرية التي حدثت في 23 تمّوز/ يوليو عام 1952، مُجرَّد حركة انقلابية من داخل الجيش...

انتصار المقاومة ومُغامرة المُعتدلين

قبل 13 عاماً، عاش العرب والمسلمون أيّاماً مجيدة، بشَّرت المظلومين والمُستضعفين في كل مكان بالخير...

دول الخليج المُهدّدة

في غمرة الحملات العسكرية والإعلامية بين الدولة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تبدو...

"الممر".. رؤية مصرية تدعم المقاومة في عملٍ سينمائي حربي درامي

تظل نكسة حزيران/يونيو 1967، أكبر مأساة في التاريخ العربي الحديث، وبسبب عار الهزيمة، ظلّت أحداثها...

المُصالحة الجغرافية والتاريخية بين حماس ومصر

وهي مصالحة ضرورية بحُكم التاريخ المشترك والجغرافيا الموحّدة بين الشعبين المصري والفلسطيني، مصر...

دلالات الاحتفال باليوم العالمي للقدس في القاهرة

ولو نظرنا لسبب موافقة الدولة المصرية على احتفالية السفارة الإيرانية، نجدها في السياسة الخارجية...