عيدا القيامة وشمّ النسيم ... يوما الوحدة الوطنية في مصر

وبعد الثورة الشعبية الكبرى عام 1919، والتي رفعت شعار الهلال مع الصليب، وشارك فيها الأقباط، فقد قامت الدولة رسمياً بالاحتفال بشمّ النسيم، وجعلته عيداً مصرياً خالصاً كما كان في العصر الفاطمي، وجعلته عطلة رسمية.

استعدادات مكثفة لاستقبال أعياد شم النسيم في عدة محافظات
استعدادات مكثفة لاستقبال أعياد شم النسيم في عدة محافظات

 يبدو أنه بعد أن هدأت الساحة السياسية، وبعد فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيساً للدولة المصرية لفترةٍ رئاسيةٍ ثانية، يحقّ للمصريين أن يحتفلوا بعيد وحدتهم المصرية، وهو العيد الذي نكتب عنه، لتعريف غير المصريين به أولاً، وربما يكون فاتِحة خير على مصر والمنطقة بأسرها، أو ندعو الله بهذا، وتكون مصر انتصرت نهائياً على الإرهاب، وسوريا في طريقها للنصر النهائي حيث بات قريباً جداً، وقوى المقاومة في طريقها للنصر على الصهيونية والاستعمار العالمي.

المهم هنا أنه في يوم الإثنين الموافق 9ل نيسان/إبريل 2018، يحتفل المصريون بعيد الربيع، وإسمه عيد شمّ النسيم، وهو يأتي دائماً بعد عيد القيامة الخاص بالمصريين الأقباط في الكنيسة الأرثوذكسية، وهو يوافق يوم 30 برمهات عام 1734 حسب السنة القبطية، والسنة القبطية بدأت منذ عصر الشهداء المسيحي، عندما أقام الإمبراطور الروماني دقلديانوس مذابح للمصريين عام 284 من ميلاد السيّد المسيح، بسبب محاولة الرومان فرض عقيدة ثنائية طبيعة المسيح اللاهوتية والناسوتية، وهو ما رفضه المصريون الذين يؤمنون بطبيعةٍ واحدةٍ للمسيح بأقانيم ثلاثة، ثم جعلوا التقويم القبطي يبدأ منذ ذاك العام.

كل هذه مقدّمة للكتابة عن عيد شمّ النسيم، عيد الوحدة الوطنية في مصر، وهو العيد الوحيد، الذي يحتفل فيه المصريون جميعاً، مسيحيون على اختلاف فِرقَهم، والمسلمون بطبيعة الحال، فيُعدّ شمّ النسيم عيداً مصرياً خالصاً.

يُقال إنه عيد فرعوني قديم منذ حوالى خمسة آلاف عام، حيث يؤكّد المؤرِّخون أن بداية الاحتفال بـشمّ النسيم، ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات الفرعونية، ويعتقدون أن الاحتفال بهذا العيد كان معروفاً في مدينة هليوبوليس "عين شمس" حالياً، وترجع تسمية شمّ النسيم، بهذا الإسم إلى الكلمة الفرعونية "شمو"، وهي كلمة مصرية قديمة تعني "بعث الحياة"، حيث كانوا يعتقدون أن ذلك اليوم هو أول الزمان، أو بداية خلق العالم، وتم تحريف هذا الإسم على مرِّ العصور، وأُضيفت إليه كلمة النسيم بعد أن صارت اللغة العربية لغة كافة المصريين، لارتباط هذا الفصل باعتدال الجو، وطيب النسيم، وما يُصاحب الاحتفال بذلك العيد من الخروج إلى الحدائق والمُتنزّهات والاستمتاع بجمال الطبيعة.

شمّ النسيم يأتي في شهر الربيع، في شهر نيسان/إبريل من كل عام، ليس له موعد مُحدّد في الشهر الربيعي، لأنه دائماً يأتي بعد احتفال الأشقاء الأقباط بعيد القيامة بعد صيامهم خمسة وخمسين يوماً، ولابدّ من أن يأتي عيد القيامة يوم أحد في شهر نيسان، ومن ثم لابدّ من أن يأتي شمّ النسيم يوم إثنين، أما لماذا يأتي عيد القيامة في شهر نيسان/إبريل أو في شهر برمهات القبطي، فله قصة طويلة لا مجال لها في المقال، لأننا نكتب عن العيد الذي يحتفل به كل المصريين، عندما يذهبون جميعاً فُرادى وجماعات لشمّ النسيم على شواطىء البحر الأبيض المتوسّط، أو على ضفاف النيل والدلتا أو في حدائق الحيوانات، أو في حقول الفلاّحين، ومعهم المأكولات البحرية، لا فرق بين الجميع، مسلم أو مسيحي، غنّي أو فقير، كلٌ حسبَ إمكاناته، والتوحّد يكون في بهجة الأطفال والكبار، وهو عيد رسمي وعطلة رسمية في الدولة المصرية، يتوقّف فيه العمل من أجل الاحتفال والوحدة بينهم جميعاً.

ظلّ المصريون يحتفلون بعيد شمّ النسيم طوال التاريخ في 21 آذار/مارس من كل عام، بداية شهر الربيع، أو عيد النيروز، وكان عيد القيامة يأتي في شهر نيسان/إبريل، حتى بعد عصر الشهداء، ويرجع الفضل في توحيد كافة المصريين في عيدٍ واحدٍ للدولة الفاطمية، لأنها جعلت العيد يتواكب مع عيد القيامة، فيشترك المسيحيون بعد صيامهم الكبير مع المسلمين واليهود في عيد الربيع أو شمّ النسيم، وكانت فكرة عبقرية رائعة، فقد كانت الاحتفالات بشمّ النسيم تتم على أوسع نِطاق طوال فترة الحُكم الفاطمي، فكما حافظَ المصريون على عادات ومظاهر الأكلات الشهيرة كالأسماك المُملّحة والبيض ونباتات الخسّ والبصل وغيرها من أكلات ترمز إلى يوم شمّ النسيم، فقد كان الفاطميون يقومون باحتفالٍ رسمي تنظّمه الدولة تعبيراً عن امتنانهم لأعياد مصر القديمة ومشاركة الشعب في فرحهم البريء، وكانت الاحتفالات تتضمّن تنظيم موكب احتفالي مُهيب يخرج على رأسه الخليفة الفاطمي وخلفه كبار رجال الدولة والقادة، ويُشرف على تنظيمه داعى الدُعاة الفاطمي، ويعاونه في ذلك 12 نقيباً ليطوف الموكب أرجاء القاهرة في مشهدٍ احتفالي كبير تسعد فيه مصر بأسرها، من دون النظر إلى أية اعتبارات غير اعتبارات الفرحة والبهجة، وضخّ مفهوم السعادة والابتهاج في العقل الجَمْعي المصري.

فالعصر الفاطمي هو العصر الذهبى لفكرة التسامُح الديني بين عنصريّ الأمّة، مما عمل على توحيد النسيج الوطني، واتضّح ذلك كما يقول المُتخصّصون في الآثار الفاطمية والمملوكية أن ذلك جاء من خلال عدد من الوثائق التي وصلت من دير سانت كاترين في سيناء، والتي أقرّت حقوق أهل الذمّة في العبادة واحترام رجال الدين المسيحي واليهودي، كما تشير تلك الوثائق إلى أن الولاة كانوا مسؤولين مسؤولية مباشرة عن أساقفة طور سيناء، وتوفير البيئة الاجتماعية والخدمية لمسيحيي مصر ويهودها، مثل مسلميها تماماً، وهناك إحدى الوثائق تؤكّد على مُعاقبة كل مَن يوجّه الأذي لغير المسلمين، كما تم إعفاء المسيحيين واليهود من بعض الضرائب.

وبعد سقوط الدولة الفاطمية ظلّ المصريون على المستوى الشعبي وحتى اليوم يحتلفون بشمّ النسيم ويُهنئون الأقباط بعيد القيامة بعد صومهم الأكبر، رغم عدم احتفال الدولة المملوكية والعثمانية من بعدها رسمياً بشمّ النسيم أو حتى عيد القيامة.

وبعد الثورة الشعبية الكبرى عام 1919، والتي رفعت شعار الهلال مع الصليب، وشارك فيها الأقباط، فقد قامت الدولة رسمياً بالاحتفال بشمّ النسيم، وجعلته عيداً مصرياً خالصاً كما كان في العصر الفاطمي، وجعلته عطلة رسمية.

وخلال الأربعين سنة الماضية بعد المدّ الوهّابي الكبير المؤثّر الممتد، بدأت فتاوى تحريم الاحتفال بشمّ النسيم تأتي من أبواق دُعاة الوهّابية في مصر، بزعم أنه عيد غير إسلامي، بل افتوا بتحريم تهنئة المسيحيين بعيد القيامة، وادّعى قائد إخواني بالقول إن من المعاصى تهنئة المسيحيين بعيد القيامة، ولكن يمكن تهنئتهم بعيد الميلاد، لأننا نؤمن بمولد المسيح ونُكفِّر مَن يقول بقيامته، رغم أن التهنئة عادة اجتماعية ليس لها علاقة بالدين، بقدر ما لها علاقة بوحدة نسيج الوطن، وهي فتوى رغم دمويّتها، لكن رفضها الوهّابيون السلفيون، بحجّة تحريم كل ما هو بهيج بريء، على أنه ورغم تلك الفتاوى الشاذّة وانتشار الفكر الوهّابي، ظلّ المصريون يحتفلون بالعيد الربيعي غير عابئين بالفتاوى الضالّة المُضلّلة، لأنها بالفعل تُخالف التديّن الشعبي المصري.

ظلّ المصريون يحتفلون بالمولد النبوي وليلة النصف من شعبان وغيرهما من الأعياد الدينية الإسلامية، كما ظلّ الفلاّحون المصريون يعتمدون التقويم القبطي في فلاحة الأرض وزراعتها، رغم كثرة فتاوى التكفير.

كل عام والمصريون والعرب والمسلمون والإنسانية بخير، ويندحر الظلام الفكري والهوَس الصهيوني معاً...

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي أبو الخير

كاتب مصري

إقرأ للكاتب

ثورة عبد الناصر الوحدوية

لم تكن الثورة المصرية التي حدثت في 23 تمّوز/ يوليو عام 1952، مُجرَّد حركة انقلابية من داخل الجيش...

انتصار المقاومة ومُغامرة المُعتدلين

قبل 13 عاماً، عاش العرب والمسلمون أيّاماً مجيدة، بشَّرت المظلومين والمُستضعفين في كل مكان بالخير...

دول الخليج المُهدّدة

في غمرة الحملات العسكرية والإعلامية بين الدولة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تبدو...

"الممر".. رؤية مصرية تدعم المقاومة في عملٍ سينمائي حربي درامي

تظل نكسة حزيران/يونيو 1967، أكبر مأساة في التاريخ العربي الحديث، وبسبب عار الهزيمة، ظلّت أحداثها...

المُصالحة الجغرافية والتاريخية بين حماس ومصر

وهي مصالحة ضرورية بحُكم التاريخ المشترك والجغرافيا الموحّدة بين الشعبين المصري والفلسطيني، مصر...

دلالات الاحتفال باليوم العالمي للقدس في القاهرة

ولو نظرنا لسبب موافقة الدولة المصرية على احتفالية السفارة الإيرانية، نجدها في السياسة الخارجية...